الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يونيو 24، 2026

أفضل 200 رواية عبر التاريخ اليوم مع :رِوَايَةُ «لُولِيتَا» لِلرُّوَائِيِّ الرُّوسِيِّ الْأَمْرِيكِيِّ فلاديمير نابوكوف. إعداد عبده حقي


مَرْحَبًا بِكُمْ فِي حَلْقَةٍ جَدِيدَةٍ مِنْ بُودْكَاسْتِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، إِعْدَادُ وَتَقْدِيمُ الْكَاتِبِ الْمَغْرِبِيِّ عَبْدُو حَقِّي. نَصْحَبُكُمْ الْيَوْمَ فِي رِحْلَةٍ إِلَى إِحْدَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ إِثَارَةً لِلْجَدَلِ وَالتَّأْوِيلِ فِي الْأَدَبِ الْحَدِيثِ، وَهِيَ رِوَايَةُ «لُولِيتَا» لِلرُّوَائِيِّ الرُّوسِيِّ الْأَمْرِيكِيِّ فلاديمير نابوكوف.

صَدَرَتْ رِوَايَةُ «لُولِيتَا» سَنَةَ 1955، وَكَانَتْ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ حَاسِمَةً فِي الْمَسَارِ الْإِبْدَاعِيِّ لِفْلَادِيمِير نَابُوكُوف، الْمَوْلُودِ فِي سَانْتِ بُطْرُسْبُورْغَ بِرُوسِيَا سَنَةَ 1899. عَرَفَ الْمَنْفَى بَعْدَ الثَّوْرَةِ الرُّوسِيَّةِ، وَعَاشَ فِي أُورُوبَّا ثُمَّ فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ بِالرُّوسِيَّةِ ثُمَّ بِالْإِنْجِلِيزِيَّةِ.

لَمْ يَكُنْ نَابُوكُوف مُجَرَّدَ رَوَائِيٍّ، بَلْ كَانَ نَاقِدًا وَمُتَرْجِمًا وَبَاحِثًا فِي عَالَمِ الْفَرَاشَاتِ. وَفِي «لُولِيتَا» بَلَغَ أُسْلُوبُهُ اللُّغَوِيُّ ذُرْوَةً جَمَالِيَّةً جَعَلَتِ الرِّوَايَةَ تُدْرَسُ حَتَّى الْيَوْمَ فِي أَقْسَامِ الْأَدَبِ الْمُقَارَنِ وَالنَّقْدِ الْحَدِيثِ.

تَرْوِي الرِّوَايَةُ قِصَّةَ «هَمْبِرْت هَمْبِرْت»، الرَّجُلِ الْمُثَقَّفِ ذِي الْمَاضِي الْمُضْطَرِبِ، الَّذِي يَنْتَقِلُ لِلْعَيْشِ فِي الْوِلَايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ. هُنَاكَ يَلْتَقِي بِفَتَاةٍ صَغِيرَةٍ تُدْعَى «دُولُورِيس هِيز»، وَلَكِنَّهُ يُطْلِقُ عَلَيْهَا اسْمَ «لُولِيتَا».

تَتَطَوَّرُ الْأَحْدَاثُ مِنْ خِلَالِ رِوَايَةِ هَمْبِرْت نَفْسِهِ لِمَا جَرَى، فَنَجِدُ أَنْفُسَنَا أَمَامَ صَوْتٍ سَرْدِيٍّ مُرَاوِغٍ، يُحَاوِلُ تَبْرِيرَ أَفْعَالِهِ وَتَجْمِيلَ صُورَتِهِ أَمَامَ الْقَارِئِ.

تَنْتَقِلُ الشَّخْصِيَّاتُ فِي رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ عَبْرَ الطُّرُقِ الْأَمْرِيكِيَّةِ، وَفِي كُلِّ مَحَطَّةٍ يَتَعَمَّقُ التَّوَتُّرُ النَّفْسِيُّ وَالْأَخْلَاقِيُّ، إِلَى أَنْ تَصِلَ الْقِصَّةُ إِلَى نِهَايَةٍ مَأْسَاوِيَّةٍ تَكْشِفُ هَشَاشَةَ الْوَهْمِ الَّذِي بَنَاهُ الْبَطَلُ حَوْلَ نَفْسِهِ.

كُتِبَتْ «لُولِيتَا» فِي خِضَمِّ خَمْسِينِيَّاتِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَهِيَ فَتْرَةٌ شَهِدَتْ صِرَاعًا بَيْنَ الْقِيَمِ التَّقْلِيدِيَّةِ وَالتَّحَوُّلَاتِ الثَّقَافِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْأَمْرِيكِيِّ.

عِنْدَ نَشْرِهَا، رَفَضَتْ دُورُ نَشْرٍ عَدِيدَةٌ الْمَخْطُوطَةَ، وَاعْتُبِرَتِ الرِّوَايَةُ صَادِمَةً وَمُسْتَفِزَّةً. بَلْ إِنَّهَا مُنِعَتْ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ فِي الْبِدَايَةِ. غَيْرَ أَنَّ الْجَدَلَ الَّذِي أَثَارَتْهُ سَرْعَانَ مَا تَحَوَّلَ إِلَى نِقَاشٍ عَمِيقٍ حَوْلَ طَبِيعَةِ الْفَنِّ وَحُدُودِ الْأَدَبِ.

لَمْ يَكُنْ نَابُوكُوف يَدَافِعُ عَنْ سُلُوكِ شَخْصِيَّتِهِ الرَّئِيسِيَّةِ، بَلْ كَانَ يَكْشِفُ مِنْ خِلَالِهَا آلِيَّاتِ الْخِدَاعِ الذَّاتِيِّ، وَقُدْرَةَ اللُّغَةِ عَلَى تَزْيِيفِ الْحَقِيقَةِ وَتَجْمِيلِ الْبَشَاعَةِ.

لِمَاذَا اعْتُبِرَتْ رِوَايَةً خَالِدَةً؟

اِكْتَسَبَتْ «لُولِيتَا» مَكَانَتَهَا الْخَالِدَةَ لِأَسْبَابٍ عِدَّةٍ.

أَوَّلُهَا أَنَّهَا لَيْسَتْ رِوَايَةَ حَدَثٍ فَقَطْ، بَلْ رِوَايَةُ لُغَةٍ وَأُسْلُوبٍ. فَنَابُوكُوف يَبْنِي جُمَلَهُ كَمَا يَبْنِي الرَّسَّامُ لَوْحَتَهُ، بِدِقَّةٍ وَإِيقَاعٍ وَتَوَتُّرٍ دَائِمٍ.

ثَانِيًا، أَنَّهَا تُقَدِّمُ وَاحِدًا مِنْ أَعْقَدِ الرُّوَاةِ فِي تَارِيخِ الرِّوَايَةِ؛ فَالْقَارِئُ يَجِدُ نَفْسَهُ مُضْطَرًّا إِلَى الشَّكِّ فِي كُلِّ مَا يَقُولُهُ هَمْبِرْت.

ثَالِثًا، لِأَنَّهَا تَطْرَحُ أَسْئِلَةً لَا تَشِيخُ: مَا الْحَقِيقَةُ؟ مَا دَوْرُ اللُّغَةِ فِي صُنْعِ الْوَهْمِ؟ وَإِلَى أَيِّ حَدٍّ يُمْكِنُ لِلْفَنِّ أَنْ يَتَنَاوَلَ الْمَوَاضِيعَ الْمُحَرَّمَةَ؟

أَثَرُهَا فِي الْأَدَبِ وَالسِّينَمَا وَالْفَلْسَفَةِ

أَثَّرَتْ «لُولِيتَا» فِي أَجْيَالٍ مِنَ الْكُتَّابِ وَالنُّقَّادِ. فَقَدْ أَعَادَتْ تَعْرِيفَ مَفْهُومِ الرَّاوِي غَيْرِ الْمَوْثُوقِ، وَفَتَحَتْ الْبَابَ أَمَامَ تَجَارِبَ سَرْدِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَقُومُ عَلَى الِالْتِبَاسِ وَالتَّأْوِيلِ.

أَمَّا سِينَمَائِيًّا، فَقَدْ حُوِّلَتِ الرِّوَايَةُ إِلَى فِيلْمٍ شَهِيرٍ أَخْرَجَهُ ستانلي كوبريك سَنَةَ 1962، ثُمَّ إِلَى نُسْخَةٍ أُخْرَى أَخْرَجَهَا أدريان لاين سَنَةَ 1997.

وَفِي الْفَلْسَفَةِ وَالنَّقْدِ الثَّقَافِيِّ، أَصْبَحَتِ الرِّوَايَةُ مِثَالًا لِدِرَاسَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ السُّلْطَةِ وَاللُّغَةِ، وَبَيْنَ الرَّغْبَةِ وَالتَّمْثِيلِ الْفَنِّيِّ.

اقْتِبَاسٌ شَهِيرٌ

يَقُولُ هَمْبِرْت فِي مَطْلَعِ الرِّوَايَةِ:

«لُولِيتَا، نُورُ حَيَاتِي، وَنَارُ أَحْشَائِي

وَهِيَ جُمْلَةٌ أَصْبَحَتْ مِنْ أَشْهَرِ الِافْتِتَاحِيَّاتِ فِي الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ إِيقَاعٍ شِعْرِيٍّ وَتَوَتُّرٍ دَرَامِيٍّ.

وبِصِفَتِي كَاتِبًا، أَرَى أَنَّ «لُولِيتَا» لَيْسَتْ رِوَايَةً تُقْرَأُ لِمَعْرِفَةِ أَحْدَاثِهَا فَقَطْ، بَلْ لِاكْتِشَافِ قُدْرَةِ اللُّغَةِ عَلَى صُنْعِ الْمُتَاهَةِ. كُلَّمَا أَعَدْتُ الْعَوْدَةَ إِلَيْهَا، وَجَدْتُ نَصًّا جَدِيدًا يَخْتَبِئُ خَلْفَ النَّصِّ الْمَعْرُوفِ.

إِنَّهَا رِوَايَةٌ تُجْبِرُنَا عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْجَمَالِ الْفَنِّيِّ وَالْمَوْقِفِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَتُذَكِّرُنَا بِأَنَّ الْأَدَبَ الْعَظِيمَ لَا يُقَدِّمُ أَجْوِبَةً جَاهِزَةً، بَلْ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْأَسْئِلَةِ.

أَعِزَّاءَنَا الْمُسْتَمِعِينَ، نَصِلُ بِكُمْ إِلَى خِتَامِ هَذِهِ الْحَلْقَةِ الَّتِي خَصَّصْنَاهَا لِرِوَايَةِ «لُولِيتَا». وَفِي الْحَلْقَةِ الْمُقْبِلَةِ سَنَرْحَلُ إِلَى عَالَمِ رِوَايَةٍ أُخْرَى مِنْ رَوَائِعِ الْأَدَبِ الْعَالَمِيِّ، لِنَكْتَشِفَ مَعًا أَسْرَارَهَا وَمَسَالِكَهَا الْفِكْرِيَّةَ وَالْجَمَالِيَّةَ.

إِلَى اللِّقَاءِ، وَدُمْتُمْ أَوْفِيَاءَ لِلْكِتَابِ وَالْقِرَاءَةِ.

مع تيات الكاتب المغربي عبدو حقي



0 التعليقات: