حين تمتد يد متطرف في قلب مدريد لتمزق العلم المغربي، فإنني لا أرى في المشهد بطولة ولا وطنية ولا دفاعا عن إسبانيا، بل أرى خوفا مكشوفا من سؤال تاريخي ما زال يؤرق الذاكرة الإسبانية: إلى متى ستظل سبتة ومليلية خارج أي نقاش جدي حول إرث الاستعمار ومستقبل العلاقات بين المغرب وإسبانيا؟ فالذي يمتلك حجة قوية لا يحتاج إلى تمزيق علم دولة جارة، والذي يثق في شرعية موقفه لا يستبدل الوثيقة بالصراخ، والذي يريد أن يقنع العالم بأن التاريخ إلى جانبه لا يحول شوارع العاصمة إلى مسرح للاستفزاز والكراهية.
لقد كان تمزيق العلم المغربي بالنسبة إلي أكثر من مجرد تصرف أرعن قامت به وجوه من اليمين المتطرف؛ كان مشهدا رمزيا يلخص مأزقا سياسيا وفكريا أعمق، مأزق بعض النخب والتيارات الإسبانية التي لا تزال عاجزة عن تصور المغرب خارج صورة الجار الجنوبي الذي يُطلب منه التعاون حين تحتاج مدريد إلى الأمن ومحاربة الهجرة والإرهاب والجريمة المنظمة، ثم يُطلب منه الصمت حين يقترب النقاش من ملفات السيادة والتاريخ.
هنا يكمن جوهر المشكلة.
إسبانيا تريد مغربا شريكا عندما تكون الشراكة في مصلحتها، لكنها لا تريد دائما مغربا يطرح أسئلته.
تريده شرطيا على الحدود عندما يزداد ضغط الهجرة، وسوقا للاستثمارات، وحليفا أمنيا، وفضاء للتبادل التجاري، لكنها تنزعج حين يقول لها المغربي إن التاريخ لم يغلق كل صفحاته، وإن سبتة ومليلية ليستا بالنسبة إليه مجرد مدينتين عاديتين انتهى النقاش حولهما إلى الأبد.
وأنا لا أطالب أحدا في مدريد بأن يتبنى الرواية المغربية. من حق الإسباني أن يدافع عن موقف دولته، ومن حق حكومته أن تتمسك بما تعتبره سيادتها، ومن حق الصحافة والسياسيين الإسبان أن يجادلوا ويعترضوا وينتقدوا. لكن ما أرفضه هو تحويل الخلاف إلى حفلة إذلال للمغرب، وكأن تمزيق علمه يمكن أن يمحو التاريخ أو يغير الجغرافيا.
أرفض أيضا ذلك التعالي الذي يطل برأسه كلما ذُكرت سبتة ومليلية.
فبعض الخطابات الإسبانية تتصرف وكأن المغرب ارتكب جريمة لمجرد أنه يتذكر.
وكأن المطلوب من المغاربة أن يمارسوا فقدان الذاكرة السياسي، وأن يتحدثوا عن كل شيء إلا عن المدينتين.
وهذا لن يحدث.
قد تختلف الحكومات المغربية في أساليبها، وقد تتغير الأولويات والظروف الدولية، لكن السؤال سيظل قائما لأن الجغرافيا لا تموت بقرار سياسي، والذاكرة لا تُمحى بمجرد أن يرغب الطرف الأقوى تاريخيا في إغلاق الملف.
الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الأصوات التي ترفع في أوروبا شعارات تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها تتحول فجأة إلى شديدة المحافظة على خرائط الماضي عندما يصل النقاش إلى المصالح الإسبانية. هنا تصبح المبادئ انتقائية، ويصبح التاريخ صالحا للاستعمال عندما يخدم رواية معينة، ومزعجا عندما يفتح بابا لا ترغب مدريد في فتحه.
ولهؤلاء أقول: لا يمكن أن تطالبوا العالم بإعادة قراءة التاريخ في كل مكان ثم تجعلوا سبتة ومليلية منطقة محرمة على الأسئلة.
ولا يمكن أن تعتبروا كل حديث مغربي عن المدينتين عدوانا بينما تعتبرون تمزيق العلم المغربي مجرد انفعال هامشي.
العلاقات بين الدول لا تبنى بهذه الازدواجية.
وما أثار غضبي أكثر هو محاولة بعض التيارات جعل المغربي نفسه، لا السياسة المغربية، هدفا للعداء. هنا يتحول الخلاف من السياسة إلى شيء أخطر. فحين يُستهدف العلم، وحين تُطلق التعميمات العدائية ضد المغاربة، وحين يتحول المهاجر المغربي إلى شماعة لكل أزمة اجتماعية أو أمنية، نحن لم نعد أمام نقاش حول الحدود، بل أمام صناعة ممنهجة لعدو داخلي وخارجي يصلح للاستهلاك الانتخابي.
وهذه هي وصفة الشعبوية القديمة.
اصنع الخوف.
حدد عدوا.
حمّله مسؤولية الأزمات.
ثم قدم نفسك منقذا.
وقد أصبح المغرب في خطاب بعض اليمين الإسباني مادة مثالية لهذه اللعبة: قريب جغرافيا، قوي الحضور الديمغرافي داخل إسبانيا، مرتبط بملفات الهجرة والأمن، وبين البلدين ملفات تاريخية حساسة. إنه الخصم المثالي لمن يريد تعبئة الشارع بالغضب بدلا من تقديم حلول حقيقية لمشكلات المجتمع الإسباني.
لكن ينبغي ألا نخطئ نحن أيضا.
إسبانيا ليست تلك اليد التي مزقت العلم المغربي.
الشعب الإسباني ليس كتلة متطرفة، ولا يجوز لي أن أحول احتجاج فصيل أو جماعة أو تيار إلى حكم على ملايين الإسبان. داخل إسبانيا أصوات ديمقراطية وحقوقية وثقافية ترفض العنصرية وتدافع عن التعايش وتفهم أن المغرب ليس عدوا، وأن مستقبل الضفتين لا يمكن أن يبنى على استحضار أحقاد الماضي.
لكن مسؤولية القوى الديمقراطية الإسبانية اليوم هي ألا تترك الشارع رهينة لمن يريد تحويل المغرب إلى فزاعة.
لأن التطرف يبدأ دائما من الهامش قبل أن يتسلل إلى المركز.
يبدأ بتمزيق علم.
ثم يصبح خطابا عاديا.
ثم يتحول إلى برنامج انتخابي.
ثم يجد المهاجر نفسه مطالبا كل صباح بأن يثبت أنه ليس عدوا للبلد الذي يعيش فيه.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
أما المغرب، فلا أريده أن يرد على تمزيق العلم بتمزيق العلم الإسباني. الرد بالمثل سيكون انتصارا للمتطرفين، لأنهم يريدون بالضبط أن تتحول العلاقة بين الشعبين إلى مباراة في الإهانة.
أريد ردا أكثر برودة وأشد قوة.
أريد مغربا يبني اقتصاده، يقوي مؤسساته، يطور موقعه الدولي، يدافع عن مصالحه بوضوح، ويوظف القانون والتاريخ والدبلوماسية في خدمة قضاياه.
الدول لا تسترجع مكانتها بالصراخ.
ولا تُحسم الملفات التاريخية بالشتائم.
القوة التي تُسمع في العالم هي قوة الاقتصاد والسياسة والتحالفات والمصداقية.
أما الذين مزقوا العلم المغربي في مدريد، فقد استطاعوا أن يصنعوا صورة تصلح لثوان من التصفيق داخل جمهور غاضب، لكن ماذا بعد؟
هل تغيرت الجغرافيا؟
هل اختفت سبتة ومليلية من الوعي المغربي؟
هل صمت التاريخ؟
بالطبع لا.
لقد مزقوا قطعة قماش، ولم يمزقوا سؤالا.
أهانوا رمزا، ولم يلغوا ذاكرة.
صرخوا في مدريد، لكنهم لم يجعلوا الملف يختفي.
بل ربما فعلوا العكس تماما: أعادوا وضعه في قلب النقاش.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
من أراد أن يقول للمغاربة "انسوا"، جعلهم يتذكرون أكثر.
ومن أراد أن يعلن انتصاره بتمزيق العلم، كشف هشاشة خطابه أمام أبسط الأسئلة التاريخية.
لذلك لا تهمني كثيرا صورة العلم الممزق بقدر ما يهمني ما تكشفه.
إنها تقول لي إن هناك من لا يزال يريد علاقة غير متكافئة مع المغرب، علاقة يكون فيها الإسباني صاحب الحق في السؤال، والمغربي مطالبا فقط بالإجابة.
وهذا الزمن انتهى.
المغرب ليس مستعمرة سياسية لأحد، وليس حارسا مجانيا لحدود أوروبا، وليس بلدا مطلوبا منه أن يمحو ذاكرته حتى لا يزعج جيرانه.
إنه دولة لها مصالحها وأسئلتها ومطالبها.
وإسبانيا، إن أرادت شراكة استراتيجية حقيقية معه، فعليها أن تدرك أن الشراكة لا تعني الصمت، وأن الجيرة لا تلغي الخلاف، وأن احترام الآخر يبدأ باحترام رموزه حتى عندما نختلف معه بحدة.
أما تمزيق العلم المغربي في مدريد فلن يمنح سبتة ولا مليلية شرعية إضافية، ولن يمنح المتطرفين نصرا تاريخيا.
إنه، في نظري، مجرد إعلان إفلاس سياسي لمن لم يجد أمام سؤال التاريخ إلا يديه لتمزيق قطعة قماش.
والتاريخ، بخلاف الأعلام، لا يتمزق بهذه السهولة.
بقلم: عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق