الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، أكتوبر 30، 2026

خريف الكتب العربية: روايات الذاكرة والمنفى والتاريخ تعود إلى واجهة المكتبات : عبده حقي


لا تبدو المكتبة العربية في الأسابيع الأخيرة من خريف 2026 ساكنة كما قد يوحي به ذلك الخطاب المتشائم الذي يكرر منذ سنوات أن الكتاب خسر معركته أمام الهاتف الذكي والمنصات الاجتماعية والفيديو القصير. فما إن نتتبع ما يصل تباعًا إلى رفوف المكتبات وما تعلنه دور النشر العربية من القاهرة إلى بيروت وعمّان والشارقة ودمشق، حتى نجد أنفسنا أمام حركة نشر واسعة ومتنوعة، تتجاور فيها الرواية مع الفكر والتاريخ والترجمة والسيرة والدراسات الاجتماعية، ويعود فيها الكتاب، ولو وسط سوق ثقافية صعبة، ليعلن أنه لم يغادر المشهد بعد.

الجديد هذه المرة ليس فقط عدد العناوين، وإنما طبيعة الأسئلة التي تحملها هذه الكتب. فالقارئ العربي يجد أمامه أعمالًا تنبش الذاكرة السياسية، وأخرى تستعيد المنفى الفلسطيني، وروايات تعيد بناء التاريخ الاستعماري، وكتبًا تسائل معنى العمل والحضارة والعلاقة بين الشرق والغرب، فضلًا عن حضور واضح للترجمة ولأدب الأطفال والناشئة. وبذلك يبدو موسم الخريف الحالي أشبه بخريطة مصغرة لما يشغل الإنسان العربي اليوم: الهوية، والحرب، والذاكرة، والهجرة، والانتماء، ومراجعة التاريخ، والبحث عن معنى للوجود الفردي داخل عالم سريع التحول.

ومن أبرز العناوين التي دخلت المشهد خلال الأيام الأخيرة رواية «أنا ونابليون» للروائي الجزائري أحمد طيباوي، الصادرة عن دار الشروق المصرية. وتعود الرواية إلى الجزائر في ستينيات القرن التاسع عشر، مستحضرة مرحلة من تاريخ الاحتلال الفرنسي ضمن بناء روائي يجعل التاريخ مادة للسؤال لا مجرد خلفية زمنية. وقد وضعتها دار الشروق ضمن أحدث إصداراتها إلى جانب مجموعة من الكتب الجديدة في الرواية والفكر والسيرة.

وأهمية عمل من هذا النوع لا تكمن فقط في استعادة حقبة استعمارية، بل في الطريقة التي أصبحت الرواية العربية بها تتعامل مع التاريخ بوصفه مجالًا مفتوحًا لإعادة النظر في الذاكرة الجماعية. لم يعد الروائي في كثير من الأعمال الجديدة يكتفي بحكاية فرد معزول، وإنما يعيد الفرد إلى قلب التحولات الكبرى، ويحاول استعادة ما قد تسقطه الكتب الرسمية أو السرديات المنتصرة. ومن هنا يمكن فهم الجاذبية التي باتت تمارسها الرواية التاريخية في المغرب العربي والمشرق معًا، خصوصًا في زمن يتزايد فيه الصراع حول الذاكرة ومن يملك حق روايتها.

وفي مصر أيضًا واصلت الهيئة المصرية العامة للكتاب حضورها بإصدارات جديدة، من بينها رواية «شعاع نون» لنهى السيد مبارك، الصادرة ضمن سلسلة «كتابات جديدة»، إضافة إلى المجموعة القصصية «أباطيل» للكاتبة القطرية هدى النعيمي ضمن سلسلة «الإبداع العربي». وبين الرواية والقصة القصيرة تحافظ المؤسسات الرسمية المصرية على مساحات للنصوص الجديدة، وهو أمر يكتسب أهميته في سوق أصبح الوصول إليها أكثر صعوبة أمام الكتّاب الشباب بسبب ارتفاع تكاليف الطباعة والتوزيع.

وفي السادس والعشرين من أكتوبر أضيف إلى المشهد كتاب «كلام حارتنا» ليسري أبو القاسم، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وهو عمل يتوقف عند مفردات الحارة المصرية وعالمها اللغوي والاجتماعي. وقد يبدو الموضوع للوهلة الأولى محليًا شديد الخصوصية، لكن الاهتمام باللغة اليومية والفضاء الشعبي هو في الحقيقة جزء من عودة أوسع إلى التفاصيل الصغيرة التي تكوّن ذاكرة المجتمعات. فالمدينة العربية تتغير بسرعة، وتختفي مفردات وأمكنة وعلاقات كانت قبل عقود جزءًا من الحياة اليومية؛ ولذلك يتحول توثيق اللغة الشعبية نفسها إلى شكل من أشكال حفظ الذاكرة.

أما في بيروت، التي استعادت خلال أكتوبر جزءًا من زخمها التقليدي بوصفها واحدة من عواصم الكتاب العربي، فقد كان معرض بيروت العربي الدولي للكتاب مناسبة لإطلاق عدد مهم من الأعمال الجديدة. وشاركت دار هاشيت أنطوان ـ نوفل بمجموعة من الإصدارات التي تنوعت بين الروايات والسير والكتب السياسية والترجمات، في مؤشر على أن سوق النشر اللبنانية، رغم الأزمات الاقتصادية التي عرفها لبنان خلال السنوات الأخيرة، ما زالت تحتفظ بدور مركزي في الصناعة الثقافية العربية.

وتكشف هذه الحركة اللبنانية مفارقة لافتة. فبينما يتحدث الناشرون والكتاب باستمرار عن تقلص القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الطباعة، تتكاثر العناوين وحفلات التوقيع والفعاليات. وقد أثار هذا الوضع نفسه نقاشًا ثقافيًا في لبنان خلال أكتوبر حول ما إذا كانت كثافة النشر تعني بالضرورة وجود كثافة مماثلة في القراءة، أم أن عدد الكتب بدأ يتجاوز قدرة السوق الحقيقية على استيعابها.

ومن الكتب التي تفرض حضورها في هذه الجولة رواية «خارج السرب» للكاتب والصحافي الفلسطيني ـ الأميركي نظام المهداوي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. تنفتح الرواية على عالم المنفى الفلسطيني وأسئلة الهوية والفقد والأبوة والعمل الصحافي والبحث عن مكان يمكن تسميته وطنًا. تبدأ من طفولة فلسطينية في الخليج، ثم تتنقل عبر فلسطين ولبنان والغزو العراقي للكويت والهجرة إلى الولايات المتحدة والعمل الصحافي في واشنطن.

ما يثير الانتباه هنا أن المنفى لم يعد في الرواية الفلسطينية الحديثة مجرد مكان بعيد عن الوطن، بل أصبح هو نفسه تجربة وجودية كاملة. فالشخصية قد تولد خارج فلسطين، وتكبر في بلد آخر، وتنتقل إلى قارة ثالثة، لكنها تظل تحمل سؤال الأصل كأن الجغرافيا الأولى تلاحقها مهما ابتعدت عنها. وتبدو «خارج السرب» من هذا المنظور جزءًا من أدب فلسطيني متجدد يعيد التفكير في معنى الوطن لدى الأجيال التي لم تعش المكان الأول مباشرة، وإنما ورثته عبر الحكايات والصور والغياب.

وبالقرب من هذا العالم تأتي رواية «ابحثي عمّا ليس هناك» للكاتبة لمى سخنيني، الصادرة عن دار العائدون للنشر والتوزيع في عمّان. تحكي الرواية مسيرة امرأة فلسطينية تدعى سلام، وتجمع بين الواقع الوطني الفلسطيني والتجربة الشخصية والبعد الروحاني والفانتازي، متنقلة عبر محطات من تاريخ المقاومة الفلسطينية وصولًا إلى تحولات الحياة الخاصة للبطلة ومحاولتها التحرر من دوائر القهر.

ويبدو لافتًا في هذين العملين أن القضية الفلسطينية تدخل الرواية من باب الإنسان قبل الشعارات. هناك امرأة وحيدة، وأسرة، وطفولة، وأبوة، ومنفى، ومخيم، وعلاقات متصدعة؛ أي إن القضية الكبرى تتحول إلى مصائر فردية ملموسة. وربما تكون هذه إحدى أهم التحولات التي عرفها الأدب الفلسطيني والعربي خلال العقود الأخيرة: الانتقال من الشخصية التي تمثل القضية إلى الإنسان الذي يعيش القضية بكل تناقضاته وضعفه وأحلامه.

ومن سوريا يأتي صوت سردي مختلف عبر المجموعة القصصية «أصفح لكم عن جسدي وخيالي» للكاتب السوري أنس الأسعد، الصادرة عن دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع. تضم المجموعة نصوصًا تتنوع بين السيرة المتخيلة والعوالم المستقبلية الساخرة والتجريب في الأشكال واللغات السردية، وتتحرك فضاءاتها بين دمشق وبيروت والقاهرة، في ما يشبه رسم خريطة سردية لمدن عربية متشابكة بالذاكرة والهجرة والثقافة.

ولا تغيب سوريا عن الكتب الفكرية والسياسية الجديدة أيضًا. فقد أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر كتاب الباحث والإعلامي إبراهيم الجبين «من فيصل الأول إلى أحمد الشرع: لحظات سورية الفارقة»، وهو عمل يقارب قرنًا من تحولات فكرة الدولة السورية، من البدايات المبكرة لمشاريع الدولة العربية الحديثة إلى التحولات السياسية الراهنة. وقد ظهر الكتاب ضمن الإصدارات الحديثة المسجلة في منتصف أكتوبر.

وحضور كتاب كهذا في هذا التوقيت يوضح إلى أي حد أصبحت دور النشر العربية تستجيب سريعًا للتحولات السياسية الكبرى. فالكتاب لم يعد ينتظر دائمًا أن تتحول الوقائع إلى تاريخ بعيد، بل أصبح يقترب من الأحداث وهي لا تزال تتحرك أمامنا، محاولًا بناء سياق طويل يساعد القارئ على فهم الحاضر من خلال الماضي.

أما دار الساقي، إحدى الدور البيروتية المعروفة عربيًا، فقد واصلت نشاطها بين معارض بيروت وأربيل والجزائر والشارقة. ومن أحدث أخبارها الإعلان في السابع والعشرين من أكتوبر عن قرب صدور الترجمة العربية لكتاب La Dislocation للمؤرخ والأنثروبولوجي الفرنسي إيمانويل تود، وهو كتاب يقرأ التحولات العميقة التي يشهدها العالم الغربي وما يعتبره المؤلف عمليات تفكك داخلية تطاول البنى الاجتماعية والسياسية.

مجرد الإعلان عن ترجمة عمل كهذا يستحق التوقف عنده، لأن الترجمة العربية ما زالت واحدة من أهم النوافذ التي يصل من خلالها القارئ إلى النقاشات الفكرية العالمية. وفي زمن أصبحت فيه التحولات الدولية متسارعة إلى درجة تجعل كتب السياسة أحيانًا تتقادم خلال سنوات قليلة، تزداد الحاجة إلى ترجمات سريعة تضع القارئ العربي داخل النقاش العالمي بدل أن تجعله يصل إليه متأخرًا.

ومن إصدارات الساقي التي تحركت بقوة خلال موسم بيروت كذلك رواية «غرفة المرايا» لرامي طويل، التي احتفت الدار بإطلاقها وتوقيعها خلال معرض بيروت في السادس عشر من أكتوبر. كما برز كتاب «البرتغاليون في الخليج العربي: صراع الممرات البحرية وبوادر الهيمنة الأوروبية 1507–1622» لخالد بن محمد مبارك القاسمي، وهو عمل تاريخي يعيد قراءة المنافسة على الممرات البحرية وبدايات النفوذ الأوروبي في الخليج، واضعًا الجغرافيا والتجارة والقوة البحرية في قلب تفسير الصراع الاستعماري.

وهنا نلمس ظاهرة تستحق الانتباه: التاريخ البحري والجغرافيا السياسية يعودان بقوة إلى الكتب العربية. وربما ليس ذلك منفصلًا عن حاضرنا؛ فحين تمتلئ الأخبار اليومية بالموانئ والمضائق وخطوط التجارة والطاقة والممرات البحرية، يصبح الرجوع إلى تاريخ السيطرة على البحر وسيلة لفهم عالم لم تتغير قوانين القوة الأساسية فيه بالقدر الذي نتصوره.

وفي مجال الفكر والترجمة برز أيضًا كتاب «فلسفة العمل» لس. ديليزيل برنز بترجمة محسن ويفي ومراجعة أحمد زايد، والصادر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة. والكتاب يعيد سؤالًا قديمًا ومتجددًا: هل العمل مجرد وسيلة للحصول على الدخل، أم أنه جزء من تشكيل الإنسان وهويته وعلاقته بالمجتمع؟ وقد ظهر ضمن موجة من الإصدارات الحديثة التي تجمع بين الفلسفة والتاريخ والأدب.

إن إعادة طرح فلسفة العمل اليوم تكتسب معنى إضافيًا في عصر الذكاء الاصطناعي والأتمتة والعمل عن بعد. فما كان في زمن الكتاب سؤالًا أخلاقيًا واجتماعيًا حول قيمة العمل، أصبح اليوم أيضًا سؤالًا تكنولوجيًا: ما الذي سيبقى من معنى المهنة حين تستطيع الخوارزمية أداء جزء متزايد من وظائف البشر؟ وهل سنواصل تعريف الإنسان من خلال وظيفته إذا أصبحت الحدود بين الجهد البشري والعمل الآلي أقل وضوحًا؟

ومن الإصدارات التي تعيد مساءلة التاريخ الثقافي كتاب «أثر الحضارة العربية الإسلامية على أوروبا» للدكتور عبد الحميد حسين محمود حمودة، الذي ظهر في الرابع والعشرين من أكتوبر. وهو موضوع يعرفه القارئ العربي جيدًا من حيث العنوان العام، لكن عودته المستمرة إلى البحث والتأليف تؤكد أن العلاقة بين الحضارة العربية الإسلامية وأوروبا لا تزال مجالًا تتجدد داخله الأسئلة حول انتقال العلوم والمعارف والفلسفات وأشكال التأثير المتبادل.

ولا تقتصر الحيوية الراهنة على كتب الكبار. فالمتابعة اليومية لسوق الكتاب تكشف أيضًا نشاطًا ملحوظًا في أدب الطفل والناشئة. ففي الثاني والعشرين من أكتوبر وحده ظهرت مجموعة من العناوين لدى «أصالة للطباعة والنشر والتوزيع»، من بينها «مملكة الشمع ومملكة الجليد» لهدى الوليلي، و**«رحلة على الورق» لمريم عصام**، وكتاب مبسط عن الخوارزمي لنوار عضايلة، إلى جانب قصص ومواد تعليمية تركز على اللغة والمشاعر والقيم والبيئة والتواصل.

وهذا الجانب من النشر لا ينبغي النظر إليه بوصفه هامشيًا. فإذا كانت المجتمعات العربية تشتكي باستمرار من تراجع القراءة، فإن بناء قارئ المستقبل يبدأ من الكتاب الذي يصل إلى الطفل قبل أن تستحوذ عليه الشاشة نهائيًا. ولا تعني المنافسة مع المنصات الرقمية أن كتاب الطفل يجب أن يقلدها، بل ربما عليه أن يطور منطقه البصري والسردي الخاص، ويحوّل القراءة إلى تجربة في الاكتشاف والخيال لا إلى واجب مدرسي.

وبالعودة إلى الرواية، يمكن ملاحظة أن دار الشروق تقدم خلال موسمها الراهن مجموعة واسعة من العناوين، من بينها إلى جانب «أنا ونابليون» رواية «أنثى فرس النبي» لمناهل السهوي، وهي الرواية الأولى للكاتبة والحاصلة على جائزة خالد خليفة للرواية في دورتها الأولى، إضافة إلى كتب وروايات أخرى لخالد الخميسي وإبراهيم فرغلي ومحمد أبو الغار وغيرهم.

هذا التنوع يذكرنا بأن خريطة النشر العربية لم تعد تنتظم فقط حول أسماء قليلة راسخة، وإنما باتت الجوائز وورش الكتابة والمنصات الثقافية والمعارض تفتح أبوابًا أمام أصوات جديدة، وإن ظل الوصول إلى القارئ والتوزيع العابر للحدود من أعقد مشكلات صناعة الكتاب. فقد يصدر كتاب في القاهرة ولا يصل بسهولة إلى الدار البيضاء، ويطبع آخر في بيروت ولا يجده قارئ في تونس أو الجزائر إلا بعد أشهر أو من خلال الطلب الإلكتروني.

وإذا أردنا قراءة ما وراء هذه العناوين، فسوف نكتشف أن الذاكرة هي ربما الكلمة الأكثر حضورًا في خريف الكتاب العربي الحالي. ذاكرة الاستعمار في «أنا ونابليون»، وذاكرة المنفى في «خارج السرب»، والذاكرة الفلسطينية في «ابحثي عما ليس هناك»، وذاكرة الدولة والتحولات في كتاب إبراهيم الجبين، وذاكرة الصراع البحري في «البرتغاليون في الخليج العربي»، بل وحتى الذاكرة اليومية للحارة المصرية في «كلام حارتنا».

كأن الكتاب العربي، وهو يعيش في زمن السرعة الرقمية، أصبح أكثر خوفًا من النسيان. وكلما تسارعت الأخبار والصور والمنشورات العابرة، ازدادت الحاجة إلى نص طويل يحتفظ بما لا تحتفظ به شاشة الهاتف. الكتاب في هذا المعنى ليس مجرد وعاء للمعلومات، وإنما مقاومة لزمن يمحو ذاكرته باستمرار.

لكن الصورة ليست رومانسية بالكامل. كثرة الإصدارات لا تعني بالضرورة اتساع دائرة القراء. فصناعة النشر العربية ما تزال تواجه ارتفاع تكلفة الورق والطباعة والشحن، وضعف شبكات التوزيع، ومحدودية المكتبات العامة، وتفاوت القدرة الشرائية بين بلد وآخر. كما تواجه تحديًا أكثر عمقًا يتمثل في الانتقال من ثقافة «الاحتفاء بالكتاب» إلى ثقافة قراءة الكتاب. فنحن نمتلك معارض ضخمة وحفلات توقيع كثيرة، لكن السؤال الحقيقي يظل: ماذا يحدث للكتاب بعد انتهاء المعرض وانطفاء كاميرات حفل التوقيع؟

ومع ذلك، تمنحنا جولة أكتوبر 2026 أسبابًا كافية لعدم إعلان موت الكتاب. فمن القاهرة إلى بيروت وعمّان والشارقة، ما زال كتّاب يكتبون، ومترجمون ينقلون، وناشرون يخاطرون، وقراء يبحثون عن عنوان جديد. وتتحرك الكتب بين الرواية والتاريخ والفلسفة والسيرة والطفولة، وكأن المكتبة العربية تصر على أن تكون أكثر اتساعًا من الخلافات السياسية والحدود الجغرافية.

ربما تغيرت علاقتنا بالقراءة، وربما لم يعد الكتاب يحتكر المعرفة كما كان قبل الإنترنت، لكن ذلك لا يعني أنه فقد ضرورته. على العكس، قد يكون زمن التدفق الرقمي الهائل هو الزمن الذي نحتاج فيه إلى الكتاب أكثر، لأن المشكلة لم تعد ندرة المعلومات، بل كثرتها؛ لم نعد نبحث فقط عما نقرأ، وإنما عما يستحق أن نتوقف عنده طويلًا.

ومن هنا فإن هذه الإصدارات الجديدة لا تمثل مجرد قائمة موسمية تضاف إلى خزائن المكتبات، بل تكشف عن أسئلة عالم عربي يحاول أن يفهم ذاته عبر السرد والتاريخ والترجمة. هناك كتاب يبحث عن وطن، وامرأة تحاول الخروج من قهرها، وروائي يعيد بناء زمن الاستعمار، ومؤرخ يعود إلى البحر ليقرأ الصراع على الممرات، ومفكر يسأل عن معنى العمل، وناشر يراهن على طفل قد يصبح قارئ الغد.

وبين هذه الأصوات جميعًا يظل الكتاب العربي حيًا، لا لأنه انتصر على الشاشة، فهذه معركة خاطئة أصلًا، وإنما لأنه ما يزال قادرًا على فعل شيء لا تمنحه لنا السرعة الرقمية بسهولة: أن يجبرنا على البقاء مع فكرة واحدة وقتًا كافيًا لكي تغير شيئًا في رؤيتنا للعالم.

الكاتب المغربي عبده حقي



0 التعليقات: