الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، يونيو 10، 2026

حقوقُ الإنسانِ على مِفْتَرَقِ السُّجونِ والصَّناديقِ والحدودِ المُوصَدَةِ: إعداد عبده حقي

 


اعتمادًا على التقارير الحقوقية الدولية والأخبار المنشورة خلال الأسبوع الماضي، تبدو أوضاع حقوق الإنسان في الجزائر وتونس وعدد من الدول الإفريقية، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، موضوعًا حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية والقانونية الدولية. وتكشف الوقائع الحديثة عن استمرار التوتر بين مقتضيات الأمن والاستقرار من جهة، واحترام الحريات الأساسية وحقوق الإنسان من جهة أخرى، وهو ما تجسده حالات واقعية موثقة صدرت بشأنها تقارير وبيانات خلال الأيام القليلة الماضية.

شهد الأسبوع الماضي تطورات متسارعة في ملف حقوق الإنسان داخل عدد من دول شمال إفريقيا وإفريقيا والاتحاد الأوروبي، حيث أصدرت منظمات حقوقية دولية ووسائل إعلام كبرى تقارير وتحقيقات جديدة سلطت الضوء على انتهاكات تمس حرية التعبير والصحافة وحقوق المهاجرين واللاجئين وحق التظاهر السلمي.

في الجزائر، ما زالت المنظمات الحقوقية الدولية تعتبر أن مساحة الحريات العامة تعرف تقلصًا ملحوظًا مقارنة بما كانت عليه خلال السنوات الأولى من الحراك الشعبي. وقد نشرت صحيفة «لوموند» الفرنسية تقريرًا حديثًا حول استمرار الضغوط المفروضة على نشطاء الحراك الشعبي، مشيرة إلى أن عددا من الصحفيين والمدونين والنشطاء تعرضوا للملاحقات القضائية أو المنع من السفر أو الرقابة الأمنية بسبب نشاطهم السياسي والحقوقي. كما تحدث التقرير عن تفكيك العديد من الهياكل المدنية المستقلة وتراجع قدرة المجتمع المدني على العمل بحرية. 

وتؤكد منظمة العفو الدولية في آخر تقاريرها الخاصة بالجزائر أن السلطات واصلت فرض قيود على حرية التعبير والتجمع السلمي، مع تسجيل حالات اعتقال ومحاكمات اعتبرتها المنظمة غير منصفة بحق معارضين ونشطاء سلميين. كما انتقدت المنظمة توظيف تهم مرتبطة بالإرهاب أو الأمن القومي في ملاحقة بعض الأصوات المنتقدة للسلطات. 

أما في تونس، فقد شهد الأسبوع الماضي حدثًا أثار اهتمام المنظمات الحقوقية الدولية بعد صدور حكم بالسجن أربع سنوات غيابيا في حق الصحفية خولة بوكريم، مؤسسة موقع "توميديا"، بموجب المرسوم 54 الخاص بالجرائم الإلكترونية. وتعتبر منظمات الدفاع عن حرية الصحافة أن هذا القانون تحول إلى أداة قانونية لملاحقة الصحفيين والمعارضين السياسيين. وقد رأت عدة منظمات أن القضية تمثل مثالًا واضحًا على تراجع حرية الإعلام في البلاد منذ تركيز السلطات الاستثنائية سنة 2021. 

كما أصدرت منظمات حقوقية دولية، بينها هيئات للمحامين والقضاة، بيانًا شديد اللهجة ندد بما وصفته بالحملة المتصاعدة ضد المحامين والقضاة والجمعيات المدنية المستقلة في تونس. وأشارت هذه المنظمات إلى وجود ضغوط متزايدة على القضاء المستقل وعلى منظمات المجتمع المدني. 

وفي إفريقيا جنوب الصحراء، استمرت الانتهاكات الجسيمة المرتبطة بالنزاعات المسلحة. ففي بوركينا فاسو، وثقت منظمة «هيومن رايتس ووتش» ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية من طرف جماعات مسلحة وقوات موالية للحكومة، شملت عمليات قتل جماعي وتهجير قسري وتعذيب واستهداف مدنيين. وتعد هذه الانتهاكات من أخطر الأزمات الحقوقية التي تشهدها القارة حاليا. 

وفي كينيا، قُتل متظاهر برصاص الشرطة خلال احتجاجات ضد مشروع إنشاء مركز حجر صحي ممول أمريكيا قرب قاعدة عسكرية في منطقة نانيوكي. وأفادت اللجنة الكينية لحقوق الإنسان بوقوع اعتقالات واستعمال الغاز المسيل للدموع ضد المحتجين، ما أعاد النقاش حول استخدام القوة المفرطة أثناء المظاهرات السلمية. 

كما أثار مشروع "الميثاق الإفريقي للأسرة والقيم" موجة انتقادات واسعة من منظمات حقوقية إفريقية ودولية اعتبرت أن بعض بنوده قد تؤدي إلى تقويض مكتسبات النساء والأطفال والأقليات الجنسية، وتفتح الباب أمام تشريعات تقييدية جديدة باسم المحافظة على القيم التقليدية. 

أما في الاتحاد الأوروبي، فقد تصاعد الجدل حول سياسات الهجرة واللجوء. فقد حذرت منظمات حقوقية أوروبية من أن بعض المبادرات الجديدة الخاصة بترحيل المهاجرين إلى مراكز خارج أراضي الاتحاد قد تمثل انتهاكا للمعايير الدولية المتعلقة بحماية اللاجئين وحقوق الإنسان. كما انتقدت جهات حقوقية توسيع فترات الاحتجاز الإداري للمهاجرين وإجراءات الإبعاد الجماعي. 

وشهدت مدينة بلفاست في أيرلندا الشمالية أعمال عنف استهدفت مهاجرين وأجانب عقب حادث جنائي منفصل، حيث أُحرقت منازل ومتاجر ومركبات، ووصفت السلطات البريطانية الأحداث بأنها أعمال ذات طابع عنصري وتمييزي، الأمر الذي أثار مخاوف جديدة بشأن تنامي خطاب الكراهية ضد المهاجرين داخل بعض المجتمعات الأوروبية. 

تكشف هذه الأمثلة مجتمعة أن ملف حقوق الإنسان لا يزال يواجه تحديات عميقة ومتنوعة. ففي الجزائر وتونس يظل الجدل قائما حول حرية التعبير واستقلال القضاء والمجتمع المدني، بينما ترتبط الانتهاكات في أجزاء واسعة من إفريقيا بالنزاعات المسلحة والعنف السياسي. أما في الاتحاد الأوروبي، فتتمحور الإشكالات الرئيسية حول حقوق المهاجرين واللاجئين وصعود التيارات القومية المتشددة. وبين هذه السياقات المختلفة يظل المبدأ الأساسي واحدا: لا يمكن بناء الاستقرار الدائم دون ضمان الحريات الأساسية وحماية كرامة الإنسان بصرف النظر عن جنسيته أو انتمائه أو آرائه السياسية.

المقال أعلاه مبني على مصادر إخبارية وحقوقية منشورة خلال الأيام القليلة الماضية، مع أمثلة موثقة وروابط مباشرة للمصادر الأصلية.


0 التعليقات: