في البدء لم يكن هناك لحن، بل كانت الذاكرة تُبدِّل جلدها في جسد الريح، وكان الجرس يقرع داخل عظمةٍ نائمةٍ في جمجمة الرمل. لم تكن الموسيقى تُسمَع، بل كانت تُرى وهي تنمو مثل شجرةٍ من الأصوات الزرقاء، تمدُّ جذورها في الهواء، وتقطف ثمارها من أفواه الظلال.
حين تدحرج الكثيب تحت أرض الغرفة، لم تتحرك الأرض، بل تذكرت قدماي أنهما كانتا في زمنٍ بعيد جناحين لطائرٍ حجريٍّ هبط ذات مساء فوق كتف الصحراء. الكعب لا يعانق الأصابع، بل يتبادل معها أسماءً قديمةً نسيها البشر وحفظتها الحصى. كل خطوةٍ تفتح بابًا في الرمل، وكل بابٍ يلد سماءً صغيرةً تنام فيها أقدام الذين لم يولدوا بعد.
الأذنان لم تعودا معلقتين
بالرأس؛ سقطتا مثل ورقتين من فضة فوق نهرٍ من الإيقاع، وصارتا تسبحان في نبضٍ لا يحتاج
إلى جسد. هناك، في القاع الذي يشبه أعلى الغيمة، أخذ الطبل يتكلم بلسانٍ من نارٍ باردة،
ولم يكن يهمس، لأن الهمس خيانةٌ للفراغ، بل كان يردُّ على نداءات الصخور، وعلى عطاس
النجوم، وعلى تنهيدة السلحفاة التي تحمل الزمن فوق ظهرها.
لم أعد أطارد الوقت؛
فالوقت صار حصانًا زجاجيًّا يشرب من سرابٍ دائري، ثم يختفي داخل ساعةٍ بلا عقارب. أما
الإيقاع، فقد ربطني بخيطٍ من العنبر يمتد من قلبي إلى قمرٍ يختبئ في جيب راعٍ أعمى.
صار النبض غرفةً كاملةً، والغرفة قلبًا يتنفس، والقلب مدينةً تتدحرج فوق طبولٍ من المطر
اليابس.
إذا استطعت أن تقف،
فأنت في الحقيقة تنهض داخل شجرة. وإذا استطعت أن تتحرك، فأنت لا تتحرك، بل تذوب في
رقصةٍ كانت تنتظر اسمك منذ ولادة الملح. فالطبل لا يحرك القدمين، بل يوقظ القدمين من
نومهما الحجري، ويعيد إليهما الذاكرة التي سرقتها الساعات والأسلاك والأرصفة الإسمنتية.
دُقَّت الأرض من تحتي،
لكنها لم تتألم؛ ابتسمت، لأن كل ضربةٍ كانت تُعيد إليها عظام الديناصورات الراقصة،
وأصداء القبائل التي كانت تكتب أناشيدها فوق ظهور الرياح. الصوت المقدس لم يخرج من
الطبل، بل خرج من الفراغ الذي تركه الضوء وهو يغيِّر جلده.
أجراس الكاحلين لم
تكن معدنية؛ كانت أقمارًا صغيرةً تتدلى من مفاصل الليل، وكل رنينٍ منها يحرر جبلًا
من ثقله، ويُطلق سربًا من الفراشات السوداء في شرايين الهواء. الشرارات التي تتطاير
ليست من احتكاك اليد بالجلد، بل من احتكاك الزمن بوجهه القديم. وخيوط الإيقاع لم تُنسَج،
بل خرجت من أفواه العناكب التي تحيك السكون كل مساء ثم تنقضه عند الفجر.
الجسد يدور ببطء، لكن
ظله يسبق البرق. والقدم ترتفع منخفضة، وتنخفض مرتفعة، كأن قوانين الجاذبية تُكتب الآن
بحبرٍ من عسلٍ متجمد. الرقصة ليست حركةً، بل نبوءةٌ تتنكر في هيئة جسد.
التصفيق لا يصدر من
الكفين، بل من التقاء غيمتين داخل صدر طفلٍ لم يعرف اللغة بعد. والنمط القديم ليس أثرًا
من الماضي، بل نهرٌ يصعد إلى منبعه بدل أن ينحدر إلى مصبه. كلما صفقنا، استدار التاريخ
على نفسه، وولد من جديد بوجهٍ لا يشبه أحدًا.
من الذي لا يزال يتحرك؟
ليس الإنسان، بل النار المختبئة داخل العظام. ومن الذي لا يزال يحترق؟ ليس اللهب، بل
الحنين الذي يلبس قناع الرماد. النجوم لا تُعدُّ، لأنها ليست أجرامًا، بل طبولٌ معلقةٌ
في سقف العدم، وكل خفقةٍ منها تُضيف ضلعًا جديدًا إلى هيكل الكون.
قد يحصي الناس السنوات
كما يحصون حبات القمح، لكن أحدًا لن يحصي حرارة القلب وهو يعبر حقول الزمن حافيًا.
فالنبض لا يعترف بالتقويم، ولا يقرأ أسماء الأشهر، بل يكتب تاريخه على صفحة الدم.
إذا كنت لا تزال تشعر
بالأرض تحت قدميك، فاعلم أن الأرض هي التي تشعرك بنفسها، وأنك لم تنتهِ بعد، لأن النهاية
مجرد بابٍ يخلعه الضوء ثم ينسى أن يغلقه.
وإذا كنت تسمع هذا
الطبل، فأنت لم تغادر العالم، بل العالم هو الذي عاد إليك من منفاه الطويل. الانتماء
ليس وطنًا، بل رجعُ صدى يسكن العظم، ويوقظ الملح النائم في الدم.
تعلمتُ أن البطء ليس
ضد السرعة، بل هو سرعتها السرية. وأن الخطوات البطيئة تستطيع أن تسبق البرق لأنها لا
تتنافس معه. الكعب والأصابع يتبادلان الصلوات، والطبل المتكلم لا يحمل اسمًا، لأنه
الاسم الذي تنطقه الريح كلما مرَّت بين أضلاع الصحراء.
لا لوحة نتائج، ولا
خط نهاية؛ هناك فقط الزمن وهو يخلع معطفه الأسود، ويرتدي قميصًا من الضوء. التنفس نفسه
رقصة، والحركة برهانٌ على أن الأرواح تستطيع أن تمشي خارج أجسادها ثم تعود إليها قبل
أن يلاحظ أحد.
الطبل لا يناديني باسمي،
بل يناديني بالأمل. والأمل ليس كلمةً، بل سلَّمٌ من جذورٍ يصعد إلى أعماق الأرض. لا
الماضي يقودني، ولا الوحدة ترافقني؛ هناك فقط صوتٌ دائريٌّ يربت على ظهري كلما تعبت،
ويقول لي إن الابتسامة شجرةٌ لا تزهر إلا في أكثر الصحارى قحولة.
قفزتُ بين النجوم كما
يقفز المطر الساخن بين أصابع الليل. دفعتُ القلق إلى خارج رأسي، فرأيته يتحول إلى غرابٍ
شفافٍ يأكل ظله. أجراس الكاحلين لم تعد تقيس الوقت، بل كانت تعدُّ أفراحًا صغيرةً تتدحرج
فوق سلالم الفجر.
الأيام الشاقة جاءت
بثياب العمال، لكنها كانت تخفي تحت أكمامها أجنحةً من ذهب. والكذب غادر المكان بعدما
اكتشف أن الحقيقة ترقص أسرع منه. وما بقي هو دعاءٌ يمشي، وحبٌّ يتنفس، ونمطٌ قديمٌ
يحمل المستقبل على كتفيه كما يحمل النهر زورقه الأول.
خطوة، ثم أخرى، لكن
الطريق لا يمتد إلى الأمام؛ بل يلتف حول القلب حتى يصبح القلب هو الطريق. والطبل لا
يدعوني إلى بيتٍ من حجر، بل إلى بيتٍ من نبض، تسكنه العظام، وتحرسه الأقدام، وتفتح
أبوابه الريح.
وأخيرًا لم أعد أعرف:
هل أنا الذي أسمع الطبل، أم أن الطبل هو الذي يحلم بي؟ هل أعود إلى المنزل، أم أن المنزل
يعود إليَّ على هيئة إيقاع؟ كل ما أعرفه أن الجرس ما زال معلقًا داخل قطرة ماء، وأن
الصحراء تواصل تعليم الرمل كتابة الموسيقى، وأن قدميَّ، كلما لامستا الأرض، نبتت في
السماء شجرةٌ جديدةٌ من الأصوات، تحمل على أغصانها طيورًا لا تغني، بل تتذكر.







0 التعليقات:
إرسال تعليق