الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، أغسطس 15، 2026

رحيل محمد السرغيني يفتح دفاتر الذاكرة الشعرية المغربية: إعداد عبده حقي


عشرات المقالات والشهادات تستعيد شاعر «الغموض المضيء» وأحد آباء الحداثة في القصيدة المغربية

لم يكد يمضي يوم واحد على رحيل الشاعر المغربي الكبير محمد السرغيني، الجمعة 14 غشت 2026، حتى تحولت الصحافة المغربية والعربية وعدد من المنابر الثقافية إلى فضاء واسع لاستعادة اسمه وتجربته ومساره الطويل في الشعر والجامعة والنقد.

وبين الأخبار العاجلة، ومقالات الرثاء، والشهادات الشخصية، والقراءات النقدية، أخذت تتشكل في ساعات قليلة ملامح ملف ثقافي كبير حول شاعر ظل، على امتداد أكثر من سبعة عقود، واحداً من أكثر الأصوات المغربية فرادة وعمقاً واستعصاء على التصنيف.

واللافت في التغطية التي أعقبت الوفاة أنها لم تقتصر على استعادة المعطيات البيوغرافية المعتادة، بل سرعان ما تحولت إلى مناسبة لإعادة قراءة تجربة السرغيني الشعرية، والحديث عن علاقته بالحداثة والتصوف واللغة والفلسفة، وعن حضوره أستاذاً ومربياً لأجيال من الطلبة والباحثين في كلية الآداب بظهر المهراز في فاس.

في مقدمة المواد التي أثارت الانتباه، جاء مقال الشاعر والناقد عبد اللطيف الوراري في صحيفة «القدس العربي» تحت عنوان «رحيل الشاعر المغربي محمد السرغيني: حساسية الصانع الحذق». وقد اتخذ المقال شكل قراءة في التحولات التي عرفتها تجربة السرغيني، من بداياته الشعرية إلى كتاباته الأكثر كثافة وتركيباً، مع التركيز على علاقته بالرؤيا والتصوف وعلى صعوبة إدراج تجربته داخل خانة جيلية أو أسلوبية ضيقة.

ولم يكتف الوراري بمقاله النقدي، بل ضم إلى مادته مجموعة شهادات لعدد من النقاد والشعراء المغاربة، من بينهم نجيب العوفي ويحيى عمارة وصالح لبريني ومحمد شيكي وعبد السلام دخان وعبد الجبار العلمي، فتحولت المادة إلى ما يشبه ملفاً جماعياً مصغراً عن الراحل. وقد التقت هذه الشهادات، رغم اختلاف زواياها، عند اعتبار السرغيني واحداً من الأصوات التي ظلت تجدد نفسها باستمرار، ولم تسمح للزمن بأن يحاصرها داخل جيل بعينه.

ومن أكثر العبارات دلالة في ما كتب عن الراحل ما صاغه الشاعر صلاح بوسريف في مقاله «حضور بطعم الغياب.. بوسريف يرثي السرغيني شاعر الغموض المضيء». فقد استعاد بوسريف سنوات الصمت والعزلة التي عاشها السرغيني في المرحلة الأخيرة من حياته، لكنه قرأ ذلك الصمت بوصفه امتداداً لمسار شعري ظل مشغولاً بالبحث والتجريب.

واختار بوسريف وصف تجربة السرغيني بـ«الغموض المضيء»، وهي عبارة تلخص جانباً أساسياً من تلقي شعره؛ فالغموض عند السرغيني لم يكن، في نظر كثير من قرائه، ناتجاً عن رغبة في الإبهام، وإنما عن كثافة معرفية ولغوية ورمزية جعلت القصيدة لديه فضاء تتداخل فيه الفلسفة والتصوف والأسطورة والتاريخ واللغة.

أما الكاتب إدريس الواغيش، فقد اتخذ في شهادته منحى أكثر حميمية، مستعيداً السرغيني الإنسان والصديق، ومقاهي فاس وفضاءاتها ولقاءاته اليومية. وفي مقاله «يرحل السرغيني ويبقى شعره»، تتقدم الذاكرة الشخصية إلى الواجهة، لتكشف عن صورة أخرى للراحل بعيداً عن قاعات الجامعة وأغلفة الدواوين: رجل الثقافة الذي أصبح جزءاً من ذاكرة مدينة فاس نفسها.

وأثار الواغيش، في سياق شهادته، مسألة شديدة الأهمية تتعلق بمصير مخطوطات السرغيني وأوراقه وذاكرته الشخصية، داعياً ضمناً إلى التفكير في حفظ هذا الإرث وصيانته وتوثيقه، وهي قضية قد تتحول بعد الرحيل إلى مسؤولية ثقافية تتقاسمها الأسرة والمؤسسات والجامعة والباحثون.

وفي جريدة «الاتحاد الاشتراكي»، كتبت حفيظة الفارسي مادة بعنوان «القصيدة المغربية في حداد.. شيخ الشعراء محمد السرغيني يغادرنا ويترك السؤال معلقاً: من فعل هذا بجماجمكم؟»، وهو عنوان يستعيد أحد أشهر عناوين السرغيني ويضعه في قلب الرثاء.

وقد ركزت الفارسي على ما وصفته بـ«القصيدة العالمة»، في إشارة إلى شعر يقوم على خلفية واسعة من المعارف والفلسفات والتجارب الصوفية واللغات والفنون. وهي الزاوية التي أعادت إلى النقاش سؤالاً قديماً رافق تلقي تجربة السرغيني: هل نالت هذه التجربة ما تستحقه من قراءة نقدية، أم أن كثافتها وتعقيدها جعلا جزءاً من النقد المغربي يتردد أمامها؟

وفي السياق نفسه، نشرت صحف ومواقع مغربية مواد تستعيد بعض مواقف الشاعر من قضايا الكتابة الشعرية. فقد أعادت منصة «كود» فتح ملف موقفه من التقسيمات التقليدية التي تفصل بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وهي تصنيفات لم يكن السرغيني يرى فيها التعبير الأمثل عن جوهر الشعر.

كما نقلت المنصة مواقف لكل من الروائي أحمد المديني والشاعر صلاح بوسريف، في مؤشر إلى أن رحيل السرغيني لم يكن حدثاً يخص الشعراء وحدهم، بل مس جيلاً كاملاً من المثقفين والروائيين والنقاد والجامعيين الذين تقاطعت مساراتهم مع تجربته.

بدورها، اختارت جريدة «العلم» عنواناً شديد الدلالة هو «رحيل جبل قاف الشعر المغربي محمد السرغيني»، مستعيدة أحد عناوين الشاعر الأكثر التصاقاً بعالمه الرمزي، «بحار جبل قاف». أما «إيلاف»، فقد قدمت الراحل باعتباره أحد أعلام الشعر المغربي الحديث، في حين اختارت «إرم نيوز» صيغة البورتريه الثقافي للتعريف بالشاعر ومساره للقارئ العربي خارج المغرب.

وحضر السرغيني كذلك في عدد من المواد التي تجاوزت اللغة العربية. فقد تناولت منابر فرنكوفونية مغربية خبر رحيله وسيرته وإسهامه في الثقافة المغربية الحديثة، مثل «تيل كيل» و«يابلادي» و«لوبريف»، إلى جانب مواد أخرى أعادت تقديم تجربته للقارئ بالفرنسية.

كما ظهرت تغطية باللغة الإنجليزية قدمت السرغيني باعتباره أحد الأصوات المؤسسة للحداثة الشعرية المغربية، وهو ما يعكس بداية انتقال خبر الرحيل من المجال الثقافي المغربي والعربي إلى دوائر أوسع.

ومع ذلك، تبقى المادة المؤسسة لكثير من الأخبار المنشورة هي نعي «بيت الشعر في المغرب»، الذي استعاد فيه المؤسسة موقع السرغيني ضمن تاريخ تحديث القصيدة المغربية، ودوره في الجامعة وفي بناء الدرس الأدبي الحديث، إلى جانب مساره الممتد من جامعة القرويين إلى بغداد والسوربون ثم الجامعة المغربية.

وقد تبنت عشرات المواقع والصحف، بدرجات متفاوتة، المعطيات الواردة في هذا النعي، وهو ما يفسر كثرة الأخبار المتشابهة التي انتشرت منذ الساعات الأولى للإعلان عن الوفاة.

وإذا كانت الأخبار قد ركزت على تاريخ الميلاد والمؤلفات والجوائز والمسار الأكاديمي، فإن المقالات والشهادات الأكثر عمقاً اتجهت إلى البحث عن السرغيني الذي يتجاوز السيرة، أي السرغيني الذي صنع لغته الخاصة واحتفظ بموقع مستقل داخل الشعر المغربي.

وتكشف قراءة مجمل ما نشر حتى الآن عن خمسة محاور كبرى تتكرر في مختلف الشهادات. أولها تقديم السرغيني باعتباره أحد رواد تحديث القصيدة المغربية، وثانيها التأكيد على استحالة اختزاله في جيل أو اتجاه واحد، وثالثها إبراز علاقته العميقة بالتصوف والفلسفة والتراث، ورابعها الوقوف عند كثافة لغته وغموضها المنتج، وخامسها استعادة شخصيته أستاذاً ومربياً ومثقفا عاش طويلاً في قلب مدينة فاس وذاكرتها الجامعية والأدبية.

ومن اللافت كذلك أن رحيل السرغيني أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل مؤجلاً طويلاً: أين تقف تجربته داخل خريطة الشعر العربي الحديث، لا المغربي وحده؟

فقد كتب السرغيني مبكراً، وعاصر تحولات قصيدة التفعيلة والنثر والحداثة العربية، لكنه حافظ على مساره المنفرد، فلم يرتبط بصورة مطلقة بجماعة شعرية أو بيان أدبي، ولم يتحول إلى شاعر جماهيري بالمعنى التقليدي، بل اختار القصيدة المركبة التي تطلب قارئاً صبوراً وأدوات قراءة متعددة.

لهذا يبدو أن وفاة محمد السرغيني لا تغلق ملفاً بقدر ما تفتحه من جديد. فما نشر خلال يوم واحد فقط يشير إلى أن إرثه سيعود خلال الأسابيع والأشهر المقبلة إلى دائرة النقاش الأكاديمي والنقدي، وقد تستعيد الملاحق الثقافية والجامعات والدوريات أعماله ومواقفه وحواراته القديمة.

ومع توالي المقالات والشهادات، يتأكد أن السرغيني غادر الحياة، لكنه ترك وراءه مادة أدبية وفكرية أكبر من أن تختزل في خبر وفاة.

لقد رحل الشاعر، وبدأت الآن حياة أخرى لنصوصه في ذاكرة القراء والنقاد. وربما تكون أفضل طريقة لوداع محمد السرغيني هي أن يعاد فتح دواوينه، وأن تُقرأ من جديد تلك القصيدة التي اختارت منذ البداية ألا تكون سهلة أو عابرة، وأن تظل، حتى بعد غياب صاحبها، ذلك «الغموض المضيء» الذي يدفع القارئ في كل مرة إلى أن يبدأ القراءة من جديد.


0 التعليقات: