الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أغسطس 14، 2026

جامعة القاضي عياض تتصدر المغرب وتطرق أبواب العالمية: عبده حقي


استقبلتُ خبر تصدّر جامعة القاضي عياض بمراكش للجامعات المغربية في تصنيف Webometrics لسنة 2026 بشعورين متلازمين: شعور بالاعتزاز لأن جامعة مغربية عمومية استطاعت أن تفرض حضورها داخل فضاء تنافسي عالمي واسع، وشعور آخر يدفعني، كصحفي يتابع قضايا التعليم والجامعة، إلى قراءة الرقم بهدوء، بعيدًا عن لغة الاحتفال السريع التي تجعل من أي رتبة دولية شهادة نهائية على جودة منظومتنا الجامعية.

المعطيات المنشورة خلال الأيام الأخيرة تشير إلى أن جامعة القاضي عياض احتلت المرتبة الأولى وطنيا ومغاربيا، ودخلت ضمن أفضل ثلاثين جامعة في إفريقيا، بينما جاءت في المرتبة 1420 عالميا من بين أكثر من 32 ألف مؤسسة جامعية شملها تصنيف Webometrics لسنة 2026. 

وهنا أجد أن أول ما ينبغي قوله هو أن المرتبة 1420 لا يمكن قراءتها بمعزل عن حجم قاعدة التصنيف. فحين تكون الجامعة في هذا الموقع من بين أكثر من 32 ألف مؤسسة، فإننا لا نتحدث عن رقم هامشي كما قد يبدو للوهلة الأولى، وإنما عن حضور داخل الشريحة المتقدمة نسبيًا على الصعيد العالمي. غير أنني أرفض في الوقت نفسه تحويل الرقم إلى مناسبة للاكتفاء بالتصفيق، لأن الجامعة المغربية التي نريدها ليست تلك التي تتفوق على جيرانها فقط، بل التي تستطيع الاقتراب تدريجيًا من دوائر الجامعات الأكثر تأثيرًا في إنتاج المعرفة والابتكار.

الأهم بالنسبة إليّ أن نفهم طبيعة التصنيف نفسه. فـWebometrics لا يقيس الجامعة بالطريقة نفسها التي تفعل بها جميع التصنيفات الدولية الأخرى، بل يمنح أهمية كبيرة للحضور الأكاديمي الرقمي، وانتشار المعرفة التي تنتجها المؤسسة عبر الإنترنت، ووضوح أثرها العلمي، وإتاحة الإنتاج البحثي، إلى جانب مؤشرات مرتبطة بالتميز العلمي. ويؤكد الموقع الرسمي للتصنيف أن منهجيته تركز على الحضور والانفتاح والتأثير والتميز الأكاديمي، وقد أعلن عن تحديث منهجيته خلال يوليو 2026 لتعزيز الشفافية وجودة البيانات وتقييم الأثر الرقمي للجامعات. 

وهذا التفصيل مهم جدًا في تقديري، لأنه يمنعنا من الوقوع في خطأ شائع يتمثل في اعتبار كل تصنيف جامعي حكمًا شاملًا على جودة التدريس أو وضع الطالب داخل المدرج أو مستوى التجهيزات أو فرص الخريجين في سوق الشغل. تصنيف Webometrics يخبرنا، بصورة أساسية، عن قدرة الجامعة على جعل إنتاجها الأكاديمي والعلمي مرئيًا ومتاحًا ومؤثرًا في الفضاء الرقمي الدولي.

ومن هذه الزاوية بالضبط أعتبر نتيجة جامعة القاضي عياض ذات دلالة خاصة. لقد تغير معنى الجامعة في القرن الحادي والعشرين. لم تعد المؤسسة الجامعية قادرة على تخزين رسائل الدكتوراه والأبحاث داخل رفوف المكتبات وانتظار الباحث كي يأتي إليها. الجامعة الحديثة مطالبة بأن تخرج المعرفة من جدرانها، وأن تجعل المقال العلمي والأطروحة وقاعدة البيانات والمختبر والباحث مرئيين داخل الشبكة العالمية للمعرفة.

والمثير للاهتمام أن حضور جامعة القاضي عياض لا يقتصر على نتيجة Webometrics وحدها. فالمعطيات المنشورة حول تصنيفات 2026 تشير كذلك إلى حلولها في المرتبة الأولى وطنيا في UniRank، والثانية وطنيا في تصنيف CWUR، والثانية وطنيا في تصنيف QS للاستدامة. وفي تصنيف CWUR لسنة 2026، جاءت الجامعة في المرتبة 1101 عالميًا من أصل 21,291 مؤسسة مدرجة، والمرتبة 19 إفريقيًا والثانية مغربيًا. 

وهذا التعدد في المؤشرات يجعلني أتعامل مع تقدم جامعة القاضي عياض باعتباره أكثر من مجرد صدفة رقمية عابرة. ثمة تراكم ينبغي الاعتراف به، وثمة قدرة على بناء حضور علمي وأكاديمي أصبح مرئيًا خارج الحدود الوطنية.

لكن الاعتزاز لا ينبغي أن يمنع السؤال.

ماذا يعني أن تتصدر أفضل جامعة مغربية التصنيف الوطني بينما تبقى في المرتبة 1420 عالميًا في Webometrics؟

بالنسبة إليّ، هنا تبدأ القضية الحقيقية.

الصدارة المغربية خبر مفرح، لكنها في الوقت نفسه مرآة تكشف المسافة التي ما زالت تفصل جامعاتنا عن المراكز الجامعية الكبرى في العالم. وما أتمناه هو ألا يتحول التنافس بين جامعات الرباط ومراكش وفاس والدار البيضاء وطنجة ووجدة إلى سباق حول من يحتل المرتبة الأولى داخل المغرب فقط، بل إلى منافسة وطنية جماعية حول من يستطيع إدخال أول جامعة مغربية إلى أفضل ألف جامعة، ثم أفضل خمسمائة، وبعد ذلك إلى مواقع أكثر تقدمًا وفق المؤشرات التي تقيس البحث والابتكار وجودة المعرفة.

أرى كذلك أن درس جامعة القاضي عياض ينبغي ألا يُختزل في الاحتفال باسم مؤسسة واحدة. المطلوب هو تحويل التجربة إلى سياسة وطنية. لماذا لا يصبح لكل جامعة مغربية مستودع رقمي علمي قوي ومفتوح؟ لماذا لا تُرقمن جميع الأطروحات والأبحاث القابلة للنشر؟ لماذا لا يحصل الباحث المغربي على الدعم التقني واللغوي الذي يسمح لأعماله بالانتشار دوليًا؟ ولماذا لا يصبح النشر العلمي المفتوح عنصرًا أساسيًا في استراتيجية جامعاتنا بدل أن يظل مبادرات متفرقة؟

الجامعة اليوم لا تنتج المعرفة فقط؛ إنها مطالبة كذلك بأن تجعل العالم قادرًا على العثور على تلك المعرفة.

وأعتقد أن هذه المسألة تكتسي أهمية خاصة بالنسبة للمغرب. فبلد يراهن على الرقمنة والذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة والطاقات المتجددة والاقتصاد المبني على المعرفة لا يستطيع أن يحقق طموحاته من دون جامعة قوية. لا يمكن بناء اقتصاد المستقبل بجامعة تكتفي بمنح الشهادات. الجامعة التي نحتاجها هي مختبر للأفكار، ومصنع للبحث العلمي، وحاضنة للمقاولات المبتكرة، وجسر بين الباحث والاقتصاد والمجتمع.

ومن هنا، أقرأ تصدر جامعة القاضي عياض بوصفه رسالة إلى المسؤولين عن التعليم العالي بقدر ما هو تكريم للجامعة نفسها: الاستثمار في البحث العلمي وفي الباحث وفي البنية الرقمية ليس ترفًا، بل هو جزء من السيادة المعرفية لأي دولة تريد أن تحجز مكانها في العالم الجديد.

كما أعتقد أن الجامعة المغربية بحاجة إلى جرأة أكبر في تدويل أبحاثها. فهناك أعمال علمية وأطروحات ممتازة تُنجز داخل جامعاتنا، لكنها لا تحصل دائمًا على الانتشار الذي تستحقه. المعرفة التي لا تصل إلى القارئ العالمي تكاد تصبح، في عصر الشبكات الأكاديمية ومحركات البحث وقواعد البيانات العلمية، معرفة صامتة.

لهذا لا أريد أن أقرأ المرتبة 1420 عالميًا باعتبارها محطة وصول، وإنما باعتبارها نقطة انطلاق.

إنها تقول إن جامعة مغربية استطاعت أن تتصدر وطنيا ومغاربيا وأن تدخل دائرة أفضل ثلاثين جامعة إفريقية في هذا التصنيف.  لكنها تقول لنا أيضًا إن الطريق ما زال طويلًا، وإن الجامعة المغربية تمتلك إمكانات أكبر بكثير مما تعكسه مواقعها الحالية في عدد من التصنيفات الدولية.

وأنا أفضّل هذا النوع من النجاح الذي يفتح الأسئلة بدل النجاح الذي يغلقها.

فإذا كانت جامعة القاضي عياض قد رفعت اليوم اسم مراكش والجامعة المغربية داخل تصنيف عالمي يضم عشرات الآلاف من المؤسسات، فإن التحدي الذي ينبغي أن نطرحه منذ الآن هو: ماذا علينا أن نفعل حتى يصبح وجود جامعة مغربية ضمن أفضل خمسمائة جامعة في العالم أمرًا طبيعيًا وليس حلمًا بعيدًا؟

ذلك، في اعتقادي، هو الامتحان الحقيقي.

أما المرتبة الأولى مغربيًا، فهي تستحق التهنئة، لكنها تستحق أكثر من ذلك أن تتحول إلى حافز لجامعة مغربية أكثر بحثًا، وأكثر انفتاحًا، وأكثر رقمية، وأكثر قدرة على إنتاج المعرفة التي يحتاج إليها المغرب ويصغي إليها العالم.


0 التعليقات: