التعامل مع الرموز الحزبية في المغرب باعتبارها جزءًا من بنية أوسع للتواصل السياسي، لا باعتبارها مجرد علامات تقنية تُستعمل أثناء الانتخابات. فالرمز الحزبي يؤدي، في تقديري، وظيفة مركبة: يعرّف بالحزب، ويميّزه عن منافسيه، ويختزن جزءًا من ذاكرته، ويساعد على تحويل التنظيم السياسي من مؤسسة مجردة إلى صورة قابلة للتعرف والاستدعاء السريع. ولهذا فإن دراسة الرموز الحزبية لا ينبغي أن تتوقف عند سؤال بسيط من قبيل: ماذا تعني هذه العلامة أو تلك؟ بل ينبغي أن تمتد إلى سؤال أعمق: كيف تنتج الأحزاب هوياتها البصرية، وكيف تستقر هذه الهويات في وعي الناخب، وما العلاقة بين الرمز والبرنامج والذاكرة والانتماء والسلوك الانتخابي؟
من الناحية القانونية والمؤسساتية، ليست الرموز الحزبية في المغرب عناصر اعتباطية تمامًا، بل تدخل ضمن التنظيم الرسمي للعملية الانتخابية، وقد خصصت لها قرارات تنظيمية تحدد الرموز المستعملة من طرف لوائح الأحزاب والمترشحين. وتظهر الوثائق الرسمية للانتخابات المغربية أن تحديد هذه الرموز يدخل ضمن الإطار التنظيمي للعملية الانتخابية إلى جانب القواعد المتعلقة بالترشيح والتصويت والحملة الانتخابية. لكن هذه الوظيفة القانونية لا تفسر وحدها استمرار قوة الرمز في الثقافة السياسية المغربية، لأن دلالته تجاوزت مع الزمن حدود ورقة التصويت وأصبحت جزءًا من لغة الحياة السياسية اليومية.
الرمز بوصفه آلية للاختزال السياسي
الحزب السياسي بنية معقدة. فهو تنظيم، وقيادة، وتاريخ، وبرنامج، ومصالح اجتماعية، وشبكات محلية، وخطاب أيديولوجي، وممارسة حكومية أو معارضة. ومع ذلك يمكن لهذه البنية المركبة أن تُختزل في علامة بصرية واحدة.
أرى في هذه القدرة على الاختزال إحدى أهم وظائف الرمزية الحزبية.
فالفاعل السياسي يواجه مشكلة دائمة تتمثل في صعوبة نقل التعقيد إلى الجمهور. الناخب لا يستطيع، في كل استحقاق، أن يعيد قراءة التاريخ الكامل لكل حزب، وأن يحلل جميع برامجه وقراراته وتحالفاته. لذلك تتدخل آليات التبسيط السياسي: الاسم، اللون، الشعار، صورة الزعيم، والرمز.
بهذا المعنى يعمل الرمز بوصفه اختصارًا إدراكيًا. إنه يسمح للناخب باستحضار تنظيم سياسي كامل من خلال إشارة واحدة. وعندما تتكرر هذه الإشارة خلال سنوات طويلة، فإنها لا تعود مجرد رسم، بل تصبح مدخلًا إلى أرشيف من الانطباعات والتجارب والذكريات.
ومن هنا يمكن القول إن الرمز السياسي ليس صورة تختزن معنى ثابتًا، بل ذاكرة مكثفة.
من التعريف إلى بناء الهوية
لا تقتصر وظيفة الرمز على مساعدة الناخب في معرفة الحزب، بل تسهم كذلك في عملية بناء الهوية السياسية.
فالأحزاب، مثل المؤسسات الاجتماعية الأخرى، تحتاج إلى إنتاج حدود تميز «نحن» عن «هم». هذه الحدود قد تكون أيديولوجية أو تنظيمية أو تاريخية، لكنها تصبح كذلك بصرية.
ويكشف البحث الحديث في العلامة السياسية أن الأحزاب لا تُعرّف نفسها بواسطة البرامج وحدها، بل بواسطة منظومة من العناصر تشمل الشعارات والألوان والرموز والشخصيات والخطاب الاتصالي. وقد وجدت دراسة حول صورة العلامة لدى الأحزاب المغربية أن التنظيمات الحزبية يمكن النظر إليها بوصفها «علامات سياسية» تُبنى صورتها لدى الجمهور عبر عناصر التعرف والتمييز والاستدعاء. (Revue Freg)
هذه الفكرة تفتح أمامي مجالًا أوسع من مجرد تحليل الشعار.
فإذا أصبح الحزب علامة سياسية، فإن الرمز يتحول إلى جزء من رأسماله الرمزي. وقد ينجح الحزب في جعل علامته أكثر شهرة من بعض مضامين برنامجه نفسه. هنا تظهر مفارقة التواصل السياسي الحديث: قد تكون معرفة المواطن بالهوية البصرية للحزب أكبر من معرفته الدقيقة بمواقفه من السياسات العمومية.
ولا يعني ذلك بالضرورة ضعف الناخب أو سطحية العملية السياسية؛ بل يعكس أيضًا طبيعة التواصل في المجتمعات المعاصرة، حيث تتنافس الرسائل على الانتباه، وتزداد أهمية الصورة والاختصار وسرعة التعرف.
الرمز باعتباره علاقة لا باعتباره شيئًا
من منظور سيميائي، لا يحمل الرمز السياسي معناه داخله بصورة طبيعية.
فلا توجد علاقة فطرية بين شيء مادي معين وتنظيم سياسي بعينه. هذه العلاقة تُبنى تاريخيًا عبر التكرار والاستعمال والانتخابات والإعلام والحملات.
إنها علاقة اجتماعية مكتسبة.
ولذلك أرى أن التحليل الأكثر دقة لا ينبغي أن يبحث عن «المعنى الحقيقي» للرمز، وكأن لكل صورة معنى سياسيًا جوهريًا ثابتًا، بل عن سيرورة إنتاج المعنى.
فالعلامة تكتسب قوتها لأن الحزب يكررها، والإعلام يعيد عرضها، والناخب يتعرف إليها، والمنافسون يشيرون إليها، ثم تدخل بالتدريج إلى اللغة السياسية المشتركة.
عند هذه اللحظة يحدث التحول الأهم: لا يعود الرمز يحتاج إلى شرح.
وهذا هو معيار رسوخ العلامة سياسيًا.
لقد خصص البحث الأكاديمي المغربي اهتمامًا مبكرًا لمسألة الترميز السياسي والهوية البصرية للأحزاب، وهو ما يدل على أن الرمز ليس عنصرًا هامشيًا في دراسة الحياة الحزبية، بل مدخل مشروع لفهم علاقتها بالثقافة السياسية وبإنتاج المعنى.
الذاكرة الحزبية ورأس المال الرمزي
يمتلك بعض الرموز قدرة كبيرة على البقاء، حتى عندما تتغير القيادات والبرامج والتحالفات.
وهذه الاستمرارية ليست تفصيلًا بسيطًا.
ففي عالم سياسي سريع التغير، يوفر الرمز للحزب نوعًا من الثبات. يمكن أن يتغير الأمين العام، وتتبدل الحكومة، وينتقل الحزب من الأغلبية إلى المعارضة أو العكس، لكن العلامة البصرية تستمر.
بهذا المعنى يصبح الرمز حاملًا للذاكرة المؤسسية.
وأعتقد أن هذا الجانب مهم خصوصًا في الحالة المغربية، حيث تمتد حياة بعض الأحزاب عبر عقود، وتتراكم حولها تجارب متعددة وأجيال مختلفة من الناخبين.
فالرمز الذي كان بالنسبة لجيل ما علامة معارضة قد يصبح بالنسبة لجيل آخر علامة مشاركة حكومية. والرمز الذي ارتبط لدى جيل بصعود سياسي قد يستدعي لدى جيل لاحق تجربة مختلفة تمامًا.
إذن الصورة ثابتة نسبيًا، أما معناها الاجتماعي فمتحرك.
وهذه واحدة من أهم خصائص العلامة السياسية: ثبات الدال وتحول المدلول.
الرموز والتحولات الاجتماعية في المغرب
لا يمكنني فصل انتشار الرموز الانتخابية تاريخيًا عن البنية الاجتماعية للمجتمع المغربي.
فالعلامة البصرية تؤدي وظيفة مهمة عندما يوجد تفاوت في مستويات التعليم والقراءة، لأنها تسمح بالتعرف إلى اللائحة دون الاعتماد الكامل على النص المكتوب. لكن اختزال استمرار الرموز في مسألة الأمية سيكون اليوم تفسيرًا ناقصًا.
فالمجتمع المغربي عرف خلال العقود الماضية توسعًا في التعليم والتحضر وانتشارًا واسعًا للهواتف الذكية والوسائط الرقمية، ومع ذلك لم تختف الرموز.
لماذا؟
لأن الوظيفة تغيرت.
ما بدأ أداة لتسهيل التعرف أصبح مع مرور الزمن عنصرًا للهوية والذاكرة والتسويق السياسي.
وبهذا المعنى يمكن قراءة استمرار الرموز بوصفه مثالًا على ظاهرة اجتماعية أوسع: المؤسسات تحتفظ أحيانًا بالأدوات القديمة، لكنها تمنحها وظائف جديدة.
لم تعد العلامة ضرورية فقط كي يعرف المواطن أين يصوت، بل أصبحت وسيلة كي يتذكر الحزب داخل فضاء إعلامي شديد الازدحام.
من الملصق الانتخابي إلى الشاشة الرقمية
أحد أهم التحولات التي عرفها التواصل السياسي المغربي هو انتقال الحزب من فضاء الحملة التقليدية إلى البيئة الرقمية.
فالحملات لم تعد محصورة في الملصقات والمهرجانات والخطابات، بل أصبحت تعتمد على منصات التواصل الاجتماعي والفيديوهات القصيرة والمحتوى الممول والاستهداف الرقمي.
وقد تناولت دراسات حديثة الحملات المغربية من زاوية التسويق السياسي الإلكتروني، خصوصًا خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2021، وأشارت إلى تنامي اعتماد الأحزاب على الأدوات الرقمية من أجل الحضور والتعبئة والوصول إلى الناخبين.
هذا التحول لم يلغ الرمز؛ بل منحه قوة إضافية.
فالرمز الذي كان يظهر مرة كل بضع سنوات على ورقة اقتراع يستطيع اليوم أن يظهر مئات المرات على شاشة الهاتف.
وهنا تتغير طبيعة العلاقة بين المواطن والعلامة.
التكرار الرقمي يجعل الهوية السياسية أكثر حضورًا، لكنه قد يجعلها أيضًا أقرب إلى منطق العلامات التجارية. فالحزب يصبح مطالبًا بأن يكون قابلًا للتعرف في صورة مصغرة، وفي منشور سريع، وفي فيديو لا يتجاوز ثواني.
وهذه البيئة تعيد تشكيل الخطاب السياسي نفسه.
الحزب بوصفه «علامة سياسية»
مفهوم Political Branding يتيح، في رأيي، فهمًا مهمًا لهذه التحولات.
فالحزب المعاصر لا يقدم للناخب برنامجًا فقط، بل يقدم صورة عن ذاته: من نحن؟ ما الذي نمثله؟ ما المشاعر التي نريد إثارتها؟ ما الذي يجب أن يتذكره المواطن عندما يرى علامتنا؟
وقد أظهرت الدراسات المقارنة أن الشعارات والألوان والهويات البصرية ليست عناصر سطحية في التواصل الحزبي، بل تؤدي أدوارًا في التمايز وبناء التعرف وترسيخ التصنيف السياسي.
لكنني أرى أن استعارة مفاهيم التسويق التجاري في السياسة ينبغي أن تتم بحذر.
فالمواطن ليس مستهلكًا بالمعنى الاقتصادي الخالص، والحزب ليس سلعة عادية.
في السوق يستطيع المستهلك أن يغيّر منتجًا بمنتج دون آثار عميقة على الحقوق والمؤسسات. أما الاختيار السياسي فيؤثر في القوانين والضرائب والتعليم والصحة والحريات والسياسات الاجتماعية.
ولهذا فإن نجاح الحزب في بناء «علامة» قوية لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن مضمون المشروع السياسي.
خطر الانفصال بين العلامة والمضمون
هنا أصل إلى المسألة النقدية المركزية.
كل رمز سياسي يحمل مجموعة من الإيحاءات. قد يوحي بالعدالة أو القوة أو المعرفة أو السلام أو العمل أو التجدد أو الأمل. لكن لا توجد علاقة سببية بين هذه الدلالات وبين أداء الحزب.
هذا الفصل ضروري منهجيًا.
فالعلامة لا تثبت البرنامج، والبرنامج لا يثبت الحصيلة، والحصيلة هي التي تسمح بالتقييم السياسي.
إذا نُسي هذا الفرق، يمكن أن يتحول الرمز إلى آلية لإنتاج ما يمكن تسميته بالفضيلة المستعارة: أي أن تلتصق بالحزب صفات إيجابية بسبب الدلالة الثقافية لعلامته، من دون أن يكون ذلك مبنيًا على أدائه.
وهنا تصبح السيميائيات أداة نقدية، لا مجرد وسيلة لوصف الصور.
فمهمتها لا تقتصر على تفسير ما تقوله العلامة، بل تشمل كشف المسافة بين ما توحي به وما يستطيع الواقع السياسي إثباته.
الرموز وتراجع الحدود الأيديولوجية
تزداد أهمية العلامات السياسية عندما تصبح الفروق الأيديولوجية بين الأحزاب أقل وضوحًا لدى الجمهور.
وهذه ليست خصوصية مغربية مطلقة؛ إنها ظاهرة معروفة في عدد من الديمقراطيات المعاصرة، حيث خفت في بعض السياقات حدة الانقسامات الأيديولوجية التقليدية، بينما صعدت أهمية القيادة والصورة والتسويق والتواصل.
في المغرب، تناقش الأدبيات الأكاديمية منذ سنوات مسألة موقع الأحزاب وفعاليتها وعلاقتها ببنية النظام السياسي وبالمجتمع. وبعض الدراسات تذهب إلى أن الأحزاب تعاني قيودًا في قدرتها على بناء حضور سياسي مستقل وقوي داخل المجال العام، مع اختلاف التفسيرات بشأن أسباب ذلك وحدوده.
في مثل هذا السياق تصبح الهوية البصرية وسيلة مهمة للتمايز.
عندما يصعب على المواطن تحديد المسافة بين حزبين عبر وثيقتين برنامجيتين طويلتين، تصبح الصورة والاسم والزعيم واللون أكثر فعالية في التعرف السريع.
لكن ذلك يحمل مفارقة واضحة: كلما ازدادت الحاجة إلى التمييز البصري، ظهر السؤال عن عمق التمييز السياسي والبرنامجي.
من الانتماء إلى الاستدعاء
أقترح هنا تمييزًا بين مستويين من العلاقة بالحزب.
الأول هو الانتماء السياسي: أي وجود ارتباط أيديولوجي أو اجتماعي أو تنظيمي بالحزب.
والثاني هو الاستدعاء السياسي: أي القدرة على تذكر الحزب والتعرف إليه بسرعة دون أن يكون ذلك مقرونًا بانتماء قوي.
الرموز فعالة جدًا في المستوى الثاني.
قد يستطيع المواطن أن يتعرف إلى معظم الأحزاب من علاماتها، لكنه لا يشعر بالانتماء إلى أي منها.
وهذا الفرق يساعدني على فهم مفارقة مهمة: ارتفاع درجة شهرة الأحزاب لا يعني بالضرورة ارتفاع الثقة السياسية أو قوة الاندماج الحزبي.
فالهوية البصرية تستطيع صناعة التعرف، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة الشرعية.
الرمز باعتباره مساحة للصراع
ليست العلامات السياسية محايدة كذلك؛ فهي تدخل في الصراع السياسي.
الحزب يحاول أن يمنح رمزه دلالة إيجابية، وخصومه قد يحاولون قلب هذه الدلالة أو السخرية منها أو إعادة تفسيرها.
وهنا يصبح الرمز ساحة للصراع الدلالي.
إنه لا ينتمي بالكامل إلى الحزب بعد دخوله الفضاء العمومي.
فالجمهور والصحافة والخصوم ومستخدمو شبكات التواصل يستطيعون إعادة إنتاجه وتحويره وتحميله بمعانٍ جديدة.
وهذا يفسر لماذا تصبح بعض الرموز مادة للنكات السياسية أو الرسوم الساخرة أو الحملات المضادة.
في هذه اللحظة يفقد الحزب السيطرة الكاملة على علامته.
وهذه نقطة أساسية في التواصل السياسي: المؤسسة تصنع الرمز، لكن المجتمع يشارك في صناعة معناه.
من سيمياء الانتخابات إلى سوسيولوجيا الثقة
أعتقد أن دراسة الرموز الحزبية المغربية ستكون محدودة إذا بقيت حبيسة التحليل السيميائي.
السيمياء تخبرنا بكيفية إنتاج الدلالة، لكنها لا تخبرنا وحدها بكيفية تحول الدلالة إلى ثقة أو تصويت أو عزوف.
لذلك ينبغي وصلها بعلم الاجتماع السياسي وعلم النفس الانتخابي.
السؤال الأهم ليس فقط: ماذا يرى المواطن؟
بل أيضًا: ماذا يتذكر؟ ماذا يشعر؟ ماذا يصدق؟ ومتى تتحول العلامة إلى قرار انتخابي؟
هنا تتدخل عوامل أخرى: الأداء الاقتصادي، التجربة الحكومية، المرشح المحلي، الروابط الاجتماعية، التغطية الإعلامية، القيادة، الحملات، والانطباعات المتراكمة.
وبالتالي فإن الرمز لا ينبغي أن يُدرس بوصفه سببًا مستقلاً للتصويت، وإنما باعتباره عنصرًا داخل شبكة واسعة من المؤثرات.
الاختبار الديمقراطي الحقيقي
بالنسبة إليّ، لا تكمن المشكلة في أن تكون للأحزاب رموز قوية.
كل سياسة تحتاج إلى تمثيلات بصرية، وكل مؤسسة تحتاج إلى هوية تساعد الجمهور على معرفتها.
المشكلة تظهر عندما تتحول قوة الرمز إلى تعويض عن ضعف النقاش البرنامجي.
فالديمقراطية تحتاج إلى ذاكرة بصرية، لكنها تحتاج أكثر إلى ذاكرة سياسية.
تحتاج إلى ناخب يعرف الحزب، لكنه يعرف كذلك ما وعد به وما صوّت عليه وما أنجزه وما أخفق فيه.
وهنا أميز بين مرحلتين في تطور الثقافة الانتخابية.
في المرحلة الأولى تساعد العلامة المواطن على معرفة من هو الحزب.
وفي المرحلة الثانية يصبح السؤال: ماذا فعل الحزب؟
والانتقال من السؤال الأول إلى الثاني هو، في تقديري، أحد مؤشرات النضج الديمقراطي.
فالناخب لا ينبغي أن يتخلص من الرموز، بل أن يضعها في مكانها الصحيح: وسيلة للتعرف، لا أساسًا للحكم.
خاتمة: السياسة وراء الصورة
أنظر إلى الرموز الحزبية المغربية في النهاية باعتبارها أرشيفًا مختصرًا للتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب. فهي تكشف عن علاقة طويلة بين الصورة والانتخابات، وبين الحزب والذاكرة، وبين التواصل والهوية.
لكن قيمتها العلمية الحقيقية لا تكمن في تفسير كل علامة على حدة، وإنما في فهم النظام الذي تنتظم داخله جميع هذه العلامات.
إنها تخبرنا بأن السياسة لا تُمارس بالكلمات والبرامج والمؤسسات وحدها، بل كذلك عبر الصور والألوان والإشارات والذاكرة البصرية.
وتخبرنا أيضًا بأن الحزب يحتاج إلى أن يكون مرئيًا قبل أن يكون مقروءًا، وقابلًا للتذكر قبل أن يدخل في المنافسة على الإقناع.
غير أن الخط الفاصل الذي أراه حاسمًا يظل بين التعرف السياسي والمعرفة السياسية.
يمكن للناخب أن يتعرف إلى جميع الأحزاب من علاماتها، من دون أن يعرف بما يكفي عن برامجها أو ممارساتها.
ومن هنا يصبح التحدي الحقيقي أمام الثقافة الديمقراطية المغربية هو تحويل الرمز من نقطة نهاية إلى نقطة بداية: أتعرف إلى الحزب من علامته، ثم أذهب أبعد منها، إلى برنامجه، وتاريخه، وحصيلته، وخياراته، ومسؤوليته السياسية.
فالعلامة تستطيع أن تقودني إلى الحزب، لكنها لا ينبغي أن تقرر نيابة عني ماذا أعتقد فيه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق