الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، يونيو 19، 2026

إصداراتٌ طازجةٌ تراهنُ على دهشةِ القارئِ: عبده حقي


يبدو المشهد الأدبي العربي في منتصف عام 2026 حافلًا بإصدارات جديدة تتوزع بين الرواية والسيرة والتأمل الفكري والنقد الثقافي. وقد لفت انتباهي، وأنا أتابع صفحات الكتب في «الضفة الثالثة» و«القدس العربي» و«ميدل إيست أونلاين» ومواقع دور النشر العربية الكبرى، أن ثمة نزوعًا واضحًا نحو استعادة الأسئلة الوجودية والذاكرة الفردية والجماعية، في وقت يتزايد فيه حضور السرد الذي يشتبك مع التحولات السياسية والاجتماعية والتكنولوجية. 

في موقع «دار الآداب» برزت مجموعة من الإصدارات الجديدة التي تصدرت واجهة الدار خلال شهر يونيو الجاري، من بينها رواية «بائع التذاكر» للكاتب الفلسطيني الراحل وليد دقة، وهي رواية تستمد قوتها من تجربة إنسانية استثنائية تجمع بين السجن والحلم والحرية. كما ظهرت رواية «ليلة اختفاء صاحب المعالي» للروائي المغربي عبد الإله بن عرفة، إلى جانب رواية «أهل الماء والنار» للكاتب طارق العريس، وكتاب «مشقة العادي» للكاتب ساري موسى. وتعكس هذه العناوين اهتمامًا متزايدًا بالسرد الذي يستكشف العلاقة بين الفرد ومصيره في عالم متغير.

أما «دار الساقي» فتواصل حضورها اللافت في المشهد الثقافي العربي من خلال الترويج لعدد من الإصدارات الحديثة التي رافقت مشاركاتها في المعارض الدولية للكتاب. ومن بين الكتب التي حظيت باهتمام القراء مؤخرًا كتاب «بعد السماء الأخيرة» للمفكر الفلسطيني إدوارد سعيد، إلى جانب عناوين جديدة أخرى جرى عرضها في معارض القاهرة والدوحة والرباط. كما حظيت رواية «الخط الأبيض من الليل» باهتمام نقدي بعد وصولها إلى القائمة القصيرة لجائزة «ياسنايا بوليانا» الروسية. 

في «القدس العربي» استوقفتني القراءات النقدية التي خصصتها الصحيفة لعدد من الكتب والروايات الحديثة. من أبرزها رواية «صيف سويسري» للروائية العراقية أنعام كجه جي، التي تناولتها الصحيفة بوصفها عملًا يستعيد المنفى والذاكرة والسياسة في آن واحد. كما نشرت الصحيفة قراءة لرواية «العلبة ـ يحيى الذي رأى» للكاتبة اللبنانية شادن دياب، إضافة إلى كتاب «فلسفة السينما» للباحث المغربي محمد اشويكة الذي يناقش إشكالات الصورة والمرئي في الثقافة المعاصرة. 

وفي «الضفة الثالثة» تتواصل تغطية الإصدارات الجديدة من خلال باب «صدر حديثًا»، حيث تُعرض بصورة شبه يومية أعمال أدبية وفكرية عربية وعالمية مترجمة. ويلاحظ المتابع أن الموقع يولي أهمية خاصة للرواية العربية الجديدة، وللكتب التي تعالج قضايا الهوية والهجرة والذاكرة الثقافية، وهي موضوعات أصبحت تشكل محورًا رئيسيًا في كثير من الإصدارات الحديثة. 

أما «ميدل إيست أونلاين» فقد واصلت اهتمامها بالمشهد الثقافي من خلال تقديم مراجعات وقراءات لأعمال أدبية جديدة، مع تركيز ملحوظ على الأدب المغاربي والسير الذاتية وأدب الرحلات. ومن المواد الثقافية التي لفتت الانتباه خلال الأيام الأخيرة ملفات حول أعمال روائية جديدة ودراسات نقدية تعالج التحول الرقمي وأثره في الثقافة العربية، وهو موضوع يزداد حضورًا عامًا بعد آخر. 

وفي المغرب، تواصل دار توبقال تقديم إصداراتها الفكرية والأدبية التي تجمع بين الترجمة والفلسفة والسرد المغربي المعاصر، بينما تواصل دار التوحيدي نشر أعمال فكرية وإبداعية جديدة تسعى إلى ربط المعرفة الأكاديمية بالأسئلة الثقافية الراهنة. وقد ساهم المعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط في إبراز عدد من هذه الإصدارات وإعادة تقديمها إلى جمهور واسع من القراء. 

ما يجمع هذه العناوين الجديدة، في تقديري، ليس فقط حداثة صدورها، بل أيضًا اشتراكها في محاولة فهم الإنسان العربي في مرحلة تتسم بتسارع التحولات. فالرواية لم تعد مجرد حكاية، بل أصبحت مختبرًا للأسئلة الكبرى: المنفى، والذاكرة، والهوية، والسلطة، والعزلة، والعلاقة الملتبسة بين الإنسان والتكنولوجيا. والكتاب الفكري بدوره لم يعد يكتفي بالتأمل النظري، بل صار يبحث عن أجوبة عملية لأسئلة الحاضر.

ومن خلال هذه الإصدارات يتأكد أن الكتاب العربي ما زال قادرًا على تجديد نفسه رغم هيمنة الوسائط الرقمية. فكل عنوان جديد يمثل مغامرة معرفية وجمالية جديدة، وكل دار نشر تراهن على أن القارئ العربي ما زال يبحث عن نص يمنحه متعة الاكتشاف ودهشة السؤال. لذلك يمكن القول إن صيف 2026 الأدبي بدأ بزخم واضح، وإن الأشهر المقبلة ستشهد بلا شك ظهور عناوين أخرى ستثري هذا المشهد المتجدد باستمرار. 



0 التعليقات: