أَهْلًا وَسَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الْأَدَبِيِّ، نَصْحَبُكُمْ الْيَوْمَ فِي رِحْلَةٍ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْ أَعْظَمِ الْمَلَاحِمِ الَّتِي أَنْتَجَهَا التُّرَاثُ الْإِنْسَانِيُّ، وَهِيَ الإِلْيَاذَةُ، أَوْ أُنْشُودَةُ طُرَوَادَةَ، الْمَنْسُوبَةُ إِلَى الشَّاعِرِ الْإِغْرِيقِيِّ الْكَبِيرِ هُومِيرُوس. وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّهَا كُتِبَتْ – أَوْ جُمِعَتْ – قَبْلَ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْنِ وَسَبْعِمِائَةِ عَامٍ، فَإِنَّهَا مَا زَالَتْ تُقْرَأُ وَتُدَرَّسُ وَتُلْهِمُ الْكُتَّابَ وَالْمُفَكِّرِينَ وَالْفَنَّانِينَ فِي أَنْحَاءِ الْعَالَمِ كَافَّةً. وَيُعَدُّ هَذَا الْعَمَلُ أَحَدَ الْأَسُسِ الْكُبْرَى لِلْأَدَبِ الْإِغْرِيقِيِّ الْقَدِيمِ، وَمِنْ أَقْدَمِ الْآثَارِ الْأَدَبِيَّةِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَيْنَا كَامِلَةً
تُنْسَبُ الإِلْيَاذَةُ إِلَى هُومِيرُوس،
الشَّاعِرِ الْإِغْرِيقِيِّ الَّذِي تَحَوَّلَ اسْمُهُ إِلَى أُسْطُورَةٍ فِي
تَارِيخِ الْأَدَبِ. وَرَغْمَ أَنَّ الْبَاحِثِينَ لَا يَمْلِكُونَ مَعْلُومَاتٍ
يَقِينِيَّةً عَنْ حَيَاتِهِ، فَإِنَّ أَثَرَهُ الْأَدَبِيَّ بَقِيَ خَالِدًا.
وَتَدُورُ الْمَلْحَمَةُ فِي السَّنَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ حَرْبِ طُرَوَادَةَ،
وَلَكِنَّهَا لَا تَرْوِي الْحَرْبَ كُلَّهَا، بَلْ تُرَكِّزُ عَلَى غَضَبِ
الْبَطَلِ أَخِيلِيس وَمَا أَحْدَثَهُ هَذَا الْغَضَبُ مِنْ تَحَوُّلَاتٍ
دَرَامِيَّةٍ. وَتَتَكَوَّنُ الْمَلْحَمَةُ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ
أُنْشُودَةً، وَتَضُمُّ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ أَلْفَ بَيْتٍ شِعْرِي
تَبْدَأُ الْمَلْحَمَةُ بِخِلَافٍ حَادٍّ بَيْنَ أَخِيلِيس،
أَعْظَمِ مُحَارِبِي الْإِغْرِيقِ، وَبَيْنَ قَائِدِ الْجَيْشِ أَغَامِمْنُون،
الَّذِي يَنْتَزِعُ مِنْهُ سَبِيَّتَهُ بْرِيسِيس. يَشْعُرُ أَخِيلِيسُ بِالْمَهَانَةِ، فَيَنْسَحِبُ
مِنَ الْقِتَالِ، فَتَتَغَيَّرُ مَوَازِينُ الْحَرْبِ لِصَالِحِ أَهْلِ
طُرَوَادَةَ.
وَيَتَصَاعَدُ التَّوَتُّرُ حَتَّى يُقْتَلَ
صَدِيقُ أَخِيلِيسَ الْمُقَرَّبُ بَاتْرُوكْلُوس عَلَى يَدِ الْبَطَلِ
الطُّرَوَادِيِّ هِكْتُور. هُنَا يَتَحَوَّلُ الْحُزْنُ إِلَى غَضَبٍ كَاسِحٍ، فَيَعُودُ أَخِيلِيسُ
إِلَى سَاحَةِ الْمَعْرَكَةِ، وَيُبَارِزُ هِكْتُورَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ أَشْهَرِ
الْمُبَارَزَاتِ فِي تَارِيخِ الْأَدَبِ، ثُمَّ يَقْتُلُهُ وَيَسْحَبُ جُثْمَانَهُ
حَوْلَ أَسْوَارِ الْمَدِينَةِ.
وَلَكِنَّ الْمَلْحَمَةَ لَا تَنْتَهِي
بِالِانْتِقَامِ، بَلْ تَبْلُغُ ذُرْوَتَهَا الْإِنْسَانِيَّةَ عِنْدَمَا يَذْهَبُ
الْمَلِكُ بْرِيَام، وَالِدُ هِكْتُور، إِلَى خَيْمَةِ أَخِيلِيسَ،
مُتَوَسِّلًا إِلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ جُثَّةَ ابْنِهِ. وَفِي ذَلِكَ اللِّقَاءِ
تَنْتَصِرُ الرَّحْمَةُ عَلَى الْغَضَبِ، وَيَكْتَشِفُ الْبَطَلُ أَنَّ
الْإِنْسَانِيَّةَ أَعْظَمُ مِنَ النَّصْرِ الْعَسْكَرِيِّ
تَسْتَنِدُ الْإِلْيَاذَةُ إِلَى أَسْطُورَةِ
حَرْبِ طُرَوَادَةَ، الَّتِي شَغَلَتِ الْخَيَالَ الْإِغْرِيقِيَّ قُرُونًا
طَوِيلَةً. وَيَرَى الْبَاحِثُونَ أَنَّ الْمَلْحَمَةَ جَمَعَتْ بَيْنَ ذَاكِرَةٍ
تَارِيخِيَّةٍ وَرِوَايَاتٍ شَفَهِيَّةٍ تَنَاقَلَهَا الرُّوَاةُ قَبْلَ
تَدْوِينِهَا. وَقَدْ كَانَتْ تُنْشَدُ فِي الْمَوَاسِمِ وَالِاحْتِفَالَاتِ
الدِّينِيَّةِ قَبْلَ أَنْ تُصْبِحَ نَصًّا مَكْتُوبًا. وَتَكْشِفُ الْمَلْحَمَةُ
عَنْ رُؤْيَةِ الْإِغْرِيقِ لِلْبُطُولَةِ وَالْمَجْدِ وَالْقَدَرِ وَعَلَاقَةِ
الْإِنْسَانِ بِالْآلِهَةِ، كَمَا تُبْرِزُ تَدَاخُلَ الْمُقَدَّسِ وَالْبَشَرِيِّ
فِي صُنْعِ الْمَصِيرِ)
لَمْ تَخْلُدِ الإِلْيَاذَةُ لِأَنَّهَا
تَتَحَدَّثُ عَنِ الْحَرْبِ فَقَطْ، بَلْ لِأَنَّهَا تَغُوصُ فِي أَعْمَاقِ
النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ. فَالْغَضَبُ، وَالْكِبْرِيَاءُ، وَالصَّدَاقَةُ،
وَالْفَقْدُ، وَالشَّفَقَةُ، وَالْمَوْتُ، وَالْمَجْدُ، كُلُّهَا مَوْضُوعَاتٌ لَا
تَفْقِدُ حَيَوِيَّتَهَا بِتَقَادُمِ الزَّمَنِ. وَقَدْ نَجَحَ هُومِيرُوسُ فِي
تَحْوِيلِ مَعْرَكَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ إِلَى مَلْحَمَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ عَنِ
الْإِنْسَانِ وَقَدَرِهِ، وَعَنْ ثَمَنِ الْعُنْفِ وَالْكَرَامَةِ.
أَلْهَمَتِ الإِلْيَاذَةُ أَجْيَالًا لَا
تُحْصَى مِنَ الْمُبْدِعِينَ. فَقَدْ تَأَثَّرَ بِهَا شُعَرَاءُ وَرُوَائِيُّونَ
وَمَسْرَحِيُّونَ، وَاسْتُلْهِمَتْ أَحْدَاثُهَا فِي أَعْمَالٍ سِينَمَائِيَّةٍ
كَثِيرَةٍ، كَمَا أَصْبَحَتْ مَرْجِعًا لِلْفَلَاسِفَةِ وَالْمُفَكِّرِينَ فِي
دِرَاسَةِ الْبُطُولَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْحَرْبِ. وَلَا يَكَادُ يَخْلُو
تَارِيخُ الْأَدَبِ الْغَرْبِيِّ مِنْ صَدًى لِهَذِهِ الْمَلْحَمَةِ، سَوَاءٌ فِي
الرِّوَايَةِ أَوِ الشِّعْرِ أَوِ الْمَسْرَحِ.
كُلَّمَا عُدْتُ إِلَى الإِلْيَاذَةِ، لَا
أَقْرَأُ نَصًّا عَنْ حَرْبٍ غَابِرَةٍ، بَلْ أَجِدُنِي أَمَامَ مِرْآةٍ
لِأَزْمَاتِنَا الْمُعَاصِرَةِ. فَالْحُرُوبُ تَتَغَيَّرُ أَسْلِحَتُهَا،
وَلَكِنَّ الْغَضَبَ الْبَشَرِيَّ يَبْقَى هُوَ هُوَ، وَالْكِبْرِيَاءُ يَظَلُّ
قَادِرًا عَلَى تَدْمِيرِ الْأُمَمِ، كَمَا تَبْقَى الرَّحْمَةُ هِيَ الْقُوَّةُ
الْوَحِيدَةُ الْقَادِرَةُ عَلَى إِعَادَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى إِنْسَانِيَّتِهِ.
إِنَّ عَظَمَةَ هُومِيرُوسَ لَا تَكْمُنُ فِي
أَنَّهُ كَتَبَ مَلْحَمَةً عَنْ أَبْطَالٍ أُسْطُورِيِّينَ، بَلْ فِي أَنَّهُ
جَعَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَبْطَالِ بَشَرًا يُخْطِئُونَ وَيَنْدَمُونَ
وَيُحِبُّونَ وَيَبْكُونَ، وَهَذَا مَا جَعَلَ الإِلْيَاذَةَ تَبْقَى
حَيَّةً بَعْدَ مَا يَقْرُبُ مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافِ عَامٍ.








0 التعليقات:
إرسال تعليق