الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يونيو 26، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع رواية «الطاعون»، للكاتب الفرنسي ألبير كامو. . إعداد عبده حقي


السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الأَصْدِقَاءُ، وَأَهْلًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِنَا الأَدَبِيِّ، الَّذِي نَصْحَبُكُمْ فِيهِ إِلَى أَعْمَاقِ الرَّوَائِعِ الَّتِي لَمْ تَفْقِدْ بَرِيقَهَا مَعَ تَعَاقُبِ الأَزْمِنَةِ. وَمَوْعِدُنَا الْيَوْمَ مَعَ رِوَايَةِ «الطَّاعُون»، وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ مَا كَتَبَهُ الأَدِيبُ وَالْفَيْلَسُوفُ الْفَرَنْسِيُّ أَلْبِير كامُو، الصَّادِرَةُ سَنَةَ ١٩٤٧، وَالَّتِي تَحَوَّلَتْ إِلَى نَصٍّ أَدَبِيٍّ كَوْنِيٍّ يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ أَزْمَةٍ تُوَاجِهُ الإِنْسَانِيَّةَ، وَخُصُوصًا بَعْدَ جَائِحَةِ كُورُونَا الَّتِي أَعَادَتِ القُرَّاءَ فِي شَتَّى أَنْحَاءِ الْعَالَمِ إِلَى صَفَحَاتِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

تَدُورُ أَحْدَاثُ الرِّوَايَةِ فِي مَدِينَةِ وَهْرَانَ بِالْجَزَائِرِ، حَيْثُ يَبْدَأُ كُلُّ شَيْءٍ بِمَشْهَدٍ غَرِيبٍ: جُرْذَانٌ تَخْرُجُ مِنْ مَخَابِئِهَا لِتَمُوتَ فِي الشَّوَارِعِ، وَلا يَكْتَرِثُ أَحَدٌ لِلأَمْرِ فِي الْبِدَايَةِ. ثُمَّ تَتَوَالَى حَالَاتُ الْمَرَضِ وَالْمَوْتِ، وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمَدِينَةَ تُوَاجِهُ وَبَاءَ الطَّاعُونِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا، وَيُعْزَلُ سُكَّانُهَا عَنِ الْعَالَمِ، لِيَدْخُلُوا تَجْرِبَةً إِنْسَانِيَّةً قَاسِيَةً تَمْتَحِنُ الْخَوْفَ وَالرَّجَاءَ وَالتَّضَامُنَ وَالأَنْانِيَّةَ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

وَيَقُودُنَا السَّرْدُ إِلَى شَخْصِيَّةِ الطَّبِيبِ بِرْنَارْ رِيُو، الَّذِي يُقَاوِمُ الْوَبَاءَ بِثَبَاتٍ هَادِئٍ، لَا بُطُولَةً اسْتِثْنَائِيَّةً، بَلْ وَاجِبًا إِنْسَانِيًّا. وَإِلَى جَانِبِهِ نَلْتَقِي الصَّحَفِيَّ رَامْبِير، وَالْمُفَكِّرَ تَارُو، وَالأَبَ بَانِلُو، وَغَيْرَهُمْ مِنَ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي تُمَثِّلُ مَوَاقِفَ مُخْتَلِفَةً أَمَامَ الْمِحْنَةِ. وَمَعَ تَصَاعُدِ الأَحْدَاثِ، لَا يَغْدُو الطَّاعُونُ مَرَضًا فَحَسْبُ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى اخْتِبَارٍ أَخْلَاقِيٍّ يَكْشِفُ مَعَادِنَ البَشَرِ.

لَمْ يَكْتُبْ أَلْبِير كامُو هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِيُؤَرِّخَ لِوَبَاءٍ طِبِّيٍّ فَقَطْ، بَلْ كَانَ يَكْتُبُ عَنِ الإِنْسَانِ وَهُوَ يُوَاجِهُ الْعَبَثَ وَالشَّرَّ وَالْخَوْفَ. وَيَرَى كَثِيرٌ مِنَ النُّقَّادِ أَنَّ الطَّاعُونَ فِي الرِّوَايَةِ يَرْمُزُ أَيْضًا إِلَى الِاحْتِلَالِ النَّازِيِّ لِفَرَنْسَا، وَإِلَى الْمُقَاوَمَةِ الَّتِي وَاجَهَتْهُ، وَإِلَى كُلِّ قُوَّةٍ اسْتِبْدَادِيَّةٍ تَنْتَشِرُ فِي الْمُجْتَمَعِ كَمَا يَنْتَشِرُ الْوَبَاءُ. وَقَدْ كَانَ كامُو يَرَى أَنَّ الْمَعْرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ مَعَ الْمَرَضِ وَحْدَهُ، بَلْ مَعَ الِاسْتِسْلَامِ وَاللاَّمُبَالَاةِ وَالصَّمْت

تَكْمُنُ قُوَّةُ «الطَّاعُونِ» فِي أَنَّهَا لَا تُقَدِّمُ حُلُولًا جَاهِزَةً، بَلْ تَدْفَعُ الْقَارِئَ إِلَى طَرْحِ الأَسْئِلَةِ الْكُبْرَى: مَا مَعْنَى الْوَاجِبِ؟ وَمَا قِيمَةُ التَّضَامُنِ؟ وَهَلْ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يَصْنَعَ مَعْنًى لِحَيَاتِهِ وَهُوَ يُدْرِكُ أَنَّ الْمَوْتَ قَدْ يَأْتِي فِي أَيَّةِ لَحْظَةٍ؟ وَهُنَا تَتَجَلَّى فَلْسَفَةُ كامُو الْقَائِمَةُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الْعَبَثِ بِالْعَمَلِ وَالتَّضَامُنِ، لَا بِالْيَأْسِ وَالِانْسِحَابِ.

وَلِهَذَا اعْتُبِرَتِ الرِّوَايَةُ مِنَ الأَعْمَالِ الْخَالِدَةِ فِي الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ. فَهِيَ تَتَجَاوَزُ زَمَانَهَا وَمَكَانَهَا، وَتُخَاطِبُ كُلَّ جِيلٍ بِلُغَتِهِ وَمِحَنِهِ. وَعِنْدَمَا اجْتَاحَ وَبَاءُ كُورُونَا الْعَالَمَ، عَادَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى قَوَائِمِ الْكُتُبِ الأَكْثَرِ مَبِيعًا، لأَنَّ الْقُرَّاءَ وَجَدُوا فِيهَا مِرْآةً لِمَا كَانُوا يَعِيشُونَهُ مِنْ عُزْلَةٍ وَخَوْفٍ وَأَمَلٍ.

وَلَمْ يَقْتَصِرْ أَثَرُ «الطَّاعُونِ» عَلَى الأَدَبِ وَحْدَهُ، بَلِ امْتَدَّ إِلَى السِّينِمَا وَالْمَسْرَحِ وَالْفَلْسَفَةِ وَالدِّرَاسَاتِ السِّيَاسِيَّةِ. فَقَدْ أُلْهِمَتْ مِنْهَا أَعْمَالٌ سِينِمَائِيَّةٌ وَمَسْرَحِيَّةٌ، وَتَحَوَّلَتْ شَخْصِيَّةُ الطَّبِيبِ رِيُو إِلَى رَمْزٍ لِلْمَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلَاقِيَّةِ فِي وَجْهِ الْكَارِثَةِ، كَمَا أَصْبَحَتِ الرِّوَايَةُ مَرْجِعًا فِي النِّقَاشَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ حَوْلَ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَبَثِ وَالْمُقَاوَمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.

وَمِنْ أَشْهَرِ مَا وَرَدَ فِي الرِّوَايَةِ قَوْلُ كامُو عَلَى لِسَانِ الرَّاوِي:

«يَعْرِفُ الْجَمِيعُ أَنَّ الأَوْبِئَةَ تَتَكَرَّرُ فِي الْعَالَمِ، وَلَكِنَّنَا نَجِدُ صُعُوبَةً فِي تَصْدِيقِ أَنَّهَا قَدْ تَهْبِطُ عَلَى رُؤُوسِنَا مِنْ سَمَاءٍ صَافِيَةٍ

وَهِيَ عِبَارَةٌ لَا تَصِفُ الْمَرَضَ فَقَطْ، بَلْ تَصِفُ أَيْضًا غَفْلَةَ الإِنْسَانِ أَمَامَ الْكَارِثَةِ، وَاعْتِقَادَهُ الدَّائِمَ أَنَّ الْمِحَنَ تَقَعُ لِلآخَرِينَ وَلَيْسَتْ لَهُ.

أَمَّا أَنَا، فَكُلَّمَا عُدْتُ إِلَى «الطَّاعُونِ» أَشْعُرُ أَنَّنِي لَا أَقْرَأُ رِوَايَةً عَنِ الْمَاضِي، بَلْ أَقْرَأُ سِيرَةً مُتَجَدِّدَةً لِلإِنْسَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ. أُعْجَبُ فِيهَا بِذَلِكَ الإِصْرَارِ الْهَادِئِ عَلَى أَدَاءِ الْوَاجِبِ، وَبِتِلْكَ الْقُدْرَةِ الْفَذَّةِ عَلَى تَحْوِيلِ الْوَبَاءِ إِلَى اسْتِعَارَةٍ كُبْرَى عَنِ الْخَوْفِ وَالِاسْتِبْدَادِ وَالْوَحْدَةِ وَالرَّجَاءِ. إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُذَكِّرُنِي بِأَنَّ أَعْظَمَ انْتِصَارٍ لِلإِنْسَانِ لَيْسَ فِي أَنْ يَهْزِمَ الْمَوْتَ، بَلْ فِي أَنْ يَبْقَى إِنْسَانًا وَهُوَ يُوَاجِهُهُ.

إِلَى هُنَا نَصِلُ إِلَى خِتَامِ حَلْقَتِنَا الْيَوْمَ. فِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ سَنَفْتَحُ مَعًا صَفَحَاتِ رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ مَا تُخْفِيهِ مِنْ أَسْئِلَةٍ وَرُؤًى وَأَسْرَارٍ. إِلَى أَنْ نَلْتَقِي، تَقَبَّلُوا أَطْيَبَ تَّحِيَّاتِ الكاتب المغربي عبدو حقي.

 

0 التعليقات: