أثار مقطع فيديو متداول على منصة «تيك توك» موجة واسعة من الغضب والاستنكار في الجزائر، بعدما أقدم رجل على توجيه أوصاف مهينة إلى طفلة لا يتجاوز عمرها ثماني سنوات، بسبب الملابس التي كانت ترتديها. وقد تجاوزت القضية حدود الإساءة الفردية، لتفتح نقاشًا وطنيًا حساسًا حول حماية الأطفال، وحدود حرية التعبير، ومسؤولية المجتمع أمام تصاعد خطاب التطرف والكراهية في الفضاء الرقمي.
فالطفلة التي وجدت نفسها في قلب هذه العاصفة ليست شخصية عامة، ولا طرفًا في صراع سياسي أو أيديولوجي، بل طفلة من حقها أن تلعب وتتحرك وتنمو في أمان، بعيدًا عن أعين البالغين الذين يحاولون تحميل جسدها البريء معاني لا علاقة لها بمرحلة الطفولة.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في العبارة المسيئة التي أطلقها صاحب الفيديو، بل في المنطق الذي يستند إليه هذا النوع من الكلام. فعندما يُقدَّم لباس طفلة صغيرة باعتباره مصدرًا للإغراء أو سببًا محتملًا في اضطراب سلوك الرجال، يجري نقل المسؤولية من الشخص البالغ إلى الطفل، وكأن الطفلة مطالبة بحماية الكبار من أفكارهم ونظراتهم.
هذا المنطق يقلب المعايير الأخلاقية رأسًا على عقب. فالمجتمع السليم لا يسأل الطفل عن سبب نظرة البالغ المنحرفة إليه، بل يحاسب البالغ على تجاوزه للحدود الأخلاقية والقانونية. وحماية الأطفال لا تبدأ بمراقبة ملابسهم، وإنما بتربيتهم في بيئة تحترم أجسادهم وخصوصيتهم، وتحاسب كل من يشهّر بهم أو يستغل صورهم أو يضعهم في دائرة الاتهام.
يمثل الطفل، في جميع الثقافات والقوانين الحديثة، كائنًا يحتاج إلى الحماية والرعاية، لا إلى المحاكمة الأخلاقية. وفي سن الثامنة يكون من الطبيعي أن يركض الطفل ويلعب ويرتدي ملابس تناسب الحركة واللعب، من دون أن يضطر إلى التفكير في نظرة البالغين إليه.
أما تحويل ملابس طفلة إلى قضية دينية أو أخلاقية كبرى، فهو لا يحمي البراءة، بل يسهم في تشويهها. فالمشكلة تبدأ عندما يُجبر الطفل على رؤية نفسه من خلال نظرة جنسية يفرضها عليه شخص بالغ. ومن هنا تتشكل مشاعر الخوف والخجل والذنب، وقد ترافق الطفل لسنوات طويلة.
إن تحميل طفلة مسؤولية أفكار شخص بالغ يمثل شكلًا من أشكال العنف الرمزي والنفسي، حتى لو لم يقع اعتداء جسدي مباشر. فالكلمة قد تترك جرحًا عميقًا، خصوصًا عندما تنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي ويشاهدها آلاف الأشخاص.
كما أن وصف طفل بعبارات مهينة أمام الجمهور قد يعرضه للتنمر والوصم والعزلة، ويحوّل حياته اليومية إلى مساحة من القلق. ولهذا لا يمكن التعامل مع القضية باعتبارها مجرد «رأي» عبّر عنه صاحبه، لأن حرية التعبير لا تعني حرية إيذاء الأطفال أو التشهير بهم.
يستند خطاب لوم الأطفال والنساء بسبب الملابس إلى فكرة خطيرة مفادها أن الشخص الذي يتعرض للتحرش أو الاعتداء هو من تسبب فيه. وبدل مطالبة المعتدي بضبط نفسه واحترام الآخرين، تُوجَّه الاتهامات إلى الضحية، ويُطلب منها تغيير لباسها وحركتها وطريقة حياتها.
هذا الخطاب لا يمنع الاعتداءات، بل قد يقدم للمعتدين أعذارًا جاهزة. فقد يقتنع شخص منحرف بأن الضحية هي التي «استفزته» أو «أغوته» بسبب ملابسها، فيحاول التنصل من مسؤوليته الأخلاقية والقانونية.
والحقيقة أن الطفل لا يتحمل أي مسؤولية عن أفكار البالغين. وإذا نظر بالغ إلى طفلة باعتبارها موضوعًا للرغبة، فإن الخلل يوجد في نظرته هو، وليس في جسد الطفلة ولا في ملابسها.
إن حماية الأطفال تعني تعليمهم أن أجسادهم ملك لهم، وأن من حقهم رفض أي اقتراب أو لمس غير مقبول، وتشجيعهم على إبلاغ أسرهم ومربيهم عند تعرضهم للمضايقة. كما تعني توعية الكبار بضرورة احترام خصوصية الطفل والامتناع عن تصويره أو نشر صوره أو التعليق على جسده بطريقة مسيئة.
تزداد خطورة القضية بسبب الدور الذي تؤديه منصات التواصل الاجتماعي في نشر الخطابات المتطرفة. فالفيديو الذي قد يبقى محدودًا في محيط صغير يمكن أن يصل، خلال ساعات، إلى مئات الآلاف من المستخدمين. وتساعد التعليقات والمشاركات وخوارزميات التوصية على تضخيم المحتوى الصادم، حتى يتحول صاحبه إلى مركز للجدل والاهتمام.
ولم تقتصر ردود الفعل على إدانة الفيديو، بل ظهرت أيضًا مقاطع تدافع عن صاحبه وتقدمه باعتباره شخصًا «دافع عن الدين والأخلاق»، فيما اتهم بعض أنصاره منتقديه بمحاربة القيم الدينية ونشر الانحلال.
وهنا تظهر معضلة أخرى: محاولة تحويل قضية تتعلق بحماية طفلة من الإهانة إلى مواجهة بين التدين والعلمانية، أو بين المحافظين والتقدميين. فالطفولة لا ينبغي أن تصبح ورقة في الصراعات السياسية والفكرية، وحماية الطفل لا تعني الهجوم على الدين، كما أن التدين لا يبرر التشهير بالقاصرين.
القيم الدينية والأخلاقية الحقيقية تقوم على الرحمة والستر وصيانة الكرامة، ولا يمكن أن تنسجم مع تعريض طفلة للإهانة العلنية أو نشر صورتها أو الحديث عن جسدها أمام جمهور واسع.
بحسب المعلومات الواردة في المادة الأصلية، تحركت السلطات الجزائرية وفتحت تحقيقًا في القضية، وأمرت النيابة العامة لدى محكمة بوفاريك بتوقيف صاحب الفيديو وتقديمه أمام الجهات القضائية المختصة.
كما ورد أن المتهم وُضع رهن الحبس المؤقت، استنادًا إلى مقتضيات قانون مكافحة التمييز وخطاب الكراهية وقانون حماية الطفل، في انتظار محاكمته أمام القضاء.
ويمثل هذا التحرك رسالة مهمة مفادها أن الفضاء الرقمي ليس منطقة خارجة عن القانون، وأن ما يُنشر في مواقع التواصل قد يترتب عنه حساب قانوني، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالقاصرين أو بخطابات التحريض والكراهية والتشهير.
غير أن المعالجة القضائية، على أهميتها، لا تكفي وحدها. فاعتقال شخص أو محاكمته قد يوقف حالة فردية، لكنه لا يقضي على البيئة الاجتماعية والإعلامية التي تسمح بانتشار مثل هذا التفكير.
المطلوب هو بناء ثقافة وطنية تضع مصلحة الطفل فوق الحسابات السياسية والأيديولوجية، وتعلم المواطنين أن الاختلاف في المواقف لا يمنح أي شخص حق الاعتداء على كرامة الآخرين.
عرفت الجزائر، مثل مجتمعات عربية عديدة، نقاشات موسمية حول لباس النساء في الشواطئ والشوارع والأماكن العامة. وكانت هذه النقاشات تتجدد غالبًا خلال فصل الصيف، بين من يدافع عن الحرية الفردية ومن يريد فرض تصور محافظ على المجتمع.
لكن الانتقال من مراقبة لباس النساء البالغات إلى مهاجمة طفلة في الثامنة يمثل تطورًا أكثر خطورة. فهو يكشف اتساع دائرة الوصاية، وانتقالها من محاولة التحكم في حياة البالغين إلى فرضها على الأطفال.
إن المجتمع الذي يبدأ بمراقبة ملابس النساء قد ينتهي بمراقبة ألعاب الأطفال وحركاتهم وضحكاتهم. وكلما سُمح للمتشددين بفرض معاييرهم الخاصة على المجال العام، تقلصت مساحة الحرية وتحولت الحياة اليومية إلى ساحة من الاتهامات المتبادلة.
ولا ينبغي التقليل من خطورة هذا التحول، خصوصًا في بلد دفع خلال العشرية السوداء ثمنًا باهظًا بسبب التطرف والعنف الديني. فالخطابات التي تبدأ بكلمات التحريم والتخوين قد تتحول، إذا لم تُواجَه، إلى ممارسات إقصائية وعنيفة.
يربط النص الأصلي انتشار هذا الخطاب بتراجع حضور القوى الديمقراطية والتقدمية في المجال العام، وبالتضييق الذي تعرض له نشطاء الحراك والمعارضون والصحافيون المستقلون.
ووفق هذا التحليل، فإن إضعاف الأصوات المدنية والديمقراطية يترك فراغًا تستغله الجماعات المتشددة، فتقدم نفسها بوصفها القوة الوحيدة القادرة على الحديث باسم الدين والأخلاق والمجتمع.
فالمجتمع يحتاج إلى تعدد الأصوات وإلى صحافة حرة قادرة على فضح خطاب الكراهية، كما يحتاج إلى جمعيات مدنية تدافع عن الأطفال والنساء والحريات الفردية. وعندما تتعرض هذه المؤسسات للتضييق، يصبح المجال العام أكثر قابلية لهيمنة الخطابات المتطرفة.
كما أن انشغال الأجهزة الأمنية بمراقبة الانتقادات السياسية، على حساب تتبع المحتويات المحرضة على العنف والكراهية، قد يسمح لأصحاب الأفكار المتشددة بالنشاط بحرية أكبر.
ولا يعني ذلك تجاهل المخالفات القانونية أو ترك مواقع التواصل من دون ضوابط، بل يعني توجيه الجهود نحو حماية المجتمع من الأخطار الحقيقية، وفي مقدمتها التحريض على العنف، والتشهير بالقاصرين، ونشر الكراهية، وتبرير الاعتداءات.
من الظواهر المقلقة التي رافقت توقيف صاحب الفيديو محاولة بعض أنصاره تقديمه بصفته «سجين رأي» أو ضحية لحملة علمانية.
غير أن الدفاع عن حرية الرأي لا يعني الدفاع عن الإساءة إلى الأطفال. فثمة فرق واضح بين التعبير عن موقف ديني أو اجتماعي بصورة عامة، وبين استهداف طفلة بعينها والتعليق على جسدها وملابسها أمام الجمهور.
كما أن تقديم الشخص المسيء باعتباره بطلًا قد يشجع آخرين على تكرار الفعل بحثًا عن الشهرة والتفاعل. لذلك ينبغي ألا تكافئ منصات التواصل أصحاب الخطابات الصادمة بمنحهم المزيد من الانتشار.
ويتحمل المستخدمون جزءًا من المسؤولية أيضًا، لأن إعادة نشر المحتوى المسيء، حتى بقصد إدانته، قد تسهم في توسيع نطاق الأذى الذي يلحق بالطفلة. والأفضل هو الإبلاغ عن المحتوى، وحجب هوية الطفل وصورته، وتوجيه النقاش نحو الظاهرة بدل تحويل الضحية إلى مادة للمشاهدة.
تبدأ حماية الطفولة من الأسرة، لكنها لا تنتهي عندها. فالمدرسة والإعلام والقضاء والجمعيات المدنية والمؤسسات الدينية مطالبة جميعها بالمشاركة في بناء وعي يحترم الطفل.
على المدارس أن تعلم الأطفال حقوقهم الجسدية والنفسية، وأن توفر لهم وسائل آمنة للإبلاغ عن التحرش والتنمر. وعلى وسائل الإعلام أن تتجنب نشر صور القاصرين أو المعلومات التي تسمح بكشف هوياتهم.
أما المؤسسات الدينية، فعليها أن تواجه توظيف الدين لتبرير العنف والإهانة، وأن تؤكد قيم الرحمة وحفظ الكرامة والمسؤولية الفردية.
كما ينبغي للأسر أن تراقب استخدام أطفالها لمواقع التواصل، من دون تحويل المراقبة إلى قمع أو تخويف، وأن تشرح لهم مخاطر نشر الصور والمعلومات الشخصية والتواصل مع الغرباء.
تكشف هذه القضية أن حماية الأطفال لا تحتاج فقط إلى قوانين صارمة، بل إلى يقظة اجتماعية مستمرة. فالمتطرفون يستغلون الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ويقدمون إجابات بسيطة ومشحونة بالكراهية لمشكلات معقدة.
وقد يجد خطابهم طريقه إلى شباب يشعرون بالإحباط والضياع، خصوصًا في غياب التعليم النقدي والإعلام المهني والنقاش الديمقراطي المفتوح.
لذلك يصبح من الضروري تشكيل جبهة مجتمعية واسعة تضم الأسر والمربين والمثقفين والصحافيين ورجال الدين والقانونيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، من أجل حماية الطفولة ومواجهة خطاب الكراهية والتطرف.
فالطفل لا يحتاج إلى من يراقب لباسه، بل إلى من يصون كرامته. ولا يحتاج إلى من يحمّله ذنوب الكبار، بل إلى مجتمع يضع حدودًا واضحة لكل بالغ يحاول الاعتداء على براءته.
إن الدفاع عن هذه الطفلة هو دفاع عن جميع أطفال الجزائر، وعن حقهم في اللعب والضحك والنمو من دون خوف أو عار. وهو أيضًا دفاع عن مجتمع لا يسمح لأحد بتحويل الدين إلى أداة للإهانة، ولا الأخلاق إلى وسيلة للسيطرة، ولا حرية التعبير إلى غطاء للاعتداء على كرامة القاصرين.








0 التعليقات:
إرسال تعليق