أَدْخُلُ الصَّحْراءَ وَلا أَدْخُلُهَا. الَّتِي تَتَقَدَّمُ نَحْوِي بِأَقْدامٍ مِنْ زُجاجٍ يَتَنَفَّسُ الرَّمْلَ، وَأَنَا أُؤَجِّلُ اسْمِي عَلَى مَشْجَبِ الغُبارِ، ثُمَّ أَرْتَدِي ظِلًّا لا يَعْرِفُ صَاحِبَهُ. كُلُّ حَبَّةِ رَمْلٍ كَانَتْ تُخَبِّئُ سِيرَةَ جَبَلٍ هَرِمٍ، وَكُلُّ جَبَلٍ يَحْمِلُ فِي عَظْمِهِ مِزْمَارًا لَمْ يَنْفُخْ فِيهِ أَحَدٌ مُنْذُ خَلَقَتِ الرِّيحُ لُغَتَهَا الأُولَى.
أَرَى التَّوَهُّجَ البُرْتُقالِيَّ يَنْهَضُ مِنْ تَحْتِ الرَّمادِ، لا كَشَمْسٍ، بَلْ كَثَمَرَةٍ نَسِيَهَا الإِلٰهُ عَلَى غُصْنِ اللَّيْلِ. أَمُدُّ يَدِي نَحْوَهَا، فَتُصْبِحُ أَصابِعِي أَسْرابًا مِنْ فَراشاتٍ تَحْمِلُ رُؤُوسَ الذِّئابِ، وَتَحُطُّ عَلَى كَتِفِ وَقْتٍ أَعْمَى يَتَحَسَّسُ الطُّرُقَ بِعُكَّازٍ مِنْ دُخانِ النُّجُومِ.
أَقُولُ: أَنَا الَّذِي وُلِدْتُ مِنْ خَطَإٍ
ارْتَكَبَتهُ المِرْآةُ حِينَ صَدَّقَتْ أَنَّ الوُجُوهَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرَى.
وَمُنْذُ ذٰلِكَ اليَوْمِ وَأَنَا أَحْمِلُ وَجْهِي فِي جَيْبِ رِيحٍ شَرْقِيَّةٍ،
وَأَسْتَعِيرُ لِلْكَلامِ أَلْسِنَةَ الأَحْجارِ، فَلا يَفْهَمُنِي سِوَى الغُرابِ
الَّذِي يَكْتُبُ وَصِيَّتَهُ عَلَى عَيْنِ قَمَرٍ مَكْسُورٍ.
لَمْ أَكُنْ أَمْشِي، بَلْ كَانَتِ الأَرْضُ
تُبَدِّلُ مَوَاضِعَهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، كَأَنَّهَا تُجَرِّبُ ذاكِرَةً أُخْرَى.
وَكَانَتِ الكُثْبانُ تَتَبادَلُ أَسْماءَهَا مَعَ السُّحُبِ، وَالسُّحُبُ
تَسْتَعِيرُ أَجْنِحَةَ الأَفاعِي، وَالأَفاعِي تَنْسَلِخُ عَنْ جِلْدِهَا
لِتَرْتَدِي أَغْلِفَةَ الكُتُبِ المَنْسِيَّةِ فِي مَكْتَبَاتِ الأَنْبِياءِ.
هُناكَ، وَجَدْتُ شَجَرَةً تُثْمِرُ ساعَاتٍ،
فَقَطَفْتُ ساعَةً، فَسالَ مِنْها زَمَنٌ أَزْرَقُ يَشْبَهُ دَمَ الحِيتانِ
الَّتِي تُهاجِرُ فِي أَعْماقِ السَّماءِ. شَرِبْتُ مِنْهُ، فَتَحَوَّلَ قَلْبِي
إِلَى بُوصَلَةٍ تُشِيرُ دَائِمًا إِلَى جِهَةٍ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً عَلَى أَيِّ
خَرِيطَةٍ، وَصِرْتُ أُنادِي أُمَّهَاتِي السَّبْعَ اللَّاتِي أَنْجَبْنَنِي مِنْ
أَرْحامِ الغُيُومِ، فَلا يُجِيبُنِي إِلَّا صَدَى يَرْتَدِي عِمَامَةً مِنْ
لَهَبٍ بَارِدٍ.
وَفِي مَنْتَصَفِ الصَّمْتِ، رَأَيْتُ
نَهْرًا يَجْرِي إِلَى أَعْلَى، وَيُغَنِّي بِلُغَةِ الأَجِنَّةِ قَبْلَ أَنْ
تَتَعَلَّمَ البُكَاءَ. غَسَلْتُ بِهِ عَيْنَيَّ، فَخَرَجَتْ مِنْهُما طُيُورٌ
صَغِيرَةٌ تَحْمِلُ عَلَى مَنَاقِيرِهَا مَفاتيحَ الأَحْلامِ. وَكُلَّما طارَتْ
وَاحِدَةٌ مِنْها، انْفَتَحَ بابٌ فِي جَسَدِي لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ لِي
فِيهِ مَمَرًّا.
ثُمَّ جَلَسْتُ أَمامَ التَّوَهُّجِ،
فَرَأَيْتُهُ يَكْتُبُنِي مَرَّةً أُخْرَى. لَمْ يَسْتَعْمِلْ حُرُوفًا، بَلِ
اسْتَعْمَلَ عِظامَ الفَجْرِ، وَرِيشَ النُّيازِكِ، وَحَلِيبَ الغَزالِ الَّذِي
رَضَعَ مِنْ ثَدْيِ القَمَرِ. وَكُلَّما أَضَافَ إِلَيَّ سَطْرًا، سَقَطَ مِنِّي
عُمْرٌ كَامِلٌ، حَتَّى صِرْتُ أَخِفَّ مِنْ زَفِيرِ فَرَسٍ يَجْرِي فِي مَرْجٍ لا
يَعْرِفُ الأَلْوانَ.
عِنْدَئِذٍ أَدْرَكْتُ أَنَّنِي لَسْتُ
المُسافِرَ، بَلْ إِنَّ الطَّرِيقَ هُوَ الَّذِي يَرْحَلُ دَاخِلِي، وَأَنَّ
الصَّحْراءَ لَيْسَتْ أَرْضًا، بَلْ مَخْلُوقٌ هائِلٌ يَحْلُمُ بِي كُلَّ
لَيْلَةٍ، وَيُوقِظُنِي كُلَّ فَجْرٍ لِأَكْتُبَ بِحِبْرِ السَّرابِ سِفْرًا
جَدِيدًا، لا يَقْرَؤُهُ أَحَدٌ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ يَبْلُغُ آخِرَ صَفْحَةٍ
يَتَحَوَّلُ إِلَى نَخْلَةٍ تَحْمِلُ فِي جَوْفِهَا عُشَّ آخِرِ العَنَاقِيقِ
الَّتِي هَرَبَتْ مِنْ مَوْسِمِ الخَلْقِ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق