من لندن ومدريد وبوسطن وبروكلين، وصلت إلى المكتبات العالمية خلال الأسابيع الأخيرة مجموعة من الكتب التي كتبها عرب يقيمون في دول المهجر، أو أشرفوا على إعدادها وترجمتها. وتكشف هذه الإصدارات عن اتساع مفهوم «أدب المهجر»؛ فلم يعد مقتصرًا على الحنين إلى الوطن أو سرد صدمة الرحيل، بل أصبح فضاءً لمساءلة الهوية والذاكرة والاستعمار والعنصرية واللجوء، إلى جانب إعادة قراءة التراث الأدبي العربي من داخل الجامعات ودور النشر الغربية.
يشمل هذا الرصد الفترة الممتدة تقريبًا من منتصف يونيو إلى مطلع أغسطس 2026، مع التنبيه إلى أن بعض العناوين صدرت للمرة الأولى باللغة الإنجليزية، بينما يمثّل بعضها الآخر طبعة جديدة مخصصة لسوق جغرافية مختلفة.
«على خط غرينتش»: شادي لويس وتشريح بيروقراطية لندن
صدرت في الرابع من أغسطس 2026 بالولايات المتحدة وكندا الطبعة الجديدة من رواية «على خط غرينتش» للكاتب والصحافي المصري شادي لويس، بترجمة كاثرين هولز إلى الإنجليزية، عن دار «بيرين برس». وكانت الترجمة قد صدرت في بريطانيا سنة 2025، قبل أن تنتقل في الأيام الأخيرة إلى سوق النشر في أميركا الشمالية.
يقيم شادي لويس في لندن، حيث عمل سنوات في هيئة الخدمات الصحية الوطنية وفي إدارات السكن التابعة للسلطات المحلية، متعاملًا مع المشردين والمرضى ذوي الاحتياجات المعقدة. وقد انعكست هذه التجربة بوضوح في الرواية التي تتخذ من مهاجر قبطي مصري مجهول الاسم عينًا تراقب قسوة المؤسسات البريطانية وبرودها.
تتحرك الرواية بين المستشفيات ومراكز الإيواء والمكاتب الإدارية وشوارع لندن، لتكشف، بسخرية قاتمة، الوجه الآخر لمدينة يُنظر إليها عادة بوصفها عاصمة للفرص والتعدد الثقافي. فالمهاجر هنا لا يصطدم بعداء صريح فقط، وإنما يواجه شبكة من النماذج والتعليمات والموظفين والإجراءات التي تحوّل الإنسان إلى رقم في ملف. ومن خلال هذا البناء، تصبح البيروقراطية شكلًا ناعمًا من أشكال العنف، بينما تتحول الفكاهة السوداء إلى وسيلة للمقاومة والحفاظ على التوازن النفسي.
«خاتم سليمى»: ريما بالي تعيد وصل حلب بطليطلة
في الثامن والعشرين من يوليو 2026 صدرت الترجمة الإنجليزية لرواية «خاتم سليمى» للكاتبة السورية ريما بالي، بترجمة تيموثي غريغوري، عن دار «إنترلنك بوكس». وكانت الرواية قد صدرت بالعربية سنة 2022، ووصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.
ولدت ريما بالي في حلب وغادرت سوريا سنة 2015، وهي تقيم حاليًا في مدريد. ويمنح هذا الموقع الثقافي المزدوج روايتها قدرة خاصة على ربط المشرق بالأندلس، وحلب بطليطلة، والذاكرة السورية بالتاريخ المتعدد الأديان والحضارات في إسبانيا.
تتناوب على سرد الرواية أصوات عدة، من بينها سلمى السورية، ولوكاس المصور الإسباني ذي الأصول اليهودية والمسيحية، وشمس الدين الموسيقي الإيطالي المقيم في حلب. ويتنقل السرد بين الحب والحرب، وبين أحلام الشخصيات والخراب الذي أصاب المدينة السورية.
أما الخاتم الذي يمنح الرواية عنوانها، فيستدعي خاتم النبي سليمان وما ارتبط به من سلطة أسطورية على الكائنات والعوالم الخفية. لكنه يؤدي أيضًا وظيفة رمزية؛ إذ يصبح وسيلة لاستعادة الأرواح الضائعة والبحث عن معنى وسط الأنقاض. وتختلط في الكتاب الصوفية بالعطور والأحلام والعلاقات العاطفية، لتظهر حلب مدينةً جريحة لا تزال حية في ذاكرة أبنائها الموزعين على المنافي.
«كتاب دمشق»: زاهر عمرين يرسم خريطة أدبية للعاصمة السورية
صدر في الثالث والعشرين من يوليو 2026 عن دار «كوما برس» البريطانية كتاب «كتاب دمشق»، بتحرير الكاتب والباحث السوري زاهر عمرين المقيم في لندن.
يضم الكتاب مختارات قصصية لعدد من الكتّاب السوريين، ويرصد التحولات الاجتماعية والثقافية التي شهدتها دمشق خلال نحو نصف قرن. لا يقدم العمل تاريخًا سياسيًا تقليديًا للمدينة، وإنما يبني ما تسميه الدار الناشرة «خريطة أدبية» تتشكل من حيوات الناس وأحيائهم وبيوتهم ومقاهيهم ومخاوفهم وذكرياتهم.
تكمن أهمية هذا النوع من المختارات في قدرته على مواجهة اختزال المدن العربية في نشرات الحرب. فدمشق هنا ليست مجرد عاصمة لنظام سياسي أو ساحة لصراع عسكري، بل هي كائن سردي متعدد الطبقات. تتجاور فيها الذاكرة الفردية مع التاريخ الجماعي، وتصبح القصة القصيرة وثيقة وجدانية تحفظ تفاصيل قد تمحوها الحرب أو الهجرة أو إعادة تشكيل المجال العمراني.
ويحمل إشراف زاهر عمرين على الكتاب دلالة إضافية؛ فهو كاتب سوري يعيش في لندن واشتغل على مبادرات ثقافية مستقلة ومعارض مرتبطة بالفن السوري. لذلك يبدو الكتاب محاولة لإعادة المدينة إلى العالم عبر الأدب، بعد أن ارتبط اسمها طويلًا بصور الدمار والعنف.
«إيفر لاند»: رواية بريطانية عربية عن فلسطين والذاكرة
صدرت في التاسع من يوليو 2026 رواية «إيفر لاند» للكاتبة البريطانية العربية إيمي عبد النور عن دار «هاتشينسون هاينمان» التابعة لمجموعة «بنغوين راندوم هاوس». وهي الرواية الأولى للكاتبة التي درست اللغتين الإنجليزية والعربية في جامعة كامبريدج، وعاشت وعملت في الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
تبدأ الرواية سنة 2000 مع دينا، وهي مراهقة يهودية من لندن تنتقل مع أسرتها إلى إسرائيل بعد وفاة والدها. وبموازاة صوتها، تظهر صفا، الفتاة الفلسطينية ذات الأربعة عشر عامًا التي قُتلت خلال حرب يونيو 1967، وظلت عالقة في منطقة بين الحياة والموت، تبحث عن مصير شقيقتها الصغرى نور.
تمنح هذه البنية الروائية الكاتبة مساحة للجمع بين الماضي والحاضر، وبين الضحية ومن وُلد داخل المجتمع المهيمن من دون أن يختار إرثه السياسي. ولا تسعى الرواية إلى تقديم التاريخ في صورة محاضرة، بل تجعله حاضرًا في مصائر مراهقتين تحاول كل منهما فهم العالم الذي ورثته.
تتناول الرواية الانتماء والهوية والاحتلال والاقتلاع من الأرض، لكنها تراهن أيضًا على قدرة العلاقة الإنسانية على اختراق الأسوار التي تصنعها الروايات القومية المتصارعة. ومن هذا المنظور، تبدو «إيفر لاند» عملًا أدبيًا يسعى إلى إعادة القضية الفلسطينية إلى مساحة التجربة الفردية، بعيدًا عن برودة الأرقام والمصطلحات الدبلوماسية.
«العجائبي العربي الحديث»: ألكسندرا شريتح تؤسس لنظرية نقدية جديدة
شهد يوليو 2026 أيضًا صدور الكتاب الأكاديمي «العجائبي العربي الحديث» للروائية والباحثة اللبنانية ألكسندرا شريتح، التي تنشر اسمها أكاديميًا بصيغة ألكسندرا شرايتخ، عن مطبعة جامعة إدنبرة.
تعمل المؤلفة أستاذة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تافتس الأميركية. وهي معروفة عربيًا بروايتيها «دائمًا كوكا كولا» و«علي وأمه الروسية»، قبل أن تتجه في كتابها الجديد إلى دراسة العجائبي في الأدب العربي الحديث.
تصف دار النشر العمل بأنه أول كتاب باللغة الإنجليزية يقدم تاريخًا ونظرية متكاملين للعجائبي العربي الحديث. ويقترح منهجًا لقراءة النصوص التي تستخدم الخوارق والرعب والواقعية السحرية والغرابة، رابطًا إياها بقضايا الأقليات والإعاقة والثقافة الشعبية والانفعال والهويات المهمشة.
تنبع أهمية الكتاب من اعتراضه على غياب الأدب العربي عن الدراسات العالمية الكبرى للعجائبي، رغم وجود رصيد عربي غني من النصوص التي تستثمر الجن والأشباح والتحولات الجسدية والعوالم الموازية. وتذهب المؤلفة إلى أن العجائبي لا يمثل هروبًا من الواقع، بل قد يكون صورة جديدة للواقعية؛ لأنه يكشف أشياء تعجز الكتابة الواقعية التقليدية عن تمثيلها، خصوصًا في المجتمعات التي تعيش العنف والحروب والإقصاء.
«سأخبرك عندما أعود إلى البيت»: هالة عليان وسيرة الأمومة والمنفى
في السادس عشر من يونيو 2026 صدرت الطبعة الورقية الجديدة من كتاب «سأخبرك عندما أعود إلى البيت» للكاتبة والشاعرة الفلسطينية الأميركية هالة عليان، عن دار «أفيد ريدر برس» التابعة لمجموعة «سايمون أند شوستر». وكان الكتاب قد صدر أولًا في طبعة فاخرة سنة 2025، قبل طرح نسخته الورقية الجديدة خلال صيف 2026.
تقيم هالة عليان في بروكلين، وتعمل طبيبة نفسية وأستاذة في جامعة نيويورك. وتتناول في سيرتها تجربتها مع الأمومة عن طريق الحمل البديل، لكنها تربط هذه التجربة بتاريخ عائلتها الفلسطينية وما عرفته من رحيل ولجوء وتنقل بين البلدان.
يتحول البحث عن طفل في الكتاب إلى بحث عن البيت والهوية والاستمرار. فالجسد الذي ينتظر الولادة يلتقي بجغرافيا فقدتها العائلة، والأمومة الشخصية تصبح مدخلًا إلى مساءلة الذاكرة الجماعية. ومن خلال المزج بين الاعتراف والسرد العائلي والتأمل النفسي، تناقش الكاتبة معنى أن ينتمي الإنسان إلى وطن لا يستطيع العودة إليه، وأن يبني في المنفى بيتًا جديدًا لا يلغي البيت الأول.
يحمل العنوان نفسه مفارقة مؤثرة؛ فالعودة إلى البيت تبدو وعدًا بسيطًا في الظاهر، لكنها تتحول لدى الفلسطيني الموزع بين المنافي إلى سؤال مفتوح: أي بيت؟ وأي عودة؟ ومن الذي يملك حق تحديد نهاية الرحلة؟
المهجر بوصفه مختبرًا للكتابة
تكشف هذه العناوين أن الكتابة العربية في المهجر لم تعد جنسًا أدبيًا واحدًا. فهي تظهر في رواية فلسطينية بريطانية، وترجمة لرواية سورية وُلدت بين حلب وطليطلة، ومختارات قصصية تعيد رسم دمشق، ودراسة أكاديمية تؤسس لنظرية العجائبي العربي، وسيرة فلسطينية أميركية عن الأمومة والبيت، ورواية مصرية تتعقب عنف البيروقراطية البريطانية.
والمشترك بين هذه الأعمال ليس الحنين وحده، بل النظر إلى الوطن من مسافة تسمح برؤيته في علاقته بالعالم. فالكاتب المهاجر لا يحمل بلده في ذاكرته فقط، وإنما يضعه داخل لغة جديدة وسوق نشر مختلفة وأسئلة يطرحها قارئ لا يعرف المنطقة العربية إلا عبر الأخبار.
لهذا تتحول الترجمة ودور النشر الأجنبية في هذه الإصدارات إلى جزء من معنى الكتاب نفسه. إنها تمنح التجربة العربية حياة ثانية، وتتيح لأصوات قادمة من فلسطين وسوريا ومصر ولبنان أن تدخل نقاشًا عالميًا حول الاستعمار والمنفى والعنصرية والذاكرة والهوية. وفي الوقت ذاته، تظل مسؤولية القارئ والناقد العربي قائمة في متابعة هذه الكتب، حتى لا تتحول أعمال أدباء المهجر إلى ظاهرة معروفة في الغرب ومجهولة في أوطانها الأصلية.
ملاحظة منهجية: تختلف تواريخ الإصدار أحيانًا باختلاف الدولة والصيغة الورقية أو الرقمية. لذلك جرى توضيح الكتب التي تمثل ترجمة إنجليزية أو طبعة ورقية أو إصدارًا مخصصًا لسوق جديدة، بدل تقديمها بوصفها نصوصًا صدرت للمرة الأولى.
يمكن توسيع هذا الرصد في نسخة لاحقة ليشمل الكتب العربية الصادرة في فرنسا وألمانيا وإسبانيا وهولندا وكندا، مع إضافة صور الأغلفة وبيانات الصفحات والأسعار.







0 التعليقات:
إرسال تعليق