أراقب المشهد الثقافي والفني العالمي خلال الأيام الماضية، فأشعر بأننا لا نعيش مجرد موسم جديد من المهرجانات والمعارض والحفلات والعروض المسرحية، بل ندخل بهدوء صاخب إلى مرحلة تتغير فيها وظيفة الفن نفسه، وتتبدل معها العلاقة بين الفنان والجمهور والمؤسسة والمدينة والذاكرة. لم يعد الأمر يتعلق بعرض فيلم هنا، أو افتتاح معرض هناك، أو تنظيم حفلة في هذه العاصمة أو تلك، بل أصبحنا أمام شبكة عالمية شديدة الكثافة يتحرك داخلها الفن بوصفه قوة رمزية واقتصادية وسياسية وتكنولوجية، وبوصفه أيضًا واحدًا من آخر المجالات التي ما تزال قادرة على مقاومة اختزال الإنسان في مستهلك سريع، أو مستخدم لمنصة، أو رقم في خوارزمية. وما تكشفه حصيلة الأيام الماضية في العالم العربي وأوروبا وأمريكا هو أن الفن بدأ يستعيد دوره القديم والمتجدد في آن واحد: أن يكون مرآة للمجتمع، وخصمًا للرتابة، وساحة للصراع على الذاكرة والمعنى، ومختبرًا يعاد فيه التفكير في الجسد والهوية والسلطة والمستقبل.
في العالم العربي تبدو الصورة أكثر إثارة مما قد يظنه من لا يزال ينظر إلى الثقافة العربية بوصفها هامشًا تابعًا للمراكز الغربية. ما يجري في القاهرة والشارقة وأبوظبي ودبي والرياض ومدن عربية أخرى يثبت أن المنطقة لم تعد تكتفي باستضافة الفن، بل بدأت تدخل في معركة إنتاجه وتقديمه وتسويقه وصناعة جمهوره. وهذا التحول، في نظري، أهم بكثير من عدد المهرجانات أو بريق السجادة الحمراء. فالمشكلة القديمة في الثقافة العربية لم تكن يومًا غياب المواهب، بل غياب المنظومات التي تمنح هذه المواهب الاستمرارية والفضاء والتمويل والتراكم. واليوم نرى بذور هذه المنظومات تتشكل، وإن كانت ما تزال متفاوتة ونخبوية في بعض الأحيان.
في مصر، أعاد مهرجان الجونة السينمائي خلال دورته الأخيرة طرح السؤال القديم الجديد: هل نريد مهرجانًا للنجوم والصور، أم نريد منصة لصناعة السينما العربية نفسها؟ بالنسبة إلي، القيمة الحقيقية لم تعد في أسماء المشاهير الذين يعبرون السجاد الأحمر، بل في الأفلام التي تخرج من هوامش المنطقة، وفي الأصوات التي يصعب عليها الوصول إلى دور العرض، وفي المشاريع التي تحاول أن تجعل من السينما العربية أداة لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية والنفسية التي تعصف بمجتمعاتنا. احتفاء المهرجان بالذاكرة السينمائية، واستدعاء أسماء مثل محمد خان، ومنح مساحة للمواهب الجديدة، كلها مؤشرات إيجابية، لكنها لن تكون كافية إذا بقيت السينما العربية تدور في الدائرة نفسها: أفلام مهرجانات لا تجد طريقها إلى الجمهور، وجمهور جماهيري لا يجد أمامه سوى الإنتاج التجاري السريع.
وهنا أرى المفارقة العربية بوضوح: نحن ننتج سينما أكثر جرأة مما كان عليه الحال قبل عقدين، لكننا لم ننتج بعد شبكة توزيع عربية بالجرأة نفسها. لدينا مهرجانات، لكن ليس لدينا سوق عربية حقيقية للفيلم. لدينا مخرجون شباب يشتغلون على أسئلة الهجرة والذاكرة والعائلة والسلطة والجسد، لكن معظم أعمالهم لا تصل إلى المواطن العربي الذي يُفترض أنها تتحدث باسمه وعن واقعه. هذه الفجوة هي، في تقديري، المعركة الكبرى المقبلة.
وفي القاهرة أيضًا، يواصل مهرجان «دي-كاف» للفنون المعاصرة دفع الثقافة خارج القاعة التقليدية. وهذا مهم جدًا لأنني أعتقد أن أخطر ما أصاب الثقافة العربية خلال عقود هو حبسها داخل المؤسسات، وجعلها شأنًا بين الفنان والناقد والموظف الثقافي، بينما ظل الشارع خارج اللعبة. كل تجربة تعيد الفن إلى المدينة، إلى المبنى القديم، إلى الساحة، إلى المسار غير المتوقع، هي في جوهرها محاولة لإعادة الثقافة إلى أصحابها الحقيقيين: الناس. ولهذا فإن الفنون الأدائية والتركيبية والمشاريع التي تستخدم الجسد والفيديو والصوت ليست ترفًا تجريبيًا كما يصفها البعض، بل هي تعبير عن حاجة إلى أشكال جديدة للقول بعدما فقدت القوالب القديمة جزءًا كبيرًا من قدرتها على الصدمة والإقناع.
وأمام هذا المشهد، تبرز الموسيقى العربية مرة أخرى عبر مهرجاناتها الكبرى في مصر، وهي بدورها تقف أمام امتحان صعب. فلا يكفي أن نحتفي بالطرب والتراث وأن نستعيد الأسماء الكبيرة. السؤال الحقيقي هو: ماذا نفعل بهذا التراث؟ هل نضعه في متحف جميل ثم نغلق عليه الباب، أم نعيد إنتاجه وإدخاله في الحوار مع الموسيقى الإلكترونية والجاز والتجريب والتقنيات الجديدة؟ أنا أخشى كثيرًا من أن يتحول الدفاع عن التراث إلى ذريعة لتجميده. الفن الذي لا يتحول يموت، حتى وإن حاصره المعجبون بالتصفيق.
أما الإمارات، فهي تقدم اليوم نموذجًا مختلفًا لا يمكن تجاهله. أبوظبي والشارقة ودبي تتحول تدريجيًا إلى عقد ثقافية إقليمية ذات طموح دولي، لا عبر حدث واحد بل عبر تراكم المؤسسات والمتاحف وصالات العرض والبيناليات والبرامج التعليمية والمشاريع الفنية العامة. وما يثير اهتمامي في هذا النموذج ليس حجم الإنفاق وحده، كما يختصر البعض المسألة، بل محاولة خلق بيئة يستطيع فيها الفن أن يتحرك بين المتحف والشارع والجامعة والسوق والمنصة الدولية. بينالي أبوظبي للفن العام، مثلًا، يعيد العمل الفني إلى الفضاء المفتوح ويختبر علاقة الجمهور بالمدينة والمكان والذاكرة، بينما تواصل الشارقة بناء موقعها كواحدة من أكثر المدن العربية جدية في الاستثمار طويل النفس في الفنون المعاصرة.
ومنصة الشارقة للأفلام، باحتفائها بأسماء مثل عبد الرحمن سيساكو، تفتح أيضًا نافذة على سؤال أوسع: لماذا لا تزال السينما الإفريقية والعربية تُقرأ في كثير من الأحيان عبر البوابة الغربية قبل أن تُقرأ عربيًا؟ أرى أن أحد التحديات الثقافية الكبرى في منطقتنا هو بناء علاقات جنوب-جنوب حقيقية، لا شعاراتية. لدينا سينما مغاربية ومشرقية وإفريقية وآسيوية يمكن أن تتحاور مباشرة، من دون المرور الدائم عبر باريس وبرلين ولندن ونيويورك. إن فعلت المؤسسات العربية ذلك بجدية، سنكون أمام تحول ثقافي لا يقل أهمية عن أي تحول اقتصادي.
وفي أوروبا، تبدو باريس ولندن كأنهما تخوضان معركة جديدة للحفاظ على مركزية ثقافية اهتزت كثيرًا خلال العقود الأخيرة. باريس استعادت خلال السنوات الماضية حضورها بقوة في سوق الفن العالمي، ومع «آرت بازل باريس» يبدو أن المدينة تريد أن تقول بوضوح إن زمن انحصار السوق الدولية بين لندن ونيويورك قد انتهى. لكن ما يلفتني هنا هو الجانب المقلق أيضًا: الفن أصبح أكثر ارتباطًا برأس المال الضخم من أي وقت مضى. أعمال بملايين وعشرات الملايين، جامعو مقتنيات، صناديق استثمار، مؤسسات مصرفية، مزادات وأسواق؛ كل ذلك يجعلني أتساءل: إلى أي حد يستطيع الفن أن يبقى حرًا وهو يتحول إلى أصل مالي؟
هذه ليست حجة ضد السوق، فالفنان يحتاج إلى البيع والعيش والانتشار، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح السعر هو اللغة الأساسية للحكم على العمل. أخشى أن نصل إلى مرحلة يسأل فيها الجمهور عن ثمن اللوحة قبل أن يسأل عما تقوله. وحين يحدث ذلك يفقد الفن جزءًا من منطقه الداخلي ويصبح تابعًا للضجيج المالي. غير أن باريس لا تزال، في المقابل، تنتج معارض مهمة تعيد كتابة تاريخ الحداثة، وتسترجع فنانين وجامعي فن ومراحل تاريخية جرى تهميشها، وهذا التوتر بين السوق والبحث المعرفي هو ما يجعل المشهد الفرنسي مهمًا ومثيرًا للنقاش.
لندن من جهتها تحافظ على قوة استثنائية في المسرح. وما يدهشني في المسرح البريطاني هو أنه لا يخشى العودة إلى النصوص الكلاسيكية، لكنه لا يعود إليها خاضعًا. «ماكبث» يمكن أن يولد في ملهى ليلي، و«الملك لير» يمكن أن يُعاد تفكيكه بلغة معاصرة، والمسرحية يمكن أن تستعير من السينما ومن الموسيقى ومن الفنون الرقمية من دون أن تفقد هويتها. وهنا أرى درسًا مهمًا للمسرح العربي. مشكلتنا ليست في النصوص التراثية ولا في المسرح الكلاسيكي، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها. حين يتحول التراث إلى تابوت، يختنق المسرح. وحين يتحول إلى مادة للحوار والنقد والتفكيك، يعود إلى الحياة.
أما الولايات المتحدة، فتقدم الصورة الأكثر وضوحًا لتحول الحدود بين الثقافة الشعبية والفن المتحفي. دخول نجم من عالم البوب الكوري مثل RM إلى مؤسسة فنية كبرى في سان فرانسيسكو، ليس مجرد استثمار في الشهرة، بل مؤشر على تغير جذري في هوية الجمهور الثقافي. المتحف لم يعد ينتظر المتلقي التقليدي الذي يعرف تاريخ المدارس الفنية، بل يبحث عن جمهور يأتي من الموسيقى ومن شبكات التواصل ومن ثقافات الشباب. البعض سيقول إن هذا تنازل أمام النجومية، لكنني أرى أن المسألة أعمق. المؤسسات التي لا تعثر على أجيال جديدة من الجمهور ستتحول ببطء إلى مقابر أنيقة.
المهم ألا تنزلق هذه المؤسسات إلى تحويل الفن إلى مجرد منتج قابل للتصوير والنشر على إنستغرام. فالمتحف الذي يجذب جمهورًا جديدًا ثم لا يدفعه إلى التفكير لم ينجز سوى نصف المهمة. الثقافة ليست عدد الزوار فقط، كما أن نجاح معرض ليس بعدد الصور التي نُشرت عنه، بل بالأثر الذي يتركه في طريقة رؤية الإنسان للعالم.
ويثيرني أيضًا تنامي حضور فنون الشعوب الأصلية داخل المؤسسات الأمريكية. هذا ليس تفصيلًا. لسنوات طويلة كتبت المتاحف تاريخ أمريكا بمنظور ناقص، بل منحاز أحيانًا، وأقصت أصواتًا وتجارب كاملة. اليوم تدخل قضايا الأرض والهوية والسيادة والذاكرة بقوة إلى قلب المؤسسة الفنية. وإذا كان هذا التصحيح قد تأخر، فإنه يطرح سؤالًا علينا نحن العرب أيضًا: أين فن الأطراف والجبال والقرى والأقليات واللغات المحلية داخل مؤسساتنا؟ من يمثل من؟ ومن يقرر ما هو «الفن الوطني» وما هو الهامشي؟
كلما نظرت إلى هذه الخريطة العالمية، ازددت اقتناعًا بأن المعركة الثقافية الحقيقية لم تعد بين الشرق والغرب كما كان البعض يتصور، بل بين رؤيتين للعالم: رؤية تريد تحويل كل شيء إلى سلعة ومحتوى سريع، ورؤية أخرى تحاول الدفاع عن التعقيد والبطء والذاكرة والاختلاف. السينما اليوم تقاوم الفيديو القصير، والمسرح يقاوم شاشة الهاتف، والكتاب يقاوم التنبيه المتواصل، واللوحة تقاوم اقتصاد الصورة الذي ينتج مليارات الصور يوميًا. وهذه مقاومة غير متكافئة، لكنها ضرورية.
أنا لا أؤمن بأن التكنولوجيا عدو للفن. على العكس، كل مرحلة فنية كبرى وُلدت من لقاء جديد بين التقنية والخيال. التصوير الفوتوغرافي غيّر الرسم، والسينما غيّرت المسرح، والتسجيل غيّر الموسيقى، والإنترنت غيّر كل شيء. وما يحدث اليوم مع الذكاء الاصطناعي لن يكون مختلفًا. لكن الخطر يكمن في تحويل الفنان من صاحب رؤية إلى مجرد مستخدم للأداة، وتحويل الجمهور من متلقٍ قادر على التأمل إلى مستهلك يمر على العمل في ثانيتين ثم يواصل التمرير.
لهذا أرى في تعدد المهرجانات والمعارض والعروض خلال هذه الأيام خبرًا إيجابيًا، لكنني لا أتعامل معه بسذاجة احتفالية. كثرة الأحداث لا تعني بالضرورة ازدهار الثقافة. قد يكون لدينا مئة مهرجان في العام ولا نملك جمهورًا قارئًا، وقد نفتتح عشرات المتاحف ولا ننتج معرفة نقدية، وقد نستضيف أكبر النجوم بينما يبقى الفنان المحلي عاجزًا عن دفع إيجار محترفه. الأرقام وحدها تخدع.
المعيار الذي أؤمن به أبسط وأصعب: هل جعلتنا هذه الأنشطة أكثر قدرة على السؤال؟ هل وسعت دائرة الجمهور؟ هل منحت الشباب مساحة حقيقية؟ هل خلقت أرشيفًا وذاكرة ومؤسسات مستدامة؟ هل سمحت للفنان بأن يختلف ويعارض ويغامر؟ وهل جعلت الثقافة جزءًا من الحياة اليومية لا زينة موسمية للمدن؟
من القاهرة إلى أبوظبي والشارقة، ومن باريس ولندن إلى نيويورك وسان فرانسيسكو، أرى عالمًا فنيًا شديد الحيوية وشديد القلق في الوقت نفسه. الجميع يبحث عن الجمهور الجديد. الجميع يبحث عن لغة تستطيع البقاء في عصر الخوارزميات. الجميع يحاول أن يجيب عن السؤال نفسه بطريقة مختلفة: ماذا يبقى من الإنسان عندما تصبح الصورة أسرع من الذاكرة، والمعلومة أسرع من التفكير، والمنصة أسرع من المؤسسة؟
أعتقد أن الفن هو أحد الأماكن القليلة التي لا تزال تسمح لنا بأن نتباطأ، وأن نشك، وأن نرى العالم من زاوية لا تقدمها لنا نشرات الأخبار ولا الخوارزميات. ولهذا فإن المعركة على الفن ليست معركة ترف. إنها معركة على نوع الإنسان الذي نريد أن نكونه.
خريف 2026 لا يخبرني فقط بأن هناك أفلامًا جديدة ولوحات جديدة وحفلات ومسرحيات. إنه يخبرني بأن العالم كله يعيد ترتيب علاقته بالخيال. بعض المدن تستثمر في الفن لكي تصبح أكثر جاذبية، وبعض المؤسسات تبحث عن جمهور جديد، وبعض الفنانين يحاولون استعادة ذاكرة مسروقة، وبعض الأسواق ترفع الأسعار إلى مستويات مذهلة، لكن خلف كل ذلك يظل السؤال الجوهري قائمًا: هل سيبقى الفن قادرًا على إزعاجنا؟
فالفن الذي لا يزعجني، ولا يدفعني إلى مراجعة فكرة، ولا يكشف لي ما كنت أتجنب رؤيته، سرعان ما يتحول إلى ديكور. والثقافة التي لا تقلق السلطة والسوق والذوق السائد ليست دائمًا ثقافة حية، بل قد تكون مجرد احتفال منظم بعناية.
لهذا أتابع هذا الخريف الثقافي بكثير من الحماس، وبقدر مماثل من الحذر. أحتفي بكل نافذة جديدة للفن، لكنني لا أريد أن تتحول النوافذ إلى واجهات تجارية فقط. أرحب بكل مهرجان جديد، لكنني أريد أن أعرف ماذا سيبقى منه بعد أن تُطفأ الأضواء. وأفرح بكل متحف يُفتتح، لكنني أسأل من سيدخله، ومن سيمثله، ومن سيكتب تاريخه.
تلك، في النهاية، هي القضية كلها: لسنا في حاجة إلى مزيد من الفن فقط، بل إلى فن أكثر حرية، وأكثر جرأة، وأكثر قدرة على حماية الإنسان من العالم السريع الذي صنعه بنفسه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق