شهدت الساحة الموسيقية خلال الأيام القليلة الماضية حركة لافتة امتدت من الشواطئ المغربية وساحات مكناس إلى مسارح القاهرة وأبوظبي، مرورًا بالمهرجانات الأوروبية ووصولًا إلى فضاءات الموسيقى المستقلة في الولايات المتحدة. وقد كشفت هذه الحصيلة عن عودة قوية للحفلات الصيفية، واتساع الاهتمام بالموروث الروحي والشعبي، بالتوازي مع ألبومات جديدة تحاول تجاوز القوالب التي صنعت نجاح أصحابها. وبين الاحتفاء بالتراث، والتجريب الإلكتروني، وإعادة قراءة أعمال كبار الموسيقيين، تبدو الموسيقى اليوم مجالًا للتفاوض بين الذاكرة والتجديد، وبين الفرجة الجماهيرية والتعبير الفني الفردي.
المغرب: الموسيقى تخرج إلى الشواطئ وتعود إلى جذورها الروحية
تصدر انطلاق الدورة الثانية والعشرين من مهرجان الشواطئ المشهد الموسيقي المغربي خلال الأسبوع الماضي. فقد بدأت فعالياته يوم 20 يوليوز، على أن تستمر إلى 21 غشت 2026، موزعة على مدن المضيق وطنجة والحسيمة والسعيدية. ويقترح المهرجان ما لا يقل عن ستين حفلًا مجانيًا، بمشاركة أسماء من الساحتين المغربية والعربية، ضمن برنامج يجمع موسيقى الهيب هوب والراب والعيطة والشعبي والراي والركادة والأغنية المغربية المعاصرة والبوب العربي والموسيقى الفولكلورية المحلية.
تكمن أهمية هذا المهرجان في أنه ينقل الموسيقى من القاعات المغلقة، التي قد تظل محدودة الجمهور، إلى فضاءات ساحلية مفتوحة تستقبل مختلف الفئات الاجتماعية. كما يمنح الفنانين الشباب فرصة الظهور إلى جانب أسماء معروفة، بما يجعل المهرجان منصة لاكتشاف الأصوات الجديدة، وليس مجرد سلسلة من الحفلات التجارية. ويسهم انتشار العروض في أربع مدن في تحريك النشاط السياحي والاقتصادي المحلي، غير أن التحدي يظل مرتبطًا بقدرة هذه التظاهرات الجماهيرية على تحقيق التوازن بين الحضور العددي الكبير والجودة الفنية.
وفي مكناس، شكّل مهرجان عيساوة: مقامات وإيقاعات العالم، المنظم من 22 إلى 25 يوليوز، الحدث الأكثر ارتباطًا بالموروث الموسيقي والروحي المغربي. فقد أعلنت الدورة مشاركة أكثر من خمسة عشر فنانًا مغربيًا وأجنبيًا، وما يزيد على خمس وخمسين طائفة عيساوية، وأكثر من ألف مقدم ومعلم ينتمون إلى هذا التراث. كما ضمت البرمجة أسماء مثل أمين بودشار، وأسماء لمنور، ووائل جسار، ومروان حاجي، وزهير البهاوي، وزكرياء الغافولي، إلى جانب فرق تمثل التراث الموسيقي المكناسي.
ولا تقتصر دلالة هذا المهرجان على تقديم السماع والذكر والمقامات العيساوية فوق الخشبة، بل تتمثل أيضًا في محاولة إعادة تقديم التراث الصوفي باعتباره مكوّنًا حيًا قابلًا للحوار مع الموسيقى الحديثة. إن اجتماع الفرق التقليدية مع نجوم الأغنية الجماهيرية يعكس رغبة في توسيع جمهور الفن العيساوي، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالًا حول الحدود الفاصلة بين صيانة الطقس الروحي وتحويله إلى عرض احتفالي ضخم. ومع ذلك، فقد أعاد الحدث التأكيد على مكانة مكناس باعتبارها أحد المراكز التاريخية الأساسية للتراث العيساوي في المغرب.
العالم العربي: صيف الحفلات بين القاهرة وأبوظبي
في مصر، انطلقت يوم 22 يوليوز فعاليات المهرجان الصيفي لدار الأوبرا المصرية، موزعة بين المسرح المكشوف في القاهرة ومسرح سيد درويش في أوبرا الإسكندرية. وقد افتتح البرنامج بثنائي فؤاد ومنيب، ثم احتفال موسيقي بذكرى ثورة 23 يوليوز قدمه كورال الأطفال والشباب، بالتزامن مع حفل الفنان علي الحجار في الإسكندرية، قبل أن يقدم وجيه عزيز حفله مساء 24 يوليوز. وتمزج البرمجة بين الموسيقى العربية والجاز والفولكلور والتجارب الموسيقية الحديثة، مع استمرار العروض إلى غشت.
تعكس هذه الدورة سياسة ثقافية تسعى إلى إبقاء الموسيقى قريبة من الجمهور عبر الحفلات المفتوحة والأسعار المتاحة نسبيًا. كما يكشف الجمع بين مطربين مخضرمين وموسيقيين شبان وفرق مستلهمة من موسيقى الجاز والروك عن محاولة لتجاوز الفصل التقليدي بين الموسيقى العربية الكلاسيكية والأشكال الحديثة. وتبدو دار الأوبرا، من خلال هذه البرمجة، حريصة على ألا تتحول إلى مؤسسة نخبوية معزولة، بل إلى فضاء صيفي يستقبل أجيالًا وأذواقًا متعددة.
وعلى الساحل الشمالي المصري، أحيا الفنان تامر عاشور يوم 24 يوليوز حفلًا ضمن مهرجان تياترو رومانو، بعد حفل جمع في الأسبوع السابق الفنان السوري الشامي بالفنان اللبناني محمد فضل شاكر. ويستمر البرنامج بعروض للموسيقى الشعبية المصرية، قبل أن يختتم في غشت بحفل يجمع نوال الزغبي ووائل جسار.
ويؤكد هذا النشاط أن الساحل الشمالي لم يعد مجرد وجهة سياحية موسمية، بل أصبح سوقًا موسيقية رئيسية تتنافس فيها الشركات والمنتجعات على استضافة الفنانين الأكثر انتشارًا. غير أن ارتفاع أسعار بعض الحفلات يوسع الفارق بين المهرجانات المدعومة والمفتوحة للجمهور، مثل مهرجان دار الأوبرا، وبين الحفلات التجارية التي تستهدف فئات قادرة على دفع أسعار مرتفعة.
وفي الإمارات، كان الإعلان يوم 22 يوليوز عن البرنامج الكامل لـ مهرجان أبوظبي 2026 من أبرز أخبار الموسيقى العربية والدولية. وسيمتد البرنامج من 10 أكتوبر إلى 19 دجنبر تحت شعار «حكمة الثقافة»، بمشاركة الأوركسترا الوطنية لدولة الإمارات، والمؤلف الألماني هانز زيمر، والموسيقي الأمريكي جون باتيست، والفنان التونسي ظافر يوسف، إلى جانب عروض أوبرالية وكلاسيكية وباليه. ومن المنتظر أن يقدم ظافر يوسف مشروعًا يمزج الجاز بالموسيقى العربية والشمال إفريقية والتأثيرات التركية والهندية والأوروبية.
يكشف هذا البرنامج عن توجه إماراتي واضح نحو بناء مهرجان لا يكتفي باستضافة النجوم العالميين، بل يحاول خلق حوار بين الموسيقى المحلية والعربية والمؤسسات الأوركسترالية الكبرى. كما أن حضور الأوركسترا الوطنية الإماراتية في افتتاح البرنامج يمنح الحدث بعدًا يتجاوز الاستيراد الثقافي، ويشير إلى الاستثمار في تكوين بنية موسيقية محلية طويلة الأمد.
أوروبا: ألبومات جريئة واحتفال بقرن ونصف من الأوبرا
شهد يوم 24 يوليوز صدور ألبوم المغنية البريطانية تشارلي إكس سي إكس الجديد، المعنون «الموسيقى، الموضة، السينما». ويضم الألبوم إحدى عشرة أغنية قصيرة تعتمد بصورة أكبر على الغيتار، في تحول واضح عن الموسيقى الراقصة والإلكترونية التي طبعت ألبومها السابق «برات». وقد انقسم النقاد بشأن النتيجة؛ إذ رأت مراجعة «يورونيوز» أن الألبوم يحمل أفكارًا واعدة لكنه لا يحقق دائمًا أثرًا قويًا، بينما اعتبرت «الغارديان» أنه عمل عميق يتناول هشاشة الهوية والنجومية وتحويل الذات إلى سلعة ثقافية. (euronews)
وتبرز أهمية الإصدار في رفض الفنانة تكرار الوصفة التي منحتها نجاحًا عالميًا. فقد اختارت مغادرة أرضية الرقص الإلكترونية نحو صوت أكثر خشونة واختزالًا، واضعة نفسها أمام مخاطرة فقدان جزء من جمهورها. وهذا التحول يعيد طرح سؤال أساسي في صناعة الموسيقى: هل يستمر الفنان في إنتاج ما يطلبه السوق، أم يغامر بتغيير لغته حتى لو جاءت الاستجابة النقدية والجماهيرية متباينة؟
وفي ألمانيا، افتتح مهرجان بايرويت يوم 25 يوليوز احتفالاته بمرور مئة وخمسين عامًا على تأسيسه. وتضمن برنامج الذكرى تقديم السيمفونية التاسعة لبيتهوفن، وإنتاجًا جديدًا لأوبرا «رينزي»، إلى جانب إعادة تقديم «خاتم النيبلونغ» لريتشارد فاغنر بالاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي. كما رافقت المناسبة نقاشات حول إرث فاغنر ومواقفه المعادية لليهود وعلاقة المهرجان في مراحل من تاريخه بالنازية.
ويمثل إدخال الذكاء الاصطناعي إلى عرض أوبرالي تأسس على تقاليد القرن التاسع عشر لحظة رمزية في الموسيقى الأوروبية. فالمهرجان لا يحتفل بتاريخه فقط، بل يختبر قدرة التقنيات الجديدة على إعادة تشكيل الخشبة والصورة والتلقي. وفي المقابل، يوضح النقاش التاريخي المصاحب أن الاحتفال بالموسيقى لا ينبغي أن يتحول إلى فصل الأعمال الفنية عن السياقات الفكرية والسياسية التي نشأت فيها.
ومن الظواهر اللافتة التي رصدتها الصحافة البريطانية خلال الأيام الماضية الارتفاع الكبير في شعبية فرق المحاكاة الموسيقية التي تعيد تقديم أغاني نجوم مثل إيمي واينهاوس وروبي ويليامز. وقد سجل مهرجان «ريبليكا» رقمًا قياسيًا بتنظيم 108 عروض محاكاة في عطلة أسبوع واحدة، بينما أصبحت هذه الفرق موردًا مهمًا للقاعات الموسيقية المستقلة التي تواجه ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية لدى الجمهور.
تكشف الظاهرة أن الحنين الموسيقي لم يعد مجرد نزعة عاطفية، بل أصبح قطاعًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. فالجمهور يحصل على تجربة قريبة من حفلات نجوم قد تكون تذاكرهم باهظة أو يستحيل مشاهدتهم، بينما تتمكن المسارح الصغيرة من ضمان حضور جماهيري. إلا أن اتساع هذه السوق يثير مخاوف من أن تزاحم فرق المحاكاة الفنانين الذين يقدمون أعمالًا أصلية جديدة.
أمريكا: بوب ديلان يعود بصوت بون إيفر و«ذا ستروكس» تستعيد نشاطها
في ولاية ويسكونسن الأمريكية، عاد مهرجان أو كلير بعد غياب دام قرابة عقد، بتنظيم مشترك بين جاستن فيرنون، قائد فرقة بون إيفر، وآرون ديسنر من فرقة ذا ناشيونال. وكانت أبرز لحظات المهرجان أمسية 24 يوليوز، عندما ظهر فيرنون تحت اسم «بون ديلان»، مقدمًا مجموعة من أغاني بوب ديلان بمشاركة موسيقيين من منطقة الغرب الأوسط الأمريكي. واختتم الحفل بأغنية «نقرٌ على باب السماء» في أداء جماعي شارك فيه آلاف الحاضرين.
لا تبدو هذه التجربة مجرد تحية لفنان أسطوري، بل إعادة قراءة لتراث الأغنية الأمريكية من خلال صوت جيل موسيقي مختلف. وقد أعاد المهرجان فكرة التعاون إلى الواجهة، إذ لم تكن النجومية الفردية هي مركز العرض، بل مشاركة موسيقيين متنوعين في صياغة ذاكرة بوب ديلان الغنائية. كما أن عودة المهرجان بعد سنوات من التوقف تعكس استمرار الحاجة إلى الفعاليات الموسيقية المرتبطة بالمجتمع المحلي والطبيعة، بعيدًا عن النموذج التجاري الضخم.
وفي نيويورك، أصدرت فرقة ذا ستروكس يوم 24 يوليوز ألبومها السابع «الواقع ينتظر»، وهو أول ألبوم جديد لها منذ ست سنوات. ويجمع العمل بين البنية المختزلة التي اشتهرت بها الفرقة منذ بداياتها، وبين التأثيرات التجريبية التي طورها المغني جوليان كازابلانكاس في مشاريعه الموازية. وقد وصفت مراجعة «الغارديان» الألبوم بأنه من أكثر أعمال الفرقة حيوية ومتعة منذ سنوات، رغم بعض اللحظات الأقل تماسكًا.
ويؤكد الإصدار أن فرق الروك التي صنعت موجة بداية الألفية الجديدة لا تزال قادرة على العودة دون الاكتفاء باستعادة نجاحاتها القديمة. فقد اختارت «ذا ستروكس» الجمع بين صوتها المعروف وميل كازابلانكاس إلى المؤثرات الإلكترونية والتلاعب بالصوت، وهو ما منح الألبوم طابعًا يجمع الحنين والغرابة والتجريب.
خلاصة الحصيلة
تظهر أخبار الأيام الماضية أن النشاط الموسيقي العالمي يتحرك في اتجاهين متوازيين. الاتجاه الأول يتمثل في توسيع الحفلات والمهرجانات الجماهيرية، كما حدث في المدن الساحلية المغربية والقاهرة ومكناس. أما الاتجاه الثاني فيرتبط بإعادة التفكير في معنى التجديد الفني، سواء من خلال تغيير الأسلوب الموسيقي، أو توظيف الذكاء الاصطناعي داخل الأوبرا، أو إعادة تقديم تراث بوب ديلان وفاغنر وفرق الروك القديمة.
كما تكشف الحصيلة أن التراث لم يعد نقيضًا للتحديث. فالفن العيساوي يدخل في حوار مع الأغنية المعاصرة، وظافر يوسف يمزج العود بالجاز والإلكترونيات، وبايرويت يستعين بالذكاء الاصطناعي، بينما تعود أغاني ديلان في صوت بون إيفر. وهكذا لم تعد الموسيقى تتحرك وفق خط يفصل القديم عن الجديد، بل أصبحت تبني مساحتها الأكثر حيوية في المنطقة الواقعة بينهما.
غير أن هذه الحيوية تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار الحفلات التجارية، وتفاوت فرص الوصول إلى الموسيقى، وتحول بعض المهرجانات إلى أدوات تسويق سياحي، فضلًا عن منافسة الحنين والمحاكاة للأعمال الأصلية. لذلك ستظل القيمة الحقيقية لهذه الطفرة مرتبطة بقدرتها على دعم الفنانين الشباب، وحماية التنوع الموسيقي، وجعل الثقافة متاحة لجمهور واسع، لا مجرد صناعة موسمية تتحرك خلال أشهر الصيف ثم تنطفئ بانتهائها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق