في الأيام الأخيرة من أغسطس وبدايات سبتمبر 2026، لم تكن المطابع العربية تدفع إلى واجهات المكتبات بمجرد عناوين جديدة تضاف إلى آلاف العناوين التي تصدر كل عام، بل بدا المشهد، لمن يتابعه من مسافة ثقافية أوسع، أشبه بخريطة مصغرة للقلق العربي الراهن؛ فلسطين والحرب والذاكرة، سورية والمعتقل والمنفى، الجزائر والعنف العائلي والاجتماعي، اللغة بوصفها ساحة للصراع، الذكاء الاصطناعي وهو يعيد طرح سؤال الإبداع، والترجمة التي تواصل فتح أبواب المكتبة العربية على الأنثروبولوجيا والسياسة والمسرح والتاريخ العالمي.
وإذا كان الحكم على القيمة الأدبية والفكرية لأي كتاب يحتاج بطبيعة الحال إلى القراءة الكاملة، فإن متابعة ما أعلنته دور النشر والمنصات الثقافية العربية خلال الأيام والأسابيع الأخيرة تكشف، قبل القراءة النقدية التفصيلية، عن اتجاه يستحق الانتباه: الكتاب العربي لم ينسحب من مواجهة زمنه، بل أصبح أكثر التصاقاً بأسئلته الحادة، من الحرب والهوية إلى الذاكرة والتكنولوجيا.
ربعي المدهون... فلسطين تكتب نفسها من جديد
من أبرز الإصدارات الروائية الجديدة رواية «نافذة روت كل شيء» للروائي الفلسطيني ربعي المدهون، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان بالتزامن مع «مكتبة كل شيء» في حيفا. والرواية ليست عملاً منفصلاً في مشروع المدهون، بل الجزء الثالث والأخير من ثلاثية بدأت بـ«السيدة من تل أبيب»، ثم «مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة»، الرواية التي فازت بالجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2016.
في العمل الجديد يعود وليد دهمان، وتبدأ الحكاية من عكا القديمة، قبل أن يتداخل الواقعي والمتخيل والكاتب وشخصياته، وتدخل غزة بقوة إلى النسيج السردي. يمتد الفضاء الحكائي من عكا إلى غزة وحيفا وقيسارية، وتتشابك حكايات الأفراد مع الجريمة والتهجير والتزوير التاريخي وتحولات المجتمع الإسرائيلي وذاكرة المقاومة الفلسطينية. وتقع الرواية في 224 صفحة. (ضفة ثالثة)
تكمن أهمية هذا الإصدار، من حيث موقعه في حركة النشر الحالية، في أنه يؤكد استمرار الرواية الفلسطينية في الانتقال من مجرد تسجيل المأساة إلى مساءلة طرائق روايتها نفسها. لم تعد فلسطين في الكثير من سردياتها الجديدة مجرد «موضوع»، بل صارت سؤالاً سردياً: من يكتب التاريخ؟ من يروي المكان؟ وماذا يستطيع الأدب أن يفعل حين يحاول الواقع نفسه أن يفوق الخيال قسوة؟
«سُدُف» لفادي عزام... من المعتقل إلى ذاكرة لا تعرف كيف تعود
ومن لبنان، وعبر منشورات نوفل ـ هاشيت أنطوان، وصل إلى المكتبات في مطلع سبتمبر عمل جديد للكاتب السوري فادي عزام بعنوان «سُدُف».
بطل الرواية، راسم عبد الغني، يخرج من معتقل فاقداً ذاكرته، لا يكاد يعرف من يكون. يحاول استعادة ماضيه فيكتشف أنه كان أستاذاً جامعياً، ثم تتعقد رحلته عندما تقع بين يديه مخطوطة مكتوبة بما يسميه الكاتب «لغة السهاد»، وهي لغة متخيلة تفتح السرد على عالم الموتى والشهداء والذاكرة المكسورة. وتضع الرواية قارئها أمام مفارقة قاسية: هل استعادة الذاكرة دائماً خلاص، أم يمكن للنسيان نفسه أن يتحول في بعض الحالات إلى شكل من أشكال الرحمة؟ وقد أدرجتها دار هاشيت أنطوان في واجهة إصداراتها الحالية، بينما تشير بيانات المكتبات إلى صدورها في الأول من سبتمبر 2026. (Antoine Online)
هذا النوع من السرد يؤكد أن أدب السجون والذاكرة السورية يدخل مرحلة جديدة. لم تعد الرواية مطالبة فقط بوصف المعتقل أو تسجيل الانتهاك، بل أصبحت تواجه الآثار العميقة للعنف على اللغة والهوية والإدراك والقدرة على استعادة الذات.
«وجهي الغريب»... الجزائر من داخل جروح امرأة
وعن مؤسسة نوفل أيضاً صدرت في 27 أغسطس رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، في 256 صفحة.
تنطلق الرواية من لحظة تبدو في البداية غرائبية: امرأة تدعى كاملة تلاحظ امرأة أخرى تتعقبها، ثم تكتشف شيئاً أكثر اضطراباً؛ أوصاف تلك المرأة تشبهها هي نفسها. ومن هذه العتبة النفسية تبدأ الذاكرة في فتح أبوابها على طفولة في القصبة، وأسرة مثقلة بالعنف، وأب عنيف، وفقدان أخ، ثم على الجزائر وتحولاتها الاجتماعية والسياسية منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وصولاً إلى سنوات العنف المسلح. (Neelwafurat)
الرواية، بحسب تقديم الناشر، تضع في مركزها آثار العنف المتوارث والفقد والخوف من الأمومة وما تقدمه النساء من تضحيات داخل الأسرة والزواج، بالتوازي مع محاولات البطلة استرداد صوتها عبر التعليم والفن والحب. (هاشيت أنطوان)
وإذا كان الأدب الجزائري قد راكم منذ التسعينيات مكتبة واسعة حول العنف والإرهاب والذاكرة، فإن الأجيال الجديدة تبدو أكثر ميلاً إلى البحث في ما تركه ذلك العنف داخل البيوت والأجساد والنفوس، لا في الشارع والسياسة وحدهما.
يوسف بزّي... الشعر يعود من بوابة الحرب والحب
أما الشعر فله حضوره أيضاً في الإصدارات الأخيرة من خلال ديوان «الشمس كلها في وجهي» للشاعر اللبناني يوسف بزّي، الصادر عن دار رياض الريس للكتب والنشر.
يتألف الديوان من 21 قصيدة موزعة على أربعة أقسام، ويتجاور فيه السياسي والذاتي والحميمي؛ البحر والصيف والحب من جهة، والحروب والفوضى والذاكرة والقسوة من جهة أخرى. وقد صدر الديوان في أغسطس وأصبح ضمن قوائم الكتب الجديدة مطلع سبتمبر. (المدن)
لا يبدو هذا الجمع بين الحب والحرب مفارقة عابرة في الشعر العربي الراهن. ففي منطقة تعيش منذ سنوات تحت ضغط الحروب والانهيارات والهجرة، أصبح الدفاع عن التفاصيل الشخصية الصغيرة شكلاً آخر من أشكال مقاومة الخراب؛ القصيدة لا تستطيع إيقاف الحرب، لكنها تستطيع أن تمنع الحرب من احتلال اللغة كلها.
اللغة العربية نفسها تصبح موضوعاً للصراع
ومن الإصدارات الفكرية المهمة كتاب الباحث والأكاديمي ياسر سليمان ـ معالي «اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني ـ العربي»، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
يقع الكتاب في 399 صفحة، ويتكون من مدخل وأربعة فصول وخاتمة، ويواصل مشروع المؤلف في بحث العلاقة بين اللغة والهوية والأيديولوجيا والصراع السياسي. وينطلق من فكرة شديدة الأهمية: الصراع في فلسطين لم يكن صراعاً على الأرض والحدود والسكان فقط، وإنما كان كذلك صراعاً على اللغة وتسميات الأمكنة وصناعة الذاكرة والشرعية. (مجلة رمان الثقافية)
وهنا يكتسب الكتاب راهنيته؛ فاللغة التي نتعامل معها أحياناً باعتبارها أداة محايدة للتواصل يمكن أن تتحول في ظروف الاستعمار والصراع إلى أداة قوة. الاسم الذي يمنح للمكان، واللغة التي تفرض في المدرسة والإدارة، والطريقة التي تعاد بها كتابة التاريخ، كلها مكونات في إنتاج السلطة والهوية.
إنه كتاب يذكرنا بأن الدفاع عن العربية ليس بالضرورة خطاباً عاطفياً أو احتفالياً، بل يمكن أن يكون بحثاً علمياً في علاقة اللسان بالتاريخ والسياسة والاستعمار.
ليفي شتراوس يدخل العربية من بوابة «ترجمان»
وفي مجال الترجمة الفكرية صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة «ترجمان»، كتاب «البنى الأولية للقرابة» للأنثروبولوجي الفرنسي الشهير كلود ليفي شتراوس، بترجمة شوقي دويهي. (ضفة ثالثة)
الكتاب الأصلي صدر سنة 1949، ويعد من الأعمال المؤسسة في الأنثروبولوجيا البنيوية ودراسة أنظمة القرابة، إذ يجمع بين البعد الاجتماعي واللغوي والنفسي في دراسة الزواج والنسب وتحريم زنا المحارم وتبادل العلاقات بين الجماعات. (ضفة ثالثة)
وقد يبدو السؤال مشروعاً: لماذا نترجم في 2026 كتاباً صدر قبل أكثر من ثلاثة أرباع قرن؟
الجواب أن حركة الترجمة الحقيقية لا تقوم فقط على مطاردة الكتب الأكثر مبيعاً في الغرب، بل على سد الثغرات في المكتبة العربية. هناك أعمال غيرت مسار علوم كاملة وما زال القارئ العربي يحتاج إلى طبعات عربية رصينة منها. لهذا فإن صدور ليفي شتراوس لا يقل في أهميته الثقافية عن صدور رواية جديدة؛ الأول يوسع أدوات المعرفة، والثانية توسع أدوات التخيل، والمكتبة الحية تحتاج إليهما معاً.
ساركوزي من الإليزيه إلى الزنزانة... بالعربية
ومن الكتب العالمية التي انتقلت حديثاً إلى العربية «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الصادر عن دار نوفل ـ هاشيت أنطوان، بترجمة أدونيس سالم.
في 136 صفحة يروي ساركوزي تفاصيل المحاكمة والسجن والعزلة، وانتقاله من حياة السلطة داخل قصر الإليزيه إلى تجربة السجن. (صحيفة الخليج)
وبصرف النظر عن موقف القارئ من ساركوزي وسياساته، فإن هذا النوع من المذكرات يظل مهماً لأنه يمنحنا مثالاً على العلاقة المضطربة بين السلطة والذاكرة والكتابة. فالسياسي عندما يخرج من مركز القرار ويدخل إلى فضاء المحاسبة يعيد كتابة نفسه بالضرورة، وتصبح المذكرات جزءاً من معركة أخرى: معركة الصورة التي يريد صاحبها أن يتركها للتاريخ.
وهنا تقع مسؤولية القارئ والنقد معاً؛ فالمذكرات السياسية ليست سجلاً محايداً، وإنما رواية ذاتية تحتاج دائماً إلى أن تقرأ إلى جانب الوثائق والروايات الأخرى.
«حوادث صنعتها الأحلام»... حين تتدخل الرؤيا في التاريخ
ومن منشورات جداول للطباعة والنشر والتوزيع ظهر في القوائم الجديدة بتاريخ 2 سبتمبر كتاب ناصر الحزيمي «حوادث صنعتها الأحلام».
يتناول المؤلف موقع الحلم أو الرؤيا في الخطاب الديني، وخصوصاً في بعض البيئات السلفية، ويربط ذلك بخبرته السابقة وانتمائه في شبابه إلى جماعة رفعت من منزلة الأحلام والرؤى. (Neelwafurat)
الكتاب يفتح سؤالاً طريفاً وخطيراً في الآن نفسه: إلى أي حد تستطيع الرؤى الفردية والأحلام أن تنتقل من المجال الشخصي إلى مجال القرار الجماعي؟ وكيف يمكن لمتخيل ديني أن يؤثر في حركة اجتماعية أو سياسية؟
وهو موضوع يكشف أن الكتاب العربي الجديد لا يتحرك فقط في القضايا الظاهرة، بل بدأ يقترب أيضاً من المناطق الرمادية في تكوين الوعي الديني والاجتماعي.
النرجسية بوصفها مرضاً اجتماعياً
ومن الدار العربية للعلوم ناشرون صدر كتاب موسى يعقوب قاسم «طيور الفينيق»، الذي يخصص مساحة واسعة لمناقشة النرجسية باعتبارها ظاهرة نفسية واجتماعية تتجاوز حدود الشخصية الفردية.
يرى الكتاب أن النرجسية يمكن أن تتحول إلى سلوك يمتد إلى العلاقات والتربية والمجتمع، وأن مواجهتها ترتبط بالتنشئة والقيم والتعليم. ويقع الكتاب في 358 صفحة. (Aspbooks)
قد يختلف المتخصصون بالطبع مع بعض التعميمات التي يمكن أن ترافق تحويل مصطلح نفسي إلى تشخيص اجتماعي واسع، لكن لافت أن تصبح مفاهيم مثل النرجسية والقلق والعزلة والهشاشة موضوعات متكررة في الكتب العربية، بما يعكس تحوّلاً في اهتمام القارئ نفسه بالقضايا النفسية والسلوكية.
إبراهيم نصر الله و«الإقامة في الحرية»
وتضم قائمة الدار العربية للعلوم ناشرون كذلك كتاباً جديداً للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله بعنوان «الإقامة في الحرية في مواجهة الإبادة»، صدر في 2 سبتمبر 2026 في 181 صفحة، بالنسختين الورقية والإلكترونية. (Neelwafurat)
والعنوان وحده يضع الكتاب داخل المساحة التي شغلت جانباً مهماً من مشروع إبراهيم نصر الله الأدبي والفكري: فلسطين بوصفها قضية للذاكرة والحرية والوجود، وليس بوصفها مجرد ملف سياسي.
ولأن المعلومات المنشورة حتى الآن عن محتوى الكتاب محدودة مقارنة ببقية العناوين، فمن الأفضل انتظار قراءته كاملة قبل إطلاق حكم نقدي على مشروعه، لكن توقيت صدوره وعنوانه يجعلان منه واحداً من الكتب التي تستحق المتابعة في الأسابيع المقبلة.
الذكاء الاصطناعي يدخل قلب السؤال الثقافي
ومن الكتب التي تلامس مباشرة التحولات التي يعيشها الكاتب والفنان اليوم «مستقبل الإبداع الإنساني في عصر الذكاء الاصطناعي» لياسر منجي وبدر المعمري، الصادر عن دار العين للنشر والتوزيع في القاهرة خلال أغسطس 2026. (ResearchGate)
الكتاب لا يتوقف عند استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل يطرح أسئلة أوسع تتعلق بالهوية البشرية، والفرق بين الإبداع الإنساني والإنتاج الآلي، والتحسين الجيني، ودمج الإنسان بالآلة، وتأثير كل ذلك على الثقافة والفنون ونظرة الإنسان إلى ذاته. (ResearchGate)
وهذا تحديداً أحد أكثر الموضوعات التي أتوقع أن تتضخم في المكتبة العربية خلال السنوات المقبلة. فبعد مرحلة الكتب التي كانت تشرح «ما هو الذكاء الاصطناعي؟» ننتقل تدريجياً إلى مرحلة أكثر تعقيداً: ماذا يفعل الذكاء الاصطناعي بمفهوم الإنسان نفسه؟
بالنسبة إلى الأدب خصوصاً، لم يعد السؤال تقنياً. إننا ندخل زمناً يستطيع فيه النظام الآلي أن ينتج قصيدة وقصة ورواية وصورة وموسيقى، ومن ثم يصبح السؤال: أين تبدأ الأصالة؟ ومن هو المؤلف؟ وكيف سنميز بين المساعدة التقنية والاستبدال الإبداعي؟ وما الذي يبقى للإنسان عندما تصبح المحاكاة اللغوية شديدة الإتقان؟
المركز القومي للترجمة... أربعة أبواب على العالم
ويقدم المركز القومي للترجمة في مصر دفعة جديدة متنوعة بصورة لافتة خلال أغسطس، تضم «الوجيز في علم السياسة المقارن» لتود لاندمان ونيل روبنسون، بترجمة عاطف مبروك مدكور، و«الذراع المقطوعة وحكايات أخرى عن الحرب» لبليز صندرار، بترجمة فاطمة خليل محمد الدسوقي، و«معارك كوكسينيا ومسرحيات أخرى» لتشيكاماتسو مونزايمون، بترجمة نجلاء فتحي حافظ، و«مصر ما بعد كرومر» لجورج أمبروز لويد، بترجمة صبري محمد حسن. (دار نشر مركز العرب)
واللافت هنا هو التنوع نفسه: من العلوم السياسية إلى شهادة أدبية عن الحرب العالمية الأولى، ومنها إلى المسرح الياباني الكلاسيكي، ثم إلى التاريخ المصري الحديث والاحتلال البريطاني.
هذه هي وظيفة الترجمة في معناها الأعمق: ألا تجعل العالم شبيهاً بنا، بل أن تضع أمامنا اختلافه.
وحسن أوريد يعيد طرح سؤال الثورة الثقافية في المغرب
أما القارئ المغربي فسيلاحظ حضور كتاب حسن أوريد «من أجل ثورة ثقافية بالمغرب» ضمن الإصدارات الحالية لهاشيت أنطوان ـ نوفل، في طبعة صدرت في أغسطس 2026.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن العمل ليس نصاً يظهر للمرة الأولى؛ فقد سبق للكتاب أن عرف طبعات سابقة، بينما تمثل نسخة 2026 إصداراً حديثاً للكتاب عن الناشر الجديد. وتشير بيانات هذه الطبعة إلى أنها تقع في 408 صفحات. (Antoine Online)
تقوم أطروحة أوريد الأساسية على أن الإصلاح السياسي والتربوي لا يمكن أن ينجح من خلال الإجراءات التقنية وحدها، وأن المجتمع يحتاج إلى أفق ثقافي وطموح جماعي يمنح الإصلاح معناه. وينطلق الكتاب من التجربة المغربية، مع اعتبار أن كثيراً من خلاصاته قابلة للنقاش على المستوى العربي الأوسع. (هاشيت أنطوان)
وإعادة تداول هذا الكتاب اليوم لها دلالة خاصة، لأن النقاش حول المدرسة والثقافة واللغة والقيم لم يعد منفصلاً عن النقاش حول النموذج التنموي والسياسة والتحول الرقمي ومستقبل الأجيال الجديدة.
ماذا تقول هذه الكتب مجتمعة عن اللحظة العربية؟
حين أضع هذه الإصدارات بعضها بجانب بعض، أجد أن أمامنا أكثر من مجرد موسم نشر جديد.
هناك أولاً عودة قوية للذاكرة. ذاكرة فلسطين في رواية ربعي المدهون وكتابات إبراهيم نصر الله، وذاكرة سورية الجريحة في «سُدُف»، وذاكرة الجزائر والعنف في «وجهي الغريب»، وذاكرة الحرب العالمية في ترجمات المركز القومي للترجمة.
وهناك ثانياً سؤال الهوية. من نحن بعد الحرب؟ من نحن بعد فقدان الذاكرة؟ ما علاقة اللغة بالانتماء؟ وهل يمكن للسلطة أن تغير أسماء الأشياء فتغير معها تصورات الناس لتاريخهم؟
وهناك ثالثاً قلق واضح من التكنولوجيا. لم يعد الذكاء الاصطناعي موضوعاً يخص المهندسين والمبرمجين، بل أصبح مسألة ثقافية وأخلاقية وفلسفية تمس الكاتب والفنان والناقد والقارئ.
وهناك رابعاً استمرار الحاجة إلى الترجمة. فالمكتبة العربية، مهما كثرت إصداراتها، لا تستطيع أن تنغلق على نفسها. ترجمة ليفي شتراوس، والمسرح الياباني، ودراسات السياسة المقارنة، وشهادات الحروب، كلها تذكّر بأن الثقافة العربية لا تنمو إلا بالحوار الدائم مع ثقافات العالم.
لكن الملاحظة الأهم في نظري هي أن فلسطين تكاد تخترق معظم هذه الاتجاهات بصورة مباشرة أو غير مباشرة. لم تعد فلسطين موضوعاً لكتب السياسة فقط؛ إنها تدخل الرواية، واللغة، والذاكرة، واليوميات، والأسئلة الأخلاقية حول الكتابة نفسها. وهذا مفهوم في زمن أصبحت فيه المأساة الفلسطينية امتحاناً يومياً للضمير والثقافة واللغة.
بين وفرة الكتب وأزمة القراءة
ومع ذلك، فإن وفرة الإصدارات لا تعني تلقائياً ازدهار القراءة.
هذه هي المفارقة العربية القديمة الجديدة: الكتب تتكاثر، ودور النشر تتوسع، والمعارض تستقبل مئات الآلاف من الزوار، والمنصات الرقمية تسهّل الوصول إلى العنوان، لكن السؤال يبقى متعلقاً بما يحدث بعد شراء الكتاب.
هل يقرأ؟
هل يناقش؟
هل يصل إلى المكتبات العامة والمدارس والجامعات؟
هل تصاحبه مراجعة نقدية جادة، أم يختفي بعد أيام تحت موجة عناوين أخرى؟
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الكتاب في عصرنا ليس المنع وحده، وإنما السرعة. كتاب يصدر اليوم، يحتفى به غداً، ثم يدفن بعد أسبوع تحت سيل متواصل من المحتويات والإعلانات والصور والمنشورات.
ولهذا أصبحت وظيفة الصحافة الثقافية والمدونات الجادة أكثر أهمية، لا أقل. نحن لا نحتاج فقط إلى إعلان صدور الكتب، وإنما إلى فرزها، ومناقشتها، وربطها ببعضها، ووضعها داخل سياقها الفكري والاجتماعي.
الكتاب العربي لم يمت... لكنه يخوض معركة جديدة
كلما سمعت القول المتكرر إن «عصر الكتاب انتهى»، نظرت إلى هذه العناوين الجديدة وتساءلت: إذا كان الكتاب قد مات، فلماذا يستمر البشر في اللجوء إليه كلما واجهوا حرباً أو سجناً أو فقداناً أو تحولاً حضارياً؟
لماذا يعود ربعي المدهون إلى الرواية كي يكتب فلسطين؟
ولماذا يحتاج الخارج من المعتقل في عالم فادي عزام إلى اللغة لكي يستعيد ذاكرته؟
ولماذا يعود باحث مثل ياسر سليمان إلى اللغة نفسها ليفهم الصراع على فلسطين؟
ولماذا نترجم ليفي شتراوس بعد أكثر من سبعين عاماً على صدور كتابه؟
ولماذا نكتب اليوم عن الذكاء الاصطناعي في كتب ورقية بينما يقال لنا إن الذكاء الاصطناعي نفسه سيقضي على الكتاب؟
ربما لأن الكتاب لم يكن في تاريخه مجرد وعاء للمعلومة.
المعلومة تستطيع الشاشة أن تقدمها أسرع منه بكثير، ومحرك البحث يستطيع أن يعثر عليها في ثوان، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يلخص آلاف الصفحات.
لكن الكتاب يظل مكاناً آخر: مكاناً لإبطاء الزمن.
مكاناً يسمح للفكرة بأن تتنفس، وللسؤال بأن يبقى مفتوحاً، وللإنسان بأن يختلي مؤقتاً بصوت إنسان آخر.
وهذا تحديداً ما تكشفه خريطة الإصدارات العربية الجديدة في مطلع سبتمبر 2026. نحن أمام مكتبة تتحرك بين الحرب والذاكرة والهوية واللغة والتكنولوجيا، مكتبة مرتبكة مثل عالمها، قلقة مثله، لكنها ما تزال تقاوم.
وفي زمن تتسارع فيه الصورة والخوارزمية والخبر العابر، قد تكون أجمل مقاومة ثقافية ممكنة هي أن نواصل شراء الكتب، ولكن الأهم من ذلك: أن نفتحها، وأن نقرأها، وأن نختلف معها، وأن نكتب عنها.
فالكتاب الذي لا يُقرأ ليس أكثر من جسم جميل على رف.
أما الكتاب الذي يدخل في نقاش المجتمع، فإنه يتحول إلى حياة أخرى.







0 التعليقات:
إرسال تعليق