أتابع الصحافة الأوروبية اليوم فلا أجد القارة التي اعتدنا أن تقدم نفسها للعالم باعتبارها نموذج الاستقرار الاجتماعي والرفاه والديمقراطية الهادئة، بل أرى قارة يزداد قلقها من الداخل، تتكاثر فيها إشارات التوتر، ويصبح فيها السؤال عن فاتورة الكهرباء، وثمن الوقود، وإيجار السكن، ومستقبل الوظيفة، أكثر حضورًا في حياة الناس من الشعارات الكبرى التي طالما رفعتها المؤسسات الأوروبية عن القوة والاستقلال والازدهار. أوروبا لا تنهار، ولا أعتقد أن من الجدية اختزال واقعها في مشهد أسود، لكنها بالتأكيد تعيش مرحلة اهتزاز اجتماعي وسياسي عميق، مرحلة بدأت فيها الهوة بين لغة الحكومات ولغة الشارع تتسع بسرعة لا يمكن تجاهلها.
ما أقرأه في الصحافة الفرنسية والإسبانية والبلجيكية والألمانية والإيطالية والبريطانية خلال هذا الأسبوع يقودني إلى خلاصة واضحة: الأوروبي العادي أصبح أقل ثقة في الوعود وأكثر حساسية تجاه تكلفة الحياة، والحكومة الأوروبية أصبحت مطالبة بأن تشرح له لماذا عليه أن يدفع أكثر، ويصبر أكثر، ويتحمل أكثر، بينما لا يشعر هو أن الدولة تقدم له مقابلاً مقنعًا لهذا الصبر.
في فرنسا، يبدو المشهد أكثر كثافة واحتقانًا. فرنسا التي اعتادت أن تجعل من الشارع جزءًا من توازنها الديمقراطي تعود اليوم إلى الشارع بلغة أكثر غضبًا. ليست المشكلة في احتجاج واحد ولا في قرار اقتصادي واحد، بل في تراكم طويل من الإحساس بأن الأسعار تتحرك أسرع من الأجور، وأن الدولة تريد من المواطن أن يقتنع بالأرقام الكبرى بينما حياته اليومية تسير في اتجاه آخر.
أنا لا أرى في الاحتجاجات الفرنسية مجرد رد فعل على غلاء الوقود أو المواد الغذائية، بل أراها تعبيرًا عن أزمة ثقة. المواطن الفرنسي يسمع عن العجز والدين والإصلاحات وضرورة ضبط الميزانية، لكنه يسأل سؤالًا بسيطًا: وماذا عن قدرتي أنا على دفع الإيجار؟ ماذا عن المدرسة والمستشفى والنقل والطاقة؟ ماذا عن الراتب الذي يبدو كل شهر أضعف أمام الأسعار؟
هنا تتعقد المعادلة. الدولة الفرنسية لا تستطيع أن تستمر في الإنفاق كما كان في الماضي، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع أن تطلب من مجتمع اعتاد حماية اجتماعية واسعة أن يتقبل بسهولة خفض هذه الحماية. وبين هذين الحدين ينمو الغضب. كل إصلاح مالي يتحول إلى صراع اجتماعي، وكل تقليص للدعم يترجم سياسيًا على أنه تخلي عن المواطن.
وهذا تحديدًا هو ما يجعل فرنسا تدخل مرحلة شديدة الحساسية سياسيًا. فكلما فقدت الطبقات الوسطى شعورها بالأمان، أصبحت أكثر استعدادًا لمعاقبة الأحزاب التقليدية، وأكثر قابلية لسماع الخطابات الشعبوية التي تعدها باستعادة السيطرة والاستقرار. من هنا فإن ما يحدث في فرنسا اليوم لا يجب قراءته فقط بمنطق الشارع، بل بمنطق صناديق الاقتراع المقبلة أيضًا.
أما إسبانيا، فإن أزمة السكن تكاد تتحول إلى عنوان المرحلة. ما معنى أن يعيش شاب في بلد أوروبي متقدم ثم يكتشف أن راتبه لا يكفيه لاستئجار شقة مستقلة؟ ما معنى أن يصبح امتلاك السكن حلمًا بعيدًا، وأن تتحول المدن الكبرى إلى فضاءات تبتلع فيها الإيجارات جزءًا متزايدًا من الدخل؟
أنا أرى أن أزمة السكن في إسبانيا ليست أزمة عقارية فقط، بل أزمة جيلية. إنها تعني أن جيلًا كاملًا يشعر بأن نمط الحياة الذي كان متاحًا لآبائه أصبح أكثر صعوبة بالنسبة إليه. التأخر في مغادرة منزل الأسرة، صعوبة الزواج، تراجع القدرة على الإنجاب، الهجرة من المدن الكبرى، كلها نتائج اجتماعية تتجاوز الاقتصاد المباشر.
ولهذا تصبح أي زيادة في الإيجارات قضية سياسية. وتصبح النقابات أكثر جرأة في ربط الأجور بالسكن. وتدخل الحكومة في معركة تحتاج فيها إلى التوفيق بين حماية المستأجرين والحفاظ على العرض العقاري. لكن المشكلة أن الحلول السريعة محدودة، لأن بناء مساكن جديدة يحتاج إلى وقت، وضبط السوق قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يكن مدروسًا.
وفي الخلفية أيضًا انتخابات وسياسات وهويات. اليمين يقول إن اليسار فشل في إدارة الاقتصاد. اليسار يتهم السوق والمضاربة. الأحزاب الأكثر تشددًا تربط الأزمة بالهجرة. وكل طرف يحاول أن يحول ضيق المواطن إلى خطاب انتخابي. وهنا تصبح أزمة السكن بوابة لإعادة تشكيل الخريطة السياسية، لا مجرد ملف اجتماعي.
بلجيكا بدورها تقدم صورة أخرى للأزمة الأوروبية، صورة أكثر ارتباطًا بالتقشف والخدمات العمومية. بلجيكا دولة ذات نموذج اجتماعي مكلف، ونقابات قوية، وقطاع عام واسع، ولذلك فإن أي محاولة لإعادة ضبط الميزانية تصطدم بسرعة بمقاومة الشارع.
الاحتجاجات في بروكسل وغيرها تكشف أن المواطن البلجيكي لا يقبل بسهولة خطاب "لا توجد أموال". هو يرى أن الدولة تجمع الضرائب منذ عقود مقابل وعد واضح: تعليم جيد، رعاية صحية، حماية اجتماعية، دعم للفئات الهشة. وعندما تبدأ هذه الخدمات في التراجع أو ترتفع كلفتها، يشعر أن العقد الاجتماعي نفسه يتعرض للاهتزاز.
وهذا ما أراه أخطر من مجرد العنف الذي قد يصاحب بعض المظاهرات. لأن العنف يمكن احتواؤه أمنيًا، لكن فقدان الثقة في قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها أصعب بكثير.
بلجيكا أمام سؤال لا يخصها وحدها: هل تستطيع دولة الرفاه الأوروبية البقاء بالشكل نفسه في زمن النمو الضعيف والشيخوخة السكانية وارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة والتحول الرقمي؟ وإذا لم تستطع، فمن سيدفع ثمن إعادة الهيكلة؟
عادة ما تدفع الحكومات باتجاه إصلاحات تبدو تقنية، لكن المواطن يشعر بها في جيبه وحياته. هنا تبدأ الأزمة الحقيقية.
في ألمانيا، لا يبدو الشارع بنفس درجة الاحتقان، لكن خلف الهدوء توجد أزمة نموذج اقتصادي. ألمانيا بنت قوتها لعقود على الصناعة والطاقة الرخيصة والتصدير والاعتماد على أسواق واسعة، واليوم تجد أن هذه المعادلة لم تعد مضمونة.
الصناعة الألمانية تشعر بضغط الطاقة، والمنافسة الصينية، والتقدم الأميركي في التكنولوجيا، وصعوبة التحول الأخضر من دون خسائر اجتماعية. ولهذا تحاول الحكومة دفع استثمارات ضخمة نحو الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والصناعات الدفاعية.
أنا أرى أن هذا التحول ليس مجرد سياسة صناعية، بل اعتراف بأن ألمانيا القديمة لم تعد كافية. برلين تريد ألمانيا جديدة تستطيع أن تنافس في الاقتصاد الرقمي، لكن هذا الانتقال مكلف وخطير.
الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى بنى تحتية وحوسبة وطاقة وكفاءات. صناعة الرقائق تحتاج إلى أموال هائلة. الدفاع يحتاج إلى ميزانيات أكبر. وفي الوقت نفسه، المواطن لا يريد أن يدفع هذه التحولات من راتبه أو من فاتورة طاقته.
وهكذا تدخل ألمانيا أيضًا في المفارقة الأوروبية نفسها: يجب أن تنفق الدولة أكثر على المستقبل، لكنها مطالبة أيضًا بخفض العجز. يجب أن تتحول بسرعة، لكنها مطالبة بعدم إرباك المجتمع. يجب أن تنافس أميركا والصين، لكنها تعمل داخل قواعد أوروبية صارمة.
وإذا فشلت هذه المعادلة، فإن القوى الشعبوية ستكون المستفيد الأكبر. حزب البديل من أجل ألمانيا لا يحتاج إلى تقديم حلول اقتصادية متكاملة، يكفيه أن يقول للغاضبين إن النخب فشلت وإن الهجرة والاتحاد الأوروبي والسياسات البيئية هي السبب. هذا الخطاب، حتى لو كان تبسيطيًا، يجد بيئة مناسبة كلما زاد الشعور بالقلق.
إيطاليا أكثر حدة من ألمانيا. الاحتجاجات، أسعار الوقود، النقل، الأمن، كلها تجعل الحكومة في مواجهة مباشرة مع الشارع. جورجيا ميلوني بنت جزءًا كبيرًا من شرعيتها على خطاب الدولة القوية والسيطرة والأمن، لكن القوة الأمنية لا تخفض سعر الديزل، ولا تدفع فاتورة الأسرة، ولا تزيد راتب الموظف.
وهنا يظهر التحدي الحقيقي أمام اليمين الحاكم في أوروبا. من السهل أن تفوز بالانتخابات عبر الغضب على النخب، لكن عندما تصل إلى الحكم تصبح أنت النخبة التي يطالبها الناس بالحل.
سائقو الشاحنات في إيطاليا لا يريدون خطابًا عن السيادة بقدر ما يريدون ديزلًا أقل كلفة. العائلة الإيطالية لا تريد فقط حديثًا عن الهجرة، بل تريد طعامًا وطاقة وسكنًا بأسعار محتملة. وهذه هي اللحظة التي تختبر فيها السياسة الشعبوية بواقع الإدارة.
ولا أعتقد أن حكومة ميلوني وحدها تعيش هذا التناقض، بل كل الحكومات الأوروبية تقريبًا. عندما تكون في المعارضة تستطيع أن ترفع السقف. عندما تدخل الحكومة تكتشف الدين العام، والقواعد الأوروبية، والأسواق، والتزامات الدولة.
بريطانيا تبدو أكثر هدوءًا من الناحية الاجتماعية، لكنها لا تقل توترًا اقتصاديًا. هناك قلق بشأن سوق العمل، والميزانية، والخدمات العامة، وتمويل المؤسسات الكبرى. حتى هيئة BBC، وهي واحدة من أهم مؤسسات الإعلام في العالم، أصبحت تواجه ضغوطًا مالية وإعادة هيكلة وتحولًا رقميًا.
أنا أرى في قضية BBC رمزًا لما يحدث في بريطانيا كلها: مؤسسات كبيرة وقديمة تحاول التكيف مع عالم جديد بموارد أقل ومنافسة أكبر. الإعلام العمومي يواجه المنصات. الصحة تواجه ضغط التمويل. النقل يعاني من مشكلات مزمنة. والمالية العامة تبحث عن التوازن.
السؤال في بريطانيا ليس فقط هل تنجح الحكومة في تقديم ميزانية منضبطة، بل هل يستطيع المواطن أن يشعر بأن هذه الانضباطية لا تعني مزيدًا من التراجع في الخدمات؟
هذا السؤال يطارد كل حكومة أوروبية اليوم.
ما يجمع هذه الدول الست ليس فقط التضخم أو السكن أو الوقود، بل الإحساس بأن النموذج الأوروبي نفسه يتغير. نموذج العقود الماضية كان يقوم على معادلة واضحة: ضرائب مرتفعة مقابل خدمات جيدة، اقتصاد قوي مقابل استقرار اجتماعي، انفتاح اقتصادي مقابل حماية للفئات المتضررة.
اليوم هذه المعادلة أصبحت أضعف. النمو أبطأ. المنافسة العالمية أقوى. السكان يتقدمون في العمر. نفقات الدفاع ترتفع. التحول الطاقي مكلف. الثورة الرقمية تحتاج إلى استثمارات ضخمة. والهجرة أصبحت مادة صراع سياسي يومي.
أنا أعتقد أن أوروبا تدخل مرحلة إعادة تعريف نفسها، لكن الأخطر أنها تفعل ذلك من دون توافق اجتماعي واضح. الحكومات تعرف أنها مضطرة إلى التغيير، لكن المواطنين غير مقتنعين بمن سيدفع الثمن.
وهنا يولد الغضب.
حين يشعر المواطن أن الدولة تقول له "اصبر" بينما لا يرى تحسنًا، يبدأ في البحث عن بديل. وحين تفشل الأحزاب التقليدية في إقناعه، يتجه نحو الأحزاب الأكثر صراحة وغضبًا. ولذلك فإن صعود اليمين الشعبوي في أوروبا لا يمكن تفسيره فقط بخطاب الهجرة، بل أيضًا بخوف اقتصادي عميق.
الهجرة تصبح رمزًا لأن المواطن يراها من خلال الخدمات والسكن والعمل. الاتحاد الأوروبي يصبح هدفًا لأنه يبدو بعيدًا وبيروقراطيًا. البيئة تصبح موضع اعتراض حين يشعر المواطن أن كلفة التحول الأخضر تقع على كاهله.
هذا لا يعني أن هذه التفسيرات صحيحة دائمًا، لكنه يعني أنها سياسيًا فعالة.
ومن هنا فإن أخطر ما تواجهه أوروبا ليس التضخم وحده، بل فقدان الثقة. الاقتصاد قد يتعافى خلال عام أو عامين، لكن الثقة إذا تآكلت تحتاج إلى زمن طويل لتعود.
الثقة بأن العمل يؤدي إلى حياة أفضل. الثقة بأن الضرائب تتحول إلى خدمات. الثقة بأن الدولة عادلة. الثقة بأن السياسي لا يطلب تضحيات من المواطن بينما تحمي النخب نفسها.
إذا ضاعت هذه الثقة، تتحول كل أزمة إلى أزمة سياسية.
وأنا أرى أن الصحافة الأوروبية اليوم، رغم اختلاف توجهاتها، تعكس هذا القلق بوضوح. هناك شعور بأن القارة وصلت إلى نهاية مرحلة وأن مرحلة جديدة تتشكل.
فرنسا تقول ذلك في الشارع. إسبانيا تقوله في سوق السكن. بلجيكا تقوله في الاحتجاج على التقشف. ألمانيا تقوله في سباق الصناعة والذكاء الاصطناعي. إيطاليا تقوله في أزمة الوقود والنقل والأمن. بريطانيا تقوله في معركة الميزانية والخدمات العامة.
إنها ست دول، وستة عناوين، لكنها قصة أوروبية واحدة.
القصة ببساطة هي أن المواطن الأوروبي بدأ يسأل الدولة سؤالًا صارمًا: ما الذي بقي لي من الرفاه الأوروبي؟
هذا السؤال أخطر من أي مظاهرة منفردة. لأنه سؤال عن المستقبل، وعن العقد الاجتماعي، وعن شرعية النظام الاقتصادي نفسه.
وأعتقد أن أوروبا إذا لم تجد جوابًا عمليًا، لا خطابًا فقط، فإن السنوات المقبلة ستكون أكثر اضطرابًا.
المرحلة القادمة لن تحسمها فقط الانتخابات أو نسب النمو، بل قدرة الحكومات على جعل المواطن يشعر أن النظام ما زال يعمل لمصلحته.
وحين يصبح هذا الشعور غائبًا، يصبح الغضب هو السياسة الجديدة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق