تؤكد الأخبار والتقارير الدولية الصادرة خلال الأسابيع الأخيرة أن الهجرة أصبحت إحدى أكثر القضايا تعقيدًا في العالم، بسبب تداخل الحروب والفقر والتغيرات المناخية والاضطرابات السياسية مع تشديد الرقابة على الحدود وتراجع المساعدات الإنسانية. وبينما تسعى الدول الغنية إلى تقليص أعداد الوافدين وإبعاد إجراءات اللجوء عن أراضيها، يواصل ملايين الأشخاص مغادرة بلدانهم بحثًا عن الأمن أو العمل أو فرصة للعيش بكرامة.
وتشير أحدث بيانات الأمم المتحدة و«بوابة بيانات الهجرة» إلى أن عدد المهاجرين الدوليين بلغ نحو 304 ملايين شخص في منتصف سنة 2024، بعدما كان يقارب 275 مليونًا سنة 2020. ويمثل هؤلاء نحو 3.7 في المائة من سكان العالم، فيما تشكل النساء قرابة 48 في المائة منهم. ويؤكد «تقرير الهجرة العالمي 2026» الصادر عن المنظمة الدولية للهجرة أن الهجرة تسهم في تنشيط الاقتصادات وسد النقص في اليد العاملة وتحويل الأموال والخبرات، غير أن إغلاق المسارات القانونية لا يوقف حركة البشر بقدر ما يدفع قسمًا منها نحو طرق سرية أكثر خطورة، ويزيد أرباح شبكات التهريب والاتجار بالبشر.
وفي الخامس من أغسطس 2026، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة في أحدث حصيلة لأعمالها الإنسانية أنها قدمت المساعدة إلى نحو 17.8 مليون شخص في مختلف أنحاء العالم، ووزعت أكثر من 1.2 مليون مادة إغاثية على سكان تضرروا من الحروب والكوارث والنزوح. لكن هذه الحصيلة تزامنت مع تحذير شديد من اتساع فجوة التمويل الإنساني، بما يهدد قدرة المنظمة على مواصلة برامج الإيواء والصحة والحماية والنقل الطوعي والعودة وإعادة الإدماج. وهكذا تبدو المفارقة واضحة: الاحتياجات ترتفع، بينما الموارد المالية المتاحة للمنظمات الدولية تتقلص.
ولا تختلف الصورة كثيرًا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. فقد أظهر تقرير الاتجاهات العالمية لسنة 2025 أن عدد اللاجئين بلغ نحو 41.6 مليون شخص، رغم تسجيل انخفاض محدود في العدد الإجمالي مقارنة بالسنة السابقة. كما عاد 14.7 مليون نازح ولاجئ إلى مناطقهم أو بلدانهم الأصلية، بينهم 4.4 ملايين لاجئ و10.3 ملايين نازح داخلي. غير أن بعض هذه العودة تم تحت ضغط الظروف الاقتصادية أو قرارات الترحيل، وفي بيئات لا تزال تفتقر إلى الأمن والسكن والخدمات الأساسية.
ويعيش نحو سبعة من كل عشرة لاجئين في أوضاع نزوح طويلة الأمد، تمتد سنوات أو عقودًا من دون حل نهائي. وفي الوقت نفسه، تراجعت عمليات إعادة التوطين والكفالة الإنسانية بأكثر من النصف خلال سنة 2025، فلم يستفد منها سوى 81 ألفًا و800 شخص، وهو رقم ضئيل مقارنة بالملايين المحتاجين إلى الحماية. وتدعو المفوضية إلى إدماج اللاجئين في المدارس والخدمات الصحية والأسواق المحلية، ومنحهم إمكان الوصول إلى العمل والتمويل، بدل إبقائهم معتمدين بصورة دائمة على المساعدات.
وجاءت الذكرى الخامسة والسبعون لاتفاقية اللاجئين، في 28 يوليو 2026، وسط مخاوف متزايدة من تراجع الالتزام الدولي بحق اللجوء. وأطلقت المفوضية مبادرة أسمتها «الوعد»، شاركت فيها خمس وسبعون شخصية دولية من الحائزين على جوائز نوبل والفنانين والرياضيين ورجال الأعمال والمدافعين عن حقوق الإنسان. وتهدف المبادرة إلى إعادة تأكيد الحق في طلب الأمان والحماية من الاضطهاد والحروب، في وقت تواجه فيه أنظمة اللجوء ضغوطًا سياسية متزايدة، ويعيش أكثر من 41 مليون لاجئ خارج أوطانهم.
وتظهر أخطر التطورات في الطرق البحرية الممتدة بين إفريقيا وأوروبا. فقد كشف التقرير الفصلي الصادر عن مركز الهجرة المختلطة في 22 يوليو 2026 أن عدد الوفيات وحالات الاختفاء المسجلة على طريق وسط البحر المتوسط ارتفع بنسبة 57 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، رغم تراجع عدد الواصلين بحرًا إلى إيطاليا بنسبة 52 في المائة.
ويبرهن هذا التناقض على أن انخفاض عدد الوافدين لا يعني بالضرورة انخفاض محاولات العبور، بل قد يكون نتيجة اشتداد عمليات الاعتراض أو تحول المهاجرين إلى مسارات أطول وأبعد عن مراقبة فرق الإنقاذ. وحتى 28 يونيو 2026، ظلت ليبيا نقطة الانطلاق الرئيسية نحو إيطاليا بنسبة 83 في المائة، تلتها الجزائر بأكثر من 1190 وافدًا، ثم تونس بنحو 1070 وافدًا. كما ارتفعت التحركات عبر طريق غرب البحر المتوسط بنسبة 26 في المائة، رغم تراجع العدد الإجمالي للواصلين إلى إسبانيا.
أما الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل «فرونتكس»، فقد أعلنت أن عدد عمليات العبور غير النظامي المكتشفة على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي انخفض بنسبة 37 في المائة خلال النصف الأول من 2026، ليستقر عند أكثر من 49 ألف عملية عبور. وكان طريقا شرق ووسط البحر المتوسط الأكثر نشاطًا، إذ شكّلا معًا أكثر من 60 في المائة من مجموع الحالات المسجلة.
وسجل طريق غرب إفريقيا نحو جزر الكناري أكبر نسبة تراجع، بلغت 67 في المائة، في حين كان طريق غرب البحر المتوسط المسار الرئيسي الوحيد الذي سجل ارتفاعًا وفق منهجية «فرونتكس»، بنسبة 17 في المائة، مدفوعًا أساسًا بالقوارب المنطلقة من السواحل الجزائرية. وتختلف هذه النسبة عن أرقام مركز الهجرة المختلطة بسبب اختلاف طرق جمع البيانات والفترات التي تغطيها كل مؤسسة. ورغم التراجع العام في الوصول، أشارت الوكالة إلى أن نحو 1300 شخص لقوا حتفهم في البحر المتوسط منذ بداية السنة.
ولا يزال طريق المحيط الأطلسي من سواحل غرب إفريقيا إلى جزر الكناري واحدًا من أكثر طرق الهجرة خطورة. وأفاد إيجاز للأمم المتحدة صدر في 21 يوليو بأن عدد الواصلين إلى الجزر الإسبانية انخفض بنحو 61 في المائة مقارنة بسنة 2025، مسجلًا قرابة 4400 وافد حتى 15 يوليو. غير أن طول الرحلة، الذي قد يتجاوز ألفي كيلومتر، وتقلب المحيط واستعمال قوارب مكتظة وغير صالحة للإبحار، ما زالت عوامل تجعل هذا الطريق مسرحًا متكررًا للغرق والاختفاء.
وفي آسيا، أعادت مأساة جديدة للاجئي الروهينغا إلى الواجهة العلاقة بين تراجع المساعدات وازدياد الهجرة البحرية الخطرة. فقد دعت منظمة «اللاجئون الدولية» في 17 يوليو إلى تجديد عمليات الإنقاذ والدعم الإنساني، بعد تقارير تحدثت عن احتمال وفاة أكثر من 500 شخص من الروهينغا إثر انقلاب قاربين في البحر.
وأوضحت المنظمة أن تدهور الظروف داخل مخيمات اللاجئين في بنغلاديش، إلى جانب تقليص المساعدات الغذائية والصحية واستمرار الانتهاكات بحق الروهينغا في ميانمار، يدفع مزيدًا من العائلات إلى ركوب البحر. فالمهاجر أو اللاجئ لا يختار القارب المتهالك لأنه يجهل مخاطره، وإنما لأنه يرى أن البقاء أصبح بدوره خطرًا يوميًا لا يقل قسوة عن الرحيل
ويظهر أثر تخفيض التمويل بصورة خاصة على النساء والفتيات. فقد أصدرت منظمة «اللاجئون الدولية» بالتعاون مع لجنة اللاجئات تقريرًا في 14 يوليو، استند إلى مقابلات مع ممثلات 28 منظمة تقودها نساء في أفغانستان وبنغلاديش ولبنان والسودان وأوكرانيا وهندوراس. وخلص التقرير إلى أن التقليصات المالية لا تهدد فقط استمرار الخدمات، بل تضرب منظمات محلية تصل إلى النساء والفتيات اللواتي قد تعجز المؤسسات الدولية الكبيرة عن الوصول إليهن.
وتعني هذه التخفيضات عمليًا إغلاق مراكز حماية، وتقليص برامج مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وفقدان الدعم القانوني والنفسي وخدمات الصحة الإنجابية. كما تكشف الأزمة استمرار اختلال توزيع التمويل داخل النظام الإنساني، إذ تتحمل المؤسسات المحلية الجزء الأصعب من العمل الميداني، لكنها تحصل على نسبة محدودة من الموارد.
ويعيش الأفغان بدورهم مرحلة عودة جماعية تتطلب استثمارات ضخمة. فقد أعلنت المفوضية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في يوليو أن أكثر من 750 ألف أفغاني عادوا خلال الأشهر الأولى من 2026، مع توقع عودة ما يصل إلى 2.5 مليون شخص قبل نهاية السنة. وحذرت الوكالتان من أن العودة من دون توفير السكن وفرص العمل والمدارس والخدمات الصحية قد تنقل الأزمة من بلدان الاستضافة إلى المناطق الأفغانية الفقيرة بدل حلها.
وفي أوروبا، دخل ميثاق الهجرة واللجوء حيز التطبيق في 12 يونيو 2026، متضمنًا إجراءات موحدة لتسجيل القادمين وفحص هوياتهم وأخذ بياناتهم البيومترية وتحديد الدول المسؤولة عن دراسة طلباتهم. وترى المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية أن الميثاق قد يتيح إدارة أكثر تنسيقًا للجوء إذا طبق مع احترام حقوق الإنسان وتقاسم المسؤولية بين الدول الأوروبية.
لكن المجلس الأوروبي للاجئين والمنفيين حذر من أن القواعد الجديدة قد تخفض ضمانات الحقوق الأساسية، وتبقي طالبي اللجوء لفترات أطول عند الحدود، وتزيد الاعتماد على الاحتجاز والإجراءات السريعة. كما تؤكد شبكة «بيكوم» المدافعة عن المهاجرين غير الحاصلين على وثائق إقامة أن توسيع المراقبة والإبلاغ عن المهاجرين قد يدفعهم إلى تجنب المستشفيات والمدارس والشرطة، خوفًا من الاعتقال والترحيل. (Ecre)
وانتقدت «بيكوم» أيضًا اقتصار تمديد الحماية المؤقتة للأشخاص الفارين من أوكرانيا حتى مارس 2028 على فئات محددة، محذرة من استبعاد آلاف الأشخاص الذين كانوا يقيمون في أوكرانيا قبل الحرب من دون حمل الجنسية الأوكرانية. وتطالب الشبكة بإتاحة إجراءات اللجوء والحماية الفرعية لهم بدل دفعهم نحو الإقامة غير النظامية أو الترحيل.
وفي المقابل، قدمت إسبانيا نموذجًا مختلفًا بإطلاق برنامج واسع لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين خلال سنة 2026. وتشير تقديرات معهد سياسات الهجرة إلى أن البرنامج تلقى نحو 1.2 مليون طلب. وترى المنظمات الحقوقية أن التسوية القانونية لا تمنح المهاجر وثيقة إقامة فقط، بل تسمح له بالعمل بصورة قانونية، ودفع الضرائب، والحصول على العلاج والسكن، والابتعاد عن استغلال المشغلين وشبكات الاتجار بالبشر.
وفي الاتجاه المعاكس، تتوسع سياسة نقل مراقبة الهجرة إلى خارج الحدود الأوروبية. ويشير معهد سياسات الهجرة إلى أن الاتحاد الأوروبي اتجه خلال يونيو 2026 إلى إتاحة إنشاء مراكز للعودة في دول ثالثة، يمكن نقل المرفوضة طلبات لجوئهم إليها إلى حين إعادتهم إلى بلدانهم أو تسوية أوضاعهم. ويرى مؤيدو هذه السياسة أنها تساعد على تنفيذ قرارات العودة، بينما يحذر منتقدوها من احتمال نشوء مناطق غامضة قانونيًا تضع الأشخاص بعيدًا عن المحاكم والرقابة والمؤسسات الحقوقية.
وتكشف مجمل هذه الأخبار أن العالم يتعامل مع الهجرة غالبًا بوصفها مشكلة أمنية، رغم أن جذورها ترتبط بالحرب والتنمية وسوق العمل وعدم المساواة. صحيح أن الرقابة قد تخفض عدد القوارب الواصلة إلى منطقة محددة، لكنها قد تدفع المهاجرين إلى طريق أطول، أو إلى التعامل مع مهربين أكثر عنفًا، أو إلى البقاء عالقين في دول العبور من دون حماية.
وتحتاج السياسات الأكثر فاعلية إلى الجمع بين حماية الحدود وحماية الإنسان، وفتح مسارات قانونية للعمل والدراسة ولمّ شمل الأسر، وتوفير إجراءات لجوء عادلة، وملاحقة شبكات الاتجار بالبشر من دون تجريم المهاجرين أو فرق الإنقاذ والمتضامنين معهم. كما يتطلب الأمر تمويل المجتمعات التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين، حتى لا تتحول الحماية الإنسانية إلى عبء تتحمله الدول الفقيرة وحدها.
إن المهاجر ليس رقمًا في جدول «فرونتكس»، واللاجئ ليس عبئًا مؤقتًا في تقرير دولي. وراء كل عملية عبور عائلة تركت بيتًا، أو شاب فقد فرصة العمل، أو امرأة هربت من العنف، أو طفل وُلد في مخيم ولم يعرف وطنًا آخر. ولهذا لن تقاس نجاحات سياسات الهجرة بعدد القوارب التي أوقفتها فقط، وإنما بعدد الأرواح التي أنقذتها، والحقوق التي احترمتها، والطرق الآمنة التي فتحتها أمام من اضطروا إلى الرحيل.
إعداد: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق