الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، يونيو 18، 2026

أدباء المهجر يكتبون العالم بعيون متعددة الرؤى: عبده حقي

 


شهدت الأيام والأسابيع الأخيرة حراكًا لافتًا في مشهد الأدب العربي في المهجر، حيث صدرت روايات وكتب جديدة لكتّاب عرب يقيمون في أوروبا وأمريكا الشمالية وبلدان الاغتراب الأخرى. وتؤكد هذه الإصدارات أن أدب الهجرة والمنفى ما زال يحتفظ بقدرته على تجديد أسئلته الجمالية والفكرية، مستفيدًا من تداخل الثقافات وتعدد الهويات والانشغال بقضايا الذاكرة والاندماج والحنين والاقتلاع. وقد لفتت عدة أعمال جديدة انتباه النقاد والقراء، سواء من خلال موضوعاتها أو من خلال حضورها في الجوائز الأدبية العربية والدولية.

من أبرز هذه الإصدارات رواية «الزمن البرّي» للروائي السوري حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ثلاثين عامًا. وقد صدرت الرواية حديثًا عن منشورات رامينا في لندن، وتستعيد أسئلة الذاكرة والمنفى والبحث عن الذات في عالم تتقاطع فيه الأزمنة والأمكنة. وتُقدِّم الرواية شخصيات تعيش بين عالمين: عالم الوطن الذي يسكن الذاكرة، وعالم المهجر الذي يفرض شروطه اليومية على المهاجرين العرب. 

وفي السياق نفسه، برز اسم الروائي السوري محمد تركي الدعفيس من خلال روايته الجديدة «مدينة يسكنها الجنون» التي حظيت باهتمام واسع بعد فوزها بجائزة كتارا للرواية العربية. ويقيم الكاتب في إحدى دول إسكندنافيا، وقد أكد في حوار حديث أن تجربة المنفى الأوروبي تركت أثرًا عميقًا في رؤيته للعالم والكتابة. وتتناول الرواية العلاقة بين الفرد والمجتمع والسلطة، من خلال مدينة تتحول فيها مظاهر الجنون إلى مرآة للواقع المعاصر. 

كما تواصل الكاتبة اللبنانية المقيمة في فرنسا نجوى بركات حضورها في المشهد الروائي العربي من خلال روايتها «غيبة مي» التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية لسنة 2026. وتستكشف الرواية قضايا الهوية والذاكرة الفردية والجماعية، وهي موضوعات لطالما ارتبطت بأدب الهجرة والاغتراب. 

ومن الجزائر برز اسم الروائي المقيم في فرنسا أمين الزاوي عبر روايته «منام القيلولة» التي وصلت بدورها إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية. وتواصل الرواية اشتغال الزاوي على الأسئلة المرتبطة بالهوية واللغة والذاكرة في فضاء عابر للحدود.

أما الروائي الجزائري المقيم بين الجزائر وأوروبا سعيد خطيبي فقد حضر بروايته «أغالب مجرى النهر» التي أثارت اهتمام النقاد بفضل مقاربتها لتاريخ الهجرة والعبور والبحث عن المعنى في عالم متغير. وقد اعتُبرت الرواية من الأعمال اللافتة خلال الموسم الأدبي الحالي.

ومن الأعمال المرتبطة مباشرة بأدب المهجر أيضًا ما يكتبه الروائي المصري الكندي أسامة علام، الذي يواصل الاشتغال على قضايا الهجرة العربية في كندا. وقد أعادت الدراسات النقدية الحديثة الاهتمام بأعماله، ولا سيما رواية «الحي العربي» التي تتناول أوضاع الجيل الثاني من المهاجرين العرب في مدينة مونتريال الكندية، وتُعدّ من أبرز النماذج المعاصرة للرواية العربية في المهجر. 

ويلاحظ المتابع للمشهد الأدبي العربي في المهجر أن القضايا التي تشغل الكتّاب اليوم لم تعد تقتصر على الحنين إلى الوطن أو استعادة الماضي، بل أصبحت تمتد إلى أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق بالهوية الهجينة والانتماء المتعدد والصدام الثقافي والعلاقة بين الذاكرة الفردية والتاريخ الجماعي. كما أن كثيرًا من الروائيين العرب المقيمين في الغرب باتوا يكتبون من موقع مزدوج يجمع بين خبرة الثقافة العربية وتجربة المجتمعات الأوروبية أو الأمريكية، وهو ما يمنح نصوصهم ثراءً سرديًا وفكريًا خاصًا. 

ومن اللافت أيضًا أن العديد من هذه الأعمال الجديدة تصدر عن دور نشر عربية وأوروبية في مدن مثل لندن وباريس وبرلين ومونتريال، وهو ما يعكس تنامي دور المراكز الثقافية العالمية في احتضان الأدب العربي المعاصر. كما أن حضور هذه الروايات في القوائم القصيرة للجوائز الكبرى يؤكد أن أدب المهجر لم يعد هامشًا في المشهد الثقافي العربي، بل أصبح أحد مراكزه الحيوية والمؤثرة. 

خلاصة القول إن الرواية العربية في المهجر تعيش مرحلة جديدة من النضج والتجدد. فالإصدارات الأخيرة لكتاب عرب يقيمون في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وفرنسا ودول إسكندنافيا وغيرها تكشف عن حيوية لافتة وقدرة مستمرة على مساءلة الواقع وإعادة تشكيل أسئلة الهوية والانتماء والمنفى. وهي أعمال تستحق المتابعة لما تقدمه من رؤى إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، وتؤكد أن الأدب العربي يواصل حضوره العالمي من خلال أصوات تكتب من خارج الوطن، لكنها تظل مشدودة إليه بخيوط الذاكرة واللغة والخيال. 



0 التعليقات: