أكتب هذا المقال في الخامس عشر من شتنبر، اليوم الدولي للديمقراطية، والمغرب يوجد على بُعد أيام قليلة فقط من انتخابات تشريعية ستُجرى في الثالث والعشرين من الشهر نفسه. والمفارقة التي تستوقفني أن العالم يحتفل اليوم بالديمقراطية بينما نحن في المغرب نعيش امتحانها الحقيقي في الشارع، وفي المقاهي، وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وفي التجمعات الانتخابية، وفي ذلك السؤال البسيط والخطير الذي يتردد بين الناس: هل يستحق صندوق الاقتراع مرة أخرى أن نثق فيه ونذهب إليه؟
أنا لا أريد أن أتعامل مع انتخابات 2026 باعتبارها موعدًا روتينيًا يأتي كل خمس سنوات، فنضع الأوراق في الصناديق، ثم نعود إلى بيوتنا، وتتشكل الأغلبية، وتبدأ مفاوضات الحكومة، وبعد ذلك ننتظر انتخابات أخرى. هذه النظرة هي بالضبط ما أراه أحد أسباب أزمة الثقة في السياسة. الديمقراطية ليست موعدًا إداريًا في الرزنامة، بل علاقة مستمرة بين المواطن والمؤسسة، بين الناخب والمنتخب، بين الوعد والحصيلة، وبين السلطة والمحاسبة.
في 23 شتنبر سيُنتخب 395 عضوًا في مجلس النواب، في اقتراع تشارك فيه 27 هيئة سياسية، وقد دخلت البلاد رسميًا مرحلة الحملة الانتخابية التي تستمر إلى ليلة 22 شتنبر. لكنني لا أعتقد أن السؤال الأهم اليوم هو: أي حزب سيفوز؟ السؤال الأهم عندي هو: كم مغربيًا ما زال مقتنعًا بأن فوز هذا الحزب أو ذاك سيصنع فرقًا حقيقيًا في حياته اليومية؟
هذه هي المعركة الأصعب.
إنها معركة الثقة.
والثقة لا تُشترى بالملصقات، ولا تُبنى في أسبوعين من الخطب، ولا تُصنع بفيديوهات مصقولة على تيك توك وفيسبوك، ولا بتوزيع الوعود كما توزع المناشير الانتخابية. الثقة تُبنى خلال خمس سنوات كاملة، داخل المستشفى العمومي والمدرسة والجامعة والإدارة والسوق، وفي القدرة الشرائية وفرص الشغل والسكن والنقل والعدالة الاجتماعية.
لا يمكن أن تطلب من المواطن أن يثق بك يوم الاقتراع إذا كان يشعر طوال الولاية السابقة أنه لم يكن موجودًا في حساباتك.
ولا يمكن أن تطرق بابه في شتنبر ثم تنسى عنوانه في أكتوبر.
هذه هي المعضلة التي يجب أن تواجهها الأحزاب بشجاعة.
أنا لا أتهم جميع السياسيين، ولا أضع الجميع في سلة واحدة، لكنني أرفض أيضًا الخطاب الانتخابي الذي يتصرف وكأن ذاكرة المغاربة تُمحى مع بداية كل حملة. المواطن اليوم يستطيع خلال ثوانٍ أن يعود إلى تصريحات عمرها خمس سنوات، وأن يشاهد من جديد وعدًا قيل له في الحملة السابقة، وأن يقارن بين ما كُتب في البرامج وما تحقق بالفعل.
الهاتف الذكي أصبح صندوق أرشيف أخطر من صندوق الاقتراع.
كل وعد قديم محفوظ.
كل تصريح محفوظ.
كل تناقض محفوظ.
ولهذا لا ينبغي لأي حزب أن يفترض أن الناخب نسي.
بل على العكس، أعتقد أن المشكلة اليوم ليست في ضعف ذاكرة المواطن، بل ربما في قوة إحساسه بأن كثيرًا من الخطابات تتغير بينما المشاكل الأساسية تبقى في مكانها.
أريد في يوم الديمقراطية أن أقول شيئًا قد يبدو قاسيًا: لا تكفي سلامة الإجراءات لكي نصنع ديمقراطية قوية.
يمكن أن تكون الانتخابات منظمة، واللوائح مضبوطة، والحملة مؤطرة بالقانون، ومع ذلك يبقى المواطن غير مقتنع.
القانون يستطيع أن يحمي الصندوق من التلاعب، لكنه لا يستطيع وحده أن يملأه بالثقة.
والإدارة تستطيع أن تهيئ مكاتب التصويت، لكنها لا تستطيع أن تجبر مواطنًا يائسًا من السياسة على أن يؤمن فجأة بأن صوته سيكون حاسمًا.
الأمم المتحدة تقول هذا العام إن الديمقراطية أكثر من انتخابات، وإنها ممارسة يومية تقوم على الحقوق وسيادة القانون والمشاركة الفعلية، وإن إشراك المواطنين في صناعة القرار ضروري لاستعادة الثقة. وأنا أرى أن هذه الرسالة تكاد تكون مكتوبة خصيصًا لنا ونحن مقبلون على 23 شتنبر.
فما معنى أن نصوت إذا كان التواصل بين المنتخب والناخب ينتهي بمجرد إعلان النتائج؟
وما معنى الديمقراطية إذا كان المواطن لا يعرف بعد سنة واحدة ماذا فعل النائب الذي منحه صوته؟
كم نائبًا ينشر حصيلة واضحة عن حضوره وأسئلته ومقترحاته ومواقفه وتصويته؟
وكم حزبًا يعود إلى ناخبيه وسط الولاية التشريعية ليقول لهم: وعدناكم بهذه الأشياء، أنجزنا هذه، وفشلنا في هذه، وهذه أسباب الفشل؟
هذه الثقافة هي التي أريد أن أراها في المغرب.
ثقافة الحساب بدل التبرير.
وثقافة الحصيلة بدل الخطابة.
وثقافة السياسة باعتبارها خدمة عامة، لا موسمًا للاستعراض.
وأنا أخشى شيئًا آخر أكثر من فوز حزب لا أحبه: أخشى أن يصبح العزوف عن التصويت هو الحزب الأكبر في المغرب.
لأن المواطن عندما يقرر أن السياسة كلها لا تعنيه، فهو لا يعاقب الأحزاب فقط، بل ينسحب من حقه في التأثير، ويترك المجال أكثر سهولة للكتل المنظمة ولأصحاب المصالح ولشبكات النفوذ الانتخابي.
الفراغ لا يبقى فارغًا.
إذا ابتعد المواطن المستقل عن الصندوق، فسيدخل إليه من يعرف جيدًا ماذا يريد منه.
ولهذا أقول إن المقاطعة النفسية للسياسة أخطر من المقاطعة الانتخابية نفسها.
هناك مغاربة قد يذهبون إلى مكاتب التصويت، لكنهم لم يعودوا يصدقون الخطابات. وهناك آخرون قد يبقون في بيوتهم لأنهم مقتنعون بأن النتائج لن تغير حياتهم. وهذه الفجوة بين المؤسسة والمواطن هي بالضبط ما ينبغي أن يشغل الأحزاب أكثر من حساب المقاعد والتحالفات.
الديمقراطية لا تحتضر عندما يخسر حزب الانتخابات.
الديمقراطية تبدأ في الضعف عندما يفقد المواطن الرغبة في الاختيار.
كما أنني أرفض أن تتحول انتخابات 2026 إلى منافسة حول من يقدم الوعد الأكبر.
رفع الأجور؟ جميل.
خلق الوظائف؟ ضروري.
تحسين الصحة والتعليم؟ لا أحد يختلف.
لكنني أريد أرقامًا.
من أين سيأتي المال؟
كم عدد الوظائف؟
في أي مدة؟
ما المؤشرات التي سنقيس بها النجاح؟
ماذا سيحدث إذا فشل البرنامج؟
أريد سياسيًا يقول لي الحقيقة ولو كانت صعبة، لا سياسيًا يخبرني بأن كل شيء ممكن بمجرد أن أمنحه صوتي.
الديمقراطية ليست مهرجانًا للوعود الجميلة.
إنها فن إدارة الممكن بصدق ومسؤولية.
والشاب المغربي اليوم يحتاج أكثر من غيره إلى سبب مقنع لكي يدخل المجال السياسي. شاب يعيش في عالم مفتوح، يقارن بلده بالعالم لحظة بلحظة، يرى نماذج مختلفة للحكم والتنمية والابتكار، ثم نطلب منه أن يتحمس للسياسة بنفس اللغة التقليدية التي استُعملت قبل عقود؟
هذا لن ينجح.
إذا لم تتغير الأحزاب، فسيتغير المجتمع بعيدًا عنها.
وإذا لم يدخل الشباب إلى المؤسسات، فسيدخلون إلى السياسة من خارجها، عبر الاحتجاج الرقمي والسخرية والغضب واللامبالاة.
لذلك فإن سؤال 23 شتنبر ليس فقط من سيحكم، بل أيضًا: هل تستطيع السياسة المغربية أن تستعيد جيلًا بدأ يفقد الإيمان بها؟
ثم هناك البرلمان نفسه.
أنا لا أريد مجلس نواب يتحول إلى ديكور دستوري أنيق.
أريده مكانًا يحرج الحكومة عندما تخطئ، ويحاسب الوزراء عندما يقصرون، ويفتح الملفات التي يخاف الآخرون من فتحها، ويدافع عن المواطن حتى عندما يكون ذلك مكلفًا سياسيًا.
لا أريد نائبًا يعتبر دخوله البرلمان نهاية الرحلة.
إنه بدايتها.
ولا أريد معارضة تنتظر دورها في الحكومة لكي تصبح فجأة أكثر ليونة، ولا أغلبية تعتبر أن دعم الحكومة يعني التصفيق لكل قراراتها.
الديمقراطية لا تحتاج إلى نواب مطيعين.
تحتاج إلى مؤسسات حية.
وأتوقف أيضًا عند المال الانتخابي، لأنني لا أستطيع الحديث عن ديمقراطية حقيقية إذا شعر المواطن بأن النفوذ المالي يستطيع منافسة البرامج والأفكار. لا يكفي أن تكون القوانين صارمة على الورق. المطلوب أن يرى المغاربة آثار تطبيقها في الواقع، وأن يعرفوا أن صوت الفقير لا يساوي أقل من صوت الغني، وأن المقعد البرلماني لا يمكن أن يتحول إلى استثمار تجاري يستعيد صاحبه تكلفته بعد الفوز.
الصوت ليس سلعة.
والناخب ليس زبونًا.
والبرلمان ليس سوقًا.
إذا فقدنا هذه البديهيات فقدنا روح الديمقراطية.
وفي يوم الديمقراطية لا أريد خطابًا يحتفل بما أنجزناه فقط، بل خطابًا يعترف بما لم ننجزه أيضًا. الدول الواثقة من نفسها لا تخاف النقد، والديمقراطيات القوية لا تعتبر السؤال خيانة، بل تعتبره شرطًا للتقدم.
أنا أريد مغربًا تتسع فيه مساحة النقد، لأن النقد لا يضعف الدولة، بل يكشف مواطن ضعفها قبل أن تتحول إلى أزمات.
وأريد انتخابات يشعر بعدها الخاسر أنه خسر سياسيًا، لا أنه أُقصي.
ويشعر الفائز أنه حصل على تكليف مؤقت، لا على ملكية دائمة للسلطة.
لهذا سأعتبر 23 شتنبر يومًا أكبر من مجرد فرز للأصوات.
سيكون فرزًا للثقة أيضًا.
سنكتشف كم بقي من الرصيد لدى الأحزاب.
وسنكتشف هل استطاع الخطاب السياسي إقناع المغاربة بأن المرحلة المقبلة مختلفة حقًا.
وسنكتشف، قبل كل شيء، هل ما زال صندوق الاقتراع قادرًا على أن يكون جسرًا بين المواطن والدولة، أم أصبح عند البعض مجرد صندوق يوضع في المدارس مرة كل خمس سنوات ثم يُرفع.
أنا أريد أن يستعيد المغاربة ثقتهم في الصندوق.
لكنني لا أطلب من المغاربة أن يمنحوا ثقتهم مجانًا.
الثقة يجب أن تُستحق.
وعلى السياسيين أن يدفعوا ثمنها بالصدق والكفاءة والمحاسبة والعمل.
في 23 شتنبر سيضع المواطن ورقة صغيرة داخل صندوق.
لكن تلك الورقة تحمل سؤالًا ضخمًا:
هل تستحقون خمس سنوات أخرى من ثقتنا؟
ومن لا يملك جوابًا مقنعًا عن هذا السؤال، لا ينبغي أن يغضب إذا قرر المغاربة أن يبحثوا عن جواب آخر.








0 التعليقات:
إرسال تعليق