أنهى الكاتب والباحث المغربي عبده حقي إنجاز كتاب نقدي جديد بعنوان «القارئ الهجين: نحو نظرية للتلقي الخوارزمي والقراءة ما بعد الخوارزمية»، وهو مشروع بحثي ونظري يأتي امتدادًا لكتابه السابق حول «الكاتب الهجين»، في إطار اشتغال متواصل على التحولات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي والخوارزميات في مفاهيم الكتابة والقراءة والتأويل والنقد الأدبي.
ويشكل الكتاب الجديد الحلقة الثانية في مشروع نقدي يسعى إلى إعادة التفكير في مختلف أطراف العملية الأدبية داخل البيئة الرقمية المعاصرة؛ فإذا كان مشروع «الكاتب الهجين» قد انصب على التحولات التي تصيب فعل الكتابة عندما تدخل أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات البحث والتخطيط والتوليد والمراجعة والتحرير، فإن «القارئ الهجين» ينتقل إلى الطرف الآخر من العملية، لبحث الكيفية التي تتغير بها القراءة عندما تصبح محركات البحث وأنظمة التوصية والترجمة الآلية والتلخيص والمساعدات التوليدية جزءًا من تجربة التلقي نفسها.
وينطلق عبده حقي في كتابه الجديد من فرضية مؤداها أن التحول الراهن لا يقتصر على الانتقال من الورق إلى الشاشة، وإنما يمتد إلى البنية المعرفية للقراءة، إذ لم تعد التقنية تؤدي وظيفة عرض النص فقط، بل أصبحت قادرة على المشاركة في اختياره وترتيبه وشرحه ومقارنته وربطه بسياقات أخرى واقتراح احتمالات لتأويله، وهو ما دفع المؤلف إلى اقتراح مفهوم «القارئ الهجين» بوصفه قارئًا بشريًا تتوزع بعض وظائف قراءته، بدرجات متفاوتة، بين قدراته الذاتية وبين الوسائط الرقمية والخوارزمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالمسؤولية عن الحكم النهائي وإنتاج موقفه التأويلي.
ويتوزع الكتاب على خمسة عشر فصلًا تتدرج من مراجعة موقع القارئ في النظريات الأدبية ونظريات التلقي، مرورًا بتحولات القراءة من الورق إلى الشاشة وأزمة الانتباه والقراءة العميقة، وصولًا إلى تأسيس مفهوم القارئ الهجين وأنماطه ودرجاته، وتحليل أثر أنظمة التوصية واقتصاد الانتباه والخوارزميات في صناعة الذائقة الأدبية وفي تشكيل شروط الوصول إلى النص.
ويخصص المؤلف جانبًا مهمًا من الدراسة لتحليل العلاقة الجديدة بين القارئ والذكاء الاصطناعي التوليدي، ولا سيما في مجالات التلخيص والترجمة والشرح والاستعادة السياقية والمقارنة بين النصوص، قبل الانتقال إلى ما يسميه «القراءة الحوارية والتأويل التوليدي»، حيث يصبح القارئ قادرًا على الدخول في حوار متكرر مع النظام حول النص، وطلب تفسيرات متعارضة، ومقارنة زوايا نقدية مختلفة، واختبار فرضيات تأويلية متعددة.
ويؤكد الكتاب، في المقابل، أن مشاركة الذكاء الاصطناعي في القراءة لا تعني مساواته بالقارئ البشري، إذ يميز عبده حقي بين الفاعل التأويلي الإنساني والفاعل الوسيطي الخوارزمي، معتبرًا أن النظام يستطيع أن يولد تفسيرًا أو مقارنة أو فرضية، لكنه لا يعيش تجربة النص ولا يمتلك ذاكرة إنسانية أو موقعًا أخلاقيًا مماثلًا، ولذلك يظل الإنسان الطرف المسؤول عن التحقق والاختيار والحكم.
ومن بين المفاهيم الجديدة التي يقترحها العمل «التلقي الخوارزمي» و**«أفق الانتظار الخوارزمي»** و**«السيادة التأويلية»** و**«المعنى الهجين»** و**«القراءة الميتا خوارزمية»** و**«القراءة ما بعد الخوارزمية»**. ويعيد المؤلف من خلال هذه المفاهيم النظر في عدد من مرتكزات نظرية التلقي، وخاصة مفهوم «أفق الانتظار» عند هانس روبرت ياوس، انطلاقًا من أن توقعات القارئ لم تعد تتشكل فقط من تاريخه الثقافي والأدبي، بل يمكن أن تشارك فيها أنظمة التوصية والتخصيص التي تستند إلى تاريخ قراءاته وسلوكه السابق.
كما يناقش الكتاب المخاطر المعرفية والأخلاقية المرتبطة بالقراءة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها الهلوسة المعرفية، وسلطة الجواب الواثق، والاعتماد المفرط على الأداة، وتراجع المجهود التأويلي، والتحيز الخوارزمي، وإمكان توحيد أنماط القراءة، إضافة إلى قضايا الخصوصية وتحول السلوك القرائي إلى بيانات قابلة للتحليل والتخصيص.
ويقترح عبده حقي في هذا السياق مفهوم «القراءة الميتا خوارزمية» بوصفه مرحلة يصبح فيها القارئ واعيًا بالوسيط نفسه، فلا يكتفي بالسؤال عن معنى النص، بل يسأل أيضًا: لماذا ظهر هذا النص أمامي؟ ولماذا غابت نصوص أخرى؟ وما مصدر الإجابة التي ولدها النظام؟ وكيف يتغير التفسير إذا تغير السؤال أو النموذج أو المرجعية؟ ويعتبر المؤلف أن هذه الأسئلة ستصبح جزءًا أساسيًا من الكفاية القرائية في الثقافة الرقمية المقبلة.
أما في الجانب الاستشرافي، فيقدم الكتاب مفهوم «القارئ ما بعد الخوارزمي»، وهو قارئ يعيش في بيئة تصبح فيها الخوارزميات والذكاء الاصطناعي شديدة الاندماج في الحياة اليومية، بحيث تتراجع رؤيتها باعتبارها أدوات مستقلة وتتحول إلى بنية محيطية ملازمة للبحث والترجمة والشرح والذاكرة والتوصية والتأويل، وهو ما يفرض ــ بحسب المشروع ــ تطوير أشكال جديدة من الوعي النقدي تحافظ على استقلال القارئ داخل هذه البيئة.
وتتضح العلاقة بين المشروع الجديد وكتاب «الكاتب الهجين» في كون العملين يشكلان جانبين متكاملين من رؤية نقدية واحدة؛ فالكتاب السابق تناول إنتاج النص في ظل المشاركة البشرية ــ الآلية، بينما يتناول الكتاب الجديد تلقي النص وتأويله داخل البيئة الخوارزمية، وهو ما يقود المؤلف إلى صياغة منظومة أوسع تقوم على العلاقة بين:
الكاتب الهجين ↔ النص الهجين ↔ القارئ الهجين ↔ النقد الهجين
ويرى عبده حقي أن هذه المنظومة تفتح الطريق أمام تطوير النقد الميتا خوارزمي والنقد ما بعد الخوارزمي باعتبارهما مجالين محتملين لدراسة الأدب في اللحظة التي تصبح فيها الخوارزميات جزءًا من إنتاج النص وتداوله وقراءته ونقده، بدل النظر إليها باعتبارها مجرد أدوات تقنية تقع خارج العملية الأدبية.
وينتهي كتاب «القارئ الهجين» إلى نموذج رباعي للتلقي يقوم على العلاقة بين القارئ والنص والخوارزمية والسياق، مع التأكيد أن هذه الأطراف لا تتساوى في طبيعة فاعليتها؛ فالقارئ يظل صاحب التجربة والمسؤولية والحكم، والنص يظل المرجع الذي يختبر فيه التأويل، والخوارزمية تؤدي وظيفة الوساطة والترتيب والتوليد، بينما يظل السياق التاريخي والثقافي والاجتماعي ضروريًا لمراجعة المعنى ومنع اختزاله.
وبإنجاز «القارئ الهجين» بعد «الكاتب الهجين»، يواصل عبده حقي بناء مشروع نقدي عربي يسعى إلى مقاربة الأدب في عصر الذكاء الاصطناعي انطلاقًا من أسئلة التأليف والتلقي والوساطة والمسؤولية، واضعًا في قلب مشروعه سؤالًا يتجاوز التقنية ذاتها: كيف يمكن للإنسان أن يكتب ويقرأ مع الذكاء الاصطناعي من دون أن يفقد استقلاله الإبداعي والتأويلي، وكيف يمكن للنقد أن يواكب هذه التحولات من دون أن يتحول إلى مجرد تابع للأداة التي يدرسها؟








0 التعليقات:
إرسال تعليق