الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 13، 2026

كتب عربية جديدة يولدها المهجر من جديد: عبده حقي


تكشف متابعة سوق النشر خلال أواخر يوليو ومطلع أغسطس 2026 عن صورة تستحق التأمل في حركة الكتاب العربي خارج حدوده الجغرافية التقليدية. فالمهجر لم يعد مجرد مكان يقيم فيه الكاتب بعيدًا عن وطنه، بل أصبح فضاءً كاملًا لإعادة تشكيل الكتاب نفسه: لغته، وناشره، وقارئه، والذاكرة التي يحملها معه. وبين إسطنبول ولندن ومدريد ومونتريال وتورنتو، برزت في الأيام الأخيرة إصدارات لكتّاب فلسطينيين وسوريين ومصريين يعيشون خارج أوطانهم، بعضها كُتب بالإنجليزية، وبعضها انتقل حديثًا من العربية إلى الإنجليزية، وبعضها حصل على حياة ثانية في سوق نشر جديدة.

ومن الضروري هنا ضبط معنى «الجديد». فالمواقع الثقافية وقوائم الكتب كثيرًا ما تجمع بين الإصدار الجديد تمامًا وبين الترجمة الجديدة أو الطبعة التي تنتقل للمرة الأولى إلى الولايات المتحدة وكندا. لذلك يميز هذا الرصد، المنجز حتى 13 أغسطس 2026، بين هذه المستويات بدل تقديم كل ما أعيد تداوله إعلاميًا باعتباره كتابًا ظهر للمرة الأولى.

محمد موسى: القلب الفلسطيني يبحث عن مكان يستريح فيه

في الأول من أغسطس 2026 أعلنت «جمعية شعراء غزة» صدور المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر الفلسطيني محمد موسى بعنوان Where to Lay This Heart، أي «أين أضع هذا القلب؟». وتقول الجمعية إن هذه هي مجموعته الشعرية الرابعة، وإنها تضم ما يقارب مئتي قصيدة، بينما يصفها نص الإعلان بأنها قصائد رثاء وفقد للمدينة والأرض والجسد والقلب. 

يحمل هذا الإصدار دلالة خاصة ضمن أدب المهجر الفلسطيني، لأن موسى، المولود والناشئ في غزة ومؤسس «Gaza Poets Society»، يعيش حاليًا في تركيا ويواصل من هناك نشاطه الشعري وبناء شبكات ثقافية عابرة للحدود. 

العنوان نفسه يكاد يختصر مأزق الكاتب المنفي: القلب موجود، والذاكرة موجودة، لكن المكان الذي يمكن إيداعهما فيه أصبح سؤالًا. وفي هذا المعنى يتجاوز الكتاب فكرة «الشعر عن غزة» إلى سؤال أوسع عن الجسد الذي يغادر المكان فيما تظل ذاكرته مقيمة داخله. ويبدو لافتًا أن الكتاب يصدر عن مؤسسة ثقافية نشأت من داخل التجربة الغزية نفسها، لا عن دار نشر تجارية كبرى؛ فكأن المنفى الرقمي والثقافي صار قادرًا على إنشاء مؤسساته الخاصة للنشر والتداول والوصول إلى القارئ الدولي.

جاكي خليليه: الجيل الفلسطيني الكندي يكتب المراهقة والهوية

بعد ثلاثة أيام، في 4 أغسطس 2026، صدر عن دار Tundra Books كتاب جديد للكاتبة الفلسطينية الكندية جاكي خليليه Jackie Khalilieh بعنوان Everything Comes Back to You. وتؤكد المصادر الأدبية الكندية أن خليليه كاتبة فلسطينية كندية تقيم مع أسرتها في محيط تورنتو. )

الرواية تنتمي إلى أدب اليافعين، لكنها تطرح أسئلة تتجاوز حدود هذا التصنيف. بطلتها «لينون» فتاة فلسطينية كندية مصابة بالتوحد تدخل المرحلة الثانوية وهي واقعة تحت ضغط الصورة العائلية عن «الفتاة الجيدة». يتفاقم هذا الضغط بعد حمل أختها الكبرى، ثم تدخل لينون في تجربة عاطفية مع فتى أبيض، لتجد نفسها بين توقعات الأسرة ورغبتها في اكتشاف ذاتها. وقد صدر الكتاب رسميًا في الرابع من أغسطس، وبدأت تظهر مراجعاته خلال الأيام التالية مباشرة. 

أهمية هذا الكتاب في سياق أدب المهجر تكمن في ابتعاده عن الصورة النمطية التي تختزل الكاتب الفلسطيني في الكتابة المباشرة عن الحرب واللجوء. هنا تتحول فلسطين إلى جزء من البنية النفسية والاجتماعية لعائلة مهاجرة، وتدخل في تفاصيل المدرسة والعلاقة بالأبوين والجسد والحب والاختلاف العصبي. إنها، بهذا المعنى، مرحلة جديدة من أدب الشتات: الجيل الذي لا يكتب فقط عن الرحيل من الوطن، بل عن الحياة اليومية التي تنشأ بعد عقود من الرحيل.

شادي لويس: لندن كما يراها موظف مصري داخل بيروقراطيتها

وفي اليوم نفسه، 4 أغسطس 2026، وصلت رواية الكاتب المصري المقيم في لندن شادي لويس On the Greenwich Line إلى السوق الأميركية والكندية بترجمة كاثرين هولز. وهنا يلزم التدقيق: الرواية ليست نصًا جديدًا ظهر للمرة الأولى هذا الشهر؛ فالطبعة البريطانية من الترجمة الإنجليزية صدرت في 18 فبراير 2025، بينما حددت دار Peirene Press يوم 4 أغسطس 2026 موعدًا لإصدارها في الولايات المتحدة وكندا. 

شادي لويس روائي وصحفي مصري، مولود سنة 1978، ويقيم في لندن، حيث عمل سنوات في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وفي إدارات الإسكان المحلية ومع أشخاص بلا مأوى وحالات اجتماعية معقدة. 

وهذه الخبرة المهنية ليست هامشًا على الرواية، بل تبدو جزءًا من مادتها العميقة. فبطلها موظف في قطاع الإسكان اللندني يجد نفسه مكلفًا بترتيب جنازة لاجئ سوري في العشرين من عمره لم يسبق له أن عرفه. ومن خلال هذه المهمة تتكشف سخرية سوداء من البيروقراطية والتقشف والعنصرية وآليات التعامل المؤسسي مع المهاجرين. 

هنا يصبح المهجر موضوعًا وورشة كتابة في الوقت نفسه. الكاتب المصري لا يقف خارج المجتمع البريطاني ليصفه، بل يكتب من داخل مؤسساته ومكاتبه ونظامه الإداري. ولذلك لا تبدو لندن خلفية سياحية للرواية، وإنما جهازًا بيروقراطيًا كاملًا يرى المهاجر نفسه من خلاله، ويختبر يوميًا الفارق بين الإنسان بوصفه كائنًا له قصة، والإنسان بوصفه «ملفًا» داخل المؤسسة.

ريما بالي: حلب تعبر إلى الإنجليزية من مدريد

أما الروائية السورية ريما بالي، المقيمة في مدريد، فقد شهد يوم 28 يوليو 2026 صدور الترجمة الإنجليزية لروايتها Suleima’s Ring، «خاتم سليمى»، بترجمة تيموثي غريغوري عن Interlink Books. والرواية الأصلية صدرت بالعربية سنة 2022 ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية سنة 2024، ولذلك فإن الحدث الجديد هنا هو انتقالها إلى الإنجليزية وبدء دورة عالمية أخرى من حياتها الأدبية. وتؤكد المصادر الرسمية أن بالي غادرت سوريا عام 2015 وتقيم حاليًا في مدريد. 

تتنقل الرواية بين حلب وطليطلة، وتبني حكايتها عبر عدة أصوات وشخصيات سورية وإسبانية، وسط أجواء يتداخل فيها الحب والتصوف والأحلام والحرب والذاكرة. 

إن صدور «خاتم سليمى» بالإنجليزية مهم أيضًا لفهم وظيفة المهجر في الأدب العربي المعاصر. فالكاتبة تعيش في إسبانيا، الرواية تحمل حلب في قلبها، جزء من أحداثها يتصل بطليطلة، النص ولد بالعربية، والمترجم ينقله إلى الإنجليزية، والناشر يقدمه إلى قارئ عالمي. لم تعد رحلة الكتاب تسير من وطن إلى منفى في اتجاه واحد؛ إنها شبكة من المدن واللغات والذاكرات.

نيلا ماتوك: رواية صدرت قبل يومين فقط

ومن أحدث ما كشفه هذا الرصد رواية Leila and Khaled للشاعرة والروائية الكندية ذات الجذور الفلسطينية نيلا ماتوك Nyla Matuk، التي صدرت عن House of Anansi Press يوم 11 أغسطس 2026، أي قبل يومين فقط من تاريخ هذا الرصد. والكاتبة مولودة في وينيبيغ وتقيم حاليًا في مونتريال، وتشير سيرتها الثقافية إلى جذورها الفلسطينية إلى جانب جذور أفغانية وأوزبكية. 

تتابع الرواية ليلى، الباحثة الفلسطينية الكندية في السينما، خلال زيارتها الأولى إلى فلسطين ضمن وفد أكاديمي، حيث تلتقي خالد، وهو فلسطيني أصغر منها سنًا. ومن علاقة عاطفية تبدأ بينهما يتسع النص نحو قضايا الأرض والاقتلاع والذاكرة والانتماء والامتياز الذي يتمتع به ابن الشتات قياسًا بمن ظل داخل فلسطين. 

وتبدو الرواية مثالًا شديد الوضوح على التحول الذي أصاب مفهوم «أدب المهجر». فالشخصية المهاجرة لا تسأل فقط: من أين جئت؟ بل تواجه سؤالًا أصعب: ماذا يعني أن أعود إلى مكان أنتمي إليه تاريخيًا، لكنني لم أعش شروط حياته اليومية؟

وبعد أيام... موجة جديدة

المشهد لن يتوقف عند هذه العناوين. ففي 18 أغسطس 2026، أي بعد خمسة أيام من تاريخ هذا المقال، يُنتظر صدور الترجمة الإنجليزية لرواية الفلسطينية سارة أبو غزال Dreams of Ayn Ara عن Feminist Press بترجمة كاثرين هولز. وتعيش أبو غزال حاليًا في بلجيكا، بينما تتبع الرواية عائلة فلسطينية موزعة بين مخيم شاتيلا وستوكهولم ومدن ومنافي أخرى. 

وفي اليوم ذاته ستصدر في السوق الأميركية طبعة جديدة من مذكرات الكاتب السوري الكندي داني رمضان Crooked Teeth: A Queer Syrian Refugee Memoir عن Soft Skull، وهو كتاب يعيد سرد مسار يبدأ في دمشق ويمر باللجوء وينتهي بحياة الكاتب في كندا. 

ما تقوله هذه الإصدارات مجتمعة هو أن مصطلح «أدب المهجر» نفسه يحتاج اليوم إلى توسيع. فنحن لسنا أمام أدب حنين تقليدي إلى وطن بعيد فقط، بل أمام منظومة أدبية عابرة للقارات: شاعر فلسطيني في تركيا، وروائية سورية في مدريد، وروائي مصري في لندن، وكاتبتان فلسطينيتان في كندا، ثم نصوص تنتقل بين العربية والإنجليزية وبين دور نشر صغيرة وكبيرة وأسواق مختلفة.

والأشد دلالة أن الوطن في هذه الكتب لا يختفي بمجرد انتقال الكاتب إلى الخارج. إنه يتغير شكله. يصبح غزة قصيدة مكتوبة من تركيا، وحلب رواية تقرأ بالإنجليزية في أمريكا، وفلسطين سؤالًا يواجه فلسطينية كندية وهي تعود إليها، ولندن متاهة بيروقراطية يفضحها روائي مصري من داخلها.

هكذا يبدو كتاب المهجر العربي في صيف 2026: ليس كتابًا غادر وطنه فحسب، وإنما كتابًا يفاوض العالم على معنى الوطن واللغة والهوية. والمنفى، بدل أن يكون مجرد مسافة تفصل الكاتب عن المكان الأول، يتحول شيئًا فشيئًا إلى مختبر أدبي تنتج فيه العربية وذاكرتها أشكالًا جديدة من الحضور العالمي.


0 التعليقات: