تكشف الأخبار والتقارير التي نشرتها المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية خلال الأسبوع المنصرم عن استمرار التراجع الخطير في حماية الحقوق الأساسية في مناطق متعددة من العالم. فقد تصدرت أزمة الهجرة الجماعية نحو مدينة سبتة، والانتهاكات المرتكبة ضد الأطفال في مناطق النزاع، واعتقال الصحافيين والمعارضين، والقيود المفروضة على المجتمع المدني، قائمة القضايا التي أثارت تحذيرات المؤسسات الحقوقية.
ورغم اختلاف السياقات السياسية والأمنية، فإن المشهد العام يجمع بين توسيع المقاربات الأمنية، وضعف المساءلة القضائية، وتزايد الأخطار التي تواجه المدنيين والفئات الهشة، خصوصًا النساء والأطفال والمهاجرين واللاجئين والمدافعين عن حقوق الإنسان.
سبتة: أزمة إنسانية واختبار حقيقي لسياسة الهجرة الأوروبية
احتلت التطورات التي شهدتها مدينة سبتة خلال نهاية يوليو وبداية أغسطس مساحة واسعة في بيانات منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش ومنظمة أنقذوا الأطفال.
وطالبت منظمة العفو الدولية القادة الأوروبيين بالتعامل مع الأزمة بروح إنسانية وتضامنية، ورفض الخطاب الذي وصف تدفق المهاجرين بأنه «غزو». وأشارت المنظمة في بيانها الصادر في 4 أغسطس إلى أن نحو ستين ألف شخص تمكنوا من الوصول إلى المدينة، بينما أعيد قرابة ثمانية وأربعين ألفًا إلى المغرب، وسط تقارير عن وفاة ما لا يقل عن اثنين وسبعين شخصًا أثناء محاولات العبور. كما تحدثت عن اضطرار آلاف الأشخاص إلى النوم في الشوارع، في ظل نقص المأوى والخدمات الأساسية.
وشددت المنظمة على ضرورة تمكين كل شخص من طلب اللجوء بصورة فردية، ومنع عمليات الطرد الجماعي، واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر إعادة شخص إلى بلد قد يواجه فيه الاضطهاد أو التعذيب أو خطرًا جسيمًا على حياته. كما طالبت بالتحقيق في أي استعمال مفرط للقوة وفي ظروف الوفيات التي سُجلت عند المعابر البرية والبحرية.
من جهتها، حذرت هيومن رايتس ووتش من عمليات الإعادة السريعة التي قد لا تمنح المهاجرين فرصة كافية لعرض حالاتهم الفردية أو طلب الحماية الدولية. ودعت السلطات الإسبانية والمغربية إلى اعتماد استجابة تركز على حماية الحقوق، وإجراء تحقيقات مستقلة في الوفيات والإصابات والانتهاكات المحتملة.
أما منظمة أنقذوا الأطفال، فقد ركزت على أوضاع القاصرين غير المصحوبين بذويهم والأطفال الذين انفصلوا عن أسرهم خلال الفوضى. وأكدت أن إعادة أي طفل لا يجوز أن تتم آليًا، بل يجب أن تسبقها دراسة فردية تراعي مصلحته الفضلى، وتتحقق من هويته وأوضاع أسرته والمخاطر التي قد يتعرض لها بعد العودة. وكانت المنظمة قد قدرت، في مرحلة مبكرة من الأزمة، عدد الواصلين إلى سبتة بنحو تسعة وأربعين ألف شخص، قبل ارتفاع التقديرات اللاحقة.
وتبرز هذه الأزمة مرة أخرى التناقض بين التزامات الاتحاد الأوروبي الحقوقية وبين السياسات التي تجعل أولوية ضبط الحدود تتقدم أحيانًا على الحق في اللجوء والحماية من المعاملة المهينة.
منظمة العفو الدولية: تحذيرات من إثيوبيا ومالي ونيكاراغوا
إلى جانب أزمة سبتة، حذرت منظمة العفو الدولية من تجدد أعمال العنف في إقليم تيغراي الإثيوبي، في ظل تراجع آليات الرصد الدولية وانتهاء ولايات بعض الهيئات التي كانت تحقق في الانتهاكات. وترى المنظمة أن غياب المراقبة المستقلة قد يفتح المجال أمام تكرار عمليات القتل والعنف الجنسي والتهجير القسري التي شهدها الإقليم خلال سنوات الحرب السابقة.
وفي مالي، قالت المنظمة إنها حللت مقاطع مصورة وأدلة أخرى تشير إلى إعدام ما لا يقل عن تسعة عشر جنديًا بعد استسلامهم. وأكدت أن قتل الأسرى أو الأشخاص الذين أصبحوا خارج القتال يمكن أن يشكل جريمة حرب، مطالبة السلطات المالية بإجراء تحقيق مستقل وشفاف ومحاسبة المسؤولين.
كما تناولت المنظمة التعديلات الدستورية في نيكاراغوا التي تمنح السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة، وتفرض قيودًا على المشاركة السياسية، وتسمح بإقصاء أشخاص تصفهم السلطات بالخونة أو المتآمرين. وحذرت من أن هذه المصطلحات الفضفاضة قد تستعمل لمنع المعارضين من الترشح أو المشاركة في الحياة العامة.
وتزامن موقف منظمة العفو الدولية مع تعليق أصدرته منظمة بيت الحرية حول إلغاء الانتخابات وتفكيك ما تبقى من المؤسسات الديمقراطية في نيكاراغوا. واعتبرت المنظمة أن الخطوات الجديدة تعزز حكم الرئيس دانييل أورتيغا وزوجته روزاريو موريو، وتغلق المجال أمام التداول السياسي السلمي.
هيومن رايتس ووتش: قمع المعارضين من أذربيجان إلى أوغندا ومالي
نشرت هيومن رايتس ووتش خلال الأسبوع مجموعة من الأخبار التي تكشف اتساع التضييق على المعارضين والصحافيين والمدافعين عن الحقوق.
ففي أذربيجان، أثارت المنظمة قضية زعيم المعارضة علي كريملّي، مشيرة إلى تعرضه لسوء المعاملة أثناء الاحتجاز. وطالبت بوقف الانتهاكات التي تستهدفه وضمان حصوله على الرعاية الطبية والاتصال بمحاميه وأسرته.
وفي مالي، انتقدت المنظمة الحكم بالسجن لمدة عام على الصحافي شاهانا تاكيو، معتبرة أن القضية تمثل مثالًا جديدًا على استعمال القضاء لمعاقبة الأصوات الإعلامية المنتقدة للسلطات العسكرية.
أما في أوغندا، فقد وثقت المنظمة ادعاءات بتعرض السياسي المعارض موانغا كيفومبي للتعذيب وسوء المعاملة، إلى جانب توجيه تهم وصفتها بالتعسفية إليه. وجاء ذلك بالتزامن مع تحذير مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من اتساع حملة التضييق على المعارضة والحريات الأساسية في البلاد.
وفي بريطانيا، ركزت هيومن رايتس ووتش على القيود المفروضة على الحق في الاحتجاج، وعلى التداعيات الحقوقية المرتبطة بحظر حركة «العمل من أجل فلسطين». ورأت أن مكافحة الجرائم أو حماية الأمن العام لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لتجريم الاحتجاج السلمي أو تقييد حرية التعبير بصورة غير متناسبة.
كما تناولت المنظمة إعادة ماليزيا لاجئين من ميانمار، محذرة من انتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، ولا سيما في ظل استمرار النزاع والانتهاكات الواسعة داخل ميانمار.
الأطفال في مرمى الحروب
احتلت أوضاع الأطفال في مناطق النزاع مساحة بارزة في المواد التي نشرتها منظمة الأمم المتحدة للطفولة، اليونيسف.
ففي 4 أغسطس، نددت المنظمة بمقتل وإصابة أطفال في كل من روسيا وأوكرانيا. وأشارت إلى مقتل فتاة في الثالثة عشرة من عمرها وإصابة فتاتين تبلغان سبع سنوات وتسع سنوات في منطقة بيلغورود الروسية، كما أفادت بمقتل ثلاثة أطفال ضمن سبعة أشخاص في منطقة كراسنودار. وفي أوكرانيا، قالت المنظمة إن ستة أطفال على الأقل قتلوا وأصيب تسعة عشر آخرون خلال الأيام السبعة السابقة.
وفي إيران، حذرت اليونيسف في 31 يوليو من أن عدد الأطفال الذين سقطوا بين قتيل وجريح منذ اندلاع الحرب تجاوز، وفق التقارير المتاحة، ألفين وخمسمائة طفل. ودعت جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي الإنساني، والتمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين، وعدم استهداف المدارس والمستشفيات والمناطق السكنية.
كما تناولت المنظمة أوضاع الأطفال في ولاية شمال كردفان السودانية، حيث قُتل ثلاثة وعشرون طفلًا وأصيب خمسة وعشرون آخرون خلال شهرين، وفق البيانات التي نشرتها في نهاية يوليو. وتؤكد هذه الأرقام أن الأطفال أصبحوا يدفعون ثمنًا متزايدًا في النزاع السوداني، سواء بسبب الهجمات المباشرة أو الجوع والنزوح وانهيار الخدمات الصحية.
غزة: الجوع يهدد الأمهات والرضع
حذرت منظمة أنقذوا الأطفال من الأوضاع المتدهورة للنساء الحوامل والأمهات المرضعات في قطاع غزة. وقالت إن نقص الغذاء أجبر بعض الأمهات على اللجوء إلى الماء أو كميات محدودة من الحمص والطحينة لإطعام أطفالهن، في وقت يتعرض فيه إنتاج الحليب الطبيعي للتراجع بسبب سوء تغذية الأمهات والإجهاد والخوف المستمر.
وأكدت المنظمة أن حماية الرضاعة الطبيعية لا تتحقق بالنصائح الصحية وحدها، بل تستلزم توفير الغذاء الكافي للأمهات والمياه النظيفة والرعاية الطبية والأماكن الآمنة. كما حذرت من أن استمرار الحصار وعرقلة المساعدات يهددان حياة الأطفال في مراحلهم الأولى.
وفي الصومال، أفادت المنظمة بأن حالات إدخال الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد إلى بعض المراكز الصحية ارتفعت إلى نحو ثلاثة أضعاف خلال ستة أشهر، بسبب الجفاف والفقر والنزوح ونقص التمويل الإنساني.
السودان: النساء بين الطائرات المسيّرة والعنف الجنسي
نشرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة تقريرًا ميدانيًا عن أوضاع النساء والفتيات في مدينة الأبيض السودانية. ووصف التقرير واقعًا تعيش فيه النساء تحت خطر هجمات الطائرات المسيّرة خلال النهار، بينما يواجهن مخاطر العنف الجنسي والاعتداءات ليلًا.
وتضطر كثير من النساء والفتيات إلى قطع مسافات طويلة لجلب الماء أو الغذاء، ما يعرضهن لمخاطر إضافية، خصوصًا في ظل الأمطار وانعدام الأمن وانتشار الجماعات المسلحة. ويبين التقرير أن الحرب لا تهدد النساء بالقصف فقط، بل تقوض حريتهن في الحركة وقدرتهن على الوصول إلى العلاج والماء والمساعدات.
وتؤكد هذه التطورات ضرورة إشراك النساء السودانيات في مفاوضات السلام وفي القرارات المتعلقة بالمساعدات وإعادة الإعمار، بدل التعامل معهن باعتبارهن مجرد ضحايا أو متلقيات للمساعدة.
المنظمة العربية لحقوق الإنسان ومواقف مرتبطة بفلسطين
نشر فرع المنظمة العربية لحقوق الإنسان في أوروبا، في 2 أغسطس، موقفًا يدين تصريحات وزيارات السياسي الهولندي خيرت فيلدرز المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة. واعتبرت المنظمة أن هذه التحركات تمنح غطاءً سياسيًا للاحتلال وتتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني والقواعد الأساسية للقانون الدولي.
ويعكس هذا الموقف استمرار حضور القضية الفلسطينية في عمل المنظمات الحقوقية العربية، خصوصًا في ظل توسع الخطابات الأوروبية التي تبرر سياسات الاحتلال أو تنكر حقوق الفلسطينيين في تقرير المصير والحماية الدولية.
اللجنة الدولية للصليب الأحمر: المفقودون والأسلحة المتفجرة
لم يظهر في الخلاصة الرسمية المتاحة للجنة الدولية للصليب الأحمر تقرير رئيسي منشور داخل الفترة المحددة، لكن أحدث موادها القريبة من الأسبوع ركزت على ملف المفقودين في نيجيريا وعلى أخطار استعمال الأسلحة المتفجرة في المدن.
وأعلنت اللجنة أنها تتابع أكثر من سبعة عشر ألف حالة نشطة لأشخاص مفقودين في نيجيريا، معظمها مرتبط بالنزاع المسلح في شمال شرقي البلاد. وتعمل فرقها على البحث عن المفقودين وإعادة الاتصال بين أفراد الأسر وجمع المعلومات عن المحتجزين والنازحين.
كما جددت اللجنة موقفها الرافض لاستعمال الأسلحة المتفجرة ذات الآثار الواسعة داخل المناطق المأهولة، لما تتسبب فيه من قتل المدنيين وتدمير المستشفيات وشبكات الماء والكهرباء وتهجير السكان.
مؤسسات لم تنشر أخبارًا جديدة خلال فترة الرصد
لم تكن وتيرة النشر متساوية بين المواقع الواردة في قائمة الرصد. فآخر مادة ظاهرة في الموقع الرسمي للخدمة الدولية لحقوق الإنسان تعود إلى 23 يوليو، وتتناول الإفراج المؤقت عن المدافعين الكشميريين خرم برويز وعرفان مهراج، مع استمرار المخاوف من الملاحقات القضائية والقيود المفروضة عليهما.
أما موقع المساواة الآن، فكانت أحدث مواده الظاهرة مؤرخة في 10 يوليو، وتركز على بروتوكول مابوتو وحقوق النساء والفتيات في إفريقيا. ولم تظهر مادة جديدة مؤرخة خلال الفترة الممتدة من 29 يوليو إلى 5 أغسطس في الخلاصة المتاحة للموقع.
وفي الموقع الدولي للدفاع عن الأطفال دوليًا، ظلت المادة الرئيسية الظاهرة مرتبطة بأوضاع الأطفال في لبنان ومنشورة في 30 أبريل، ولم يظهر تحديث عالمي جديد خلال أسبوع الرصد.
كما لم أعثر، ضمن المواد الرسمية المفهرسة خلال الفترة المحددة، على أخبار جديدة واضحة للفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان، والمدافعين في الخط الأمامي، والصندوق العالمي للنساء، والديمقراطية المفتوحة، وشبكة معلومات حقوق الإنسان، أو مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. ولا يعني ذلك توقف نشاط هذه المؤسسات، بل قد يعود إلى اختلاف دورية النشر أو تأخر فهرسة المواد الجديدة.
أما الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فلا يمكن إدراجها ضمن التغطية الأسبوعية الجارية، لأنها أعلنت تعليق أنشطتها منذ يناير 2022، بعد سنوات من الضغوط والتهديدات والقيود القانونية والأمنية التي واجهها العاملون فيها.
موجات الحر أصبحت قضية حقوقية
لم تقتصر تغطية منظمة العفو الدولية على الاعتقالات والحروب والهجرة، بل شملت أيضًا موجات الحر الشديدة. فقد اعتبرت المنظمة أن الارتفاع المتطرف في درجات الحرارة يمثل حالة طوارئ حقوقية، لما يهدد به حقوق الإنسان في الحياة والصحة والماء والغذاء والسكن والتعليم.
وأكدت أن العمال في الهواء الطلق وكبار السن والأطفال والفقراء وسكان الأحياء الهشة هم الأكثر تعرضًا للخطر، وطالبت الحكومات بوضع خطط للحماية وتوفير المياه ومراكز التبريد وتنظيم ساعات العمل وضمان عدم قطع الكهرباء عن الأسر غير القادرة على دفع الفواتير أثناء فترات الحر الشديد.
خاتمة
تقدم أخبار الأسبوع صورة عالمية مثقلة بالأزمات: مهاجرون يموتون عند الحدود، وأطفال يسقطون تحت القصف، ونساء يواجهن العنف والجوع، وصحافيون ومعارضون يُسجنون بسبب آرائهم، ولاجئون يعادون إلى بلدان غير آمنة.
كما تكشف هذه الوقائع أن حماية حقوق الإنسان لا يمكن أن تظل مجرد التزام نظري تردده الحكومات في المؤتمرات الدولية. فالمعيار الحقيقي هو احترام الحق في الحياة واللجوء والاحتجاج والمحاكمة العادلة، والتحقيق في الانتهاكات، وإنصاف الضحايا، ومحاسبة المسؤولين مهما كانت مواقعهم أو انتماءاتهم.
ويظل عمل المنظمات الحقوقية والإنسانية ضروريًا لتوثيق ما تحاول بعض السلطات إخفاءه، وإيصال أصوات الضحايا، وتحويل المعاناة الفردية إلى قضية عامة تستوجب المساءلة. لكن فعالية هذه المؤسسات تبقى مرتبطة بقدرة المجتمع الدولي على الانتقال من إصدار البيانات إلى ممارسة الضغط الحقيقي، وتوفير الحماية، ودعم العدالة المستقلة.
إعداد: عبده حقي
5 أغسطس 2026








0 التعليقات:
إرسال تعليق