تبدو خريطة الكتب الجديدة للكتّاب العرب في المهجر خلال الأيام الأخيرة من أكتوبر 2026 كأنها مرآة لتحول عميق أصاب معنى الكتابة خارج الوطن. لم تعد الهجرة مجرد موضوع أدبي قائم على الحنين والذكريات وصورة المطار الأول والبيت الذي تركه صاحبه خلفه، بل صارت موقعًا فكريًا كاملًا يرى منه الكاتب وطنه القديم وبلده الجديد والعالم في اللحظة نفسها. وأنا أتتبع ما صدر حديثًا في بيروت وباريس ولندن والولايات المتحدة، أجدني أمام جيل وتجارب مختلفة لا يجمع بينها مكان واحد ولا لغة واحدة، وإنما يجمع بينها ذلك السؤال الكبير: ماذا يحدث للإنسان عندما تصبح هويته موزعة بين جغرافيات وذاكرات وثقافات متعددة؟
من أبرز الإصدارات الجديدة رواية «خارج السرب» للكاتب والصحافي الفلسطيني ـ الأميركي نظام المهداوي، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. ومن عنوانها وحده أجد نفسي أمام معنى مركزي في تجربة المهاجر: الخروج من الجماعة من دون القدرة على الخروج من ذاكرتها. الرواية تنطلق من طفولة فلسطينية في الخليج وتتقدم عبر محطات فلسطين ولبنان والغزو العراقي للكويت والهجرة إلى الولايات المتحدة والعمل الصحافي في واشنطن، لتصبح الرحلة الجغرافية في النهاية رحلة داخل الذات نفسها.
في مثل هذا النوع من الروايات لا يكون المنفى مجرد بلد بعيد، وإنما يصبح سؤالًا يقيم داخل الشخصية. فقد يولد المرء في دولة ليست وطن عائلته، ويكبر وهو يسمع عن فلسطين التي لم يعش فيها طويلًا، ثم يجد نفسه مواطنًا أو مقيمًا في الولايات المتحدة، فتغدو الهوية طبقات متراكبة بدل أن تكون جوابًا بسيطًا. ولهذا تبدو «خارج السرب» جزءًا من تحول واضح في الرواية العربية الجديدة التي لم تعد تنظر إلى الهوية باعتبارها ميراثًا ثابتًا، بل باعتبارها بناءً متواصلًا يتغير مع الحروب والهجرة والحب والفقد والعمل واللغة.
وفي فرنسا صدر لأمين معلوف كتابه الجديد «قرن تحوّلنا»، وهو عمل يجعلني أتوقف أمام التطور المثير في مسار هذا الكاتب اللبناني الذي أصبحت تجربته الفرنسية جزءًا أساسيًا من صورته الثقافية العالمية. أمين معلوف، الذي شغلت الهوية والهجرة والتصادم بين الحضارات جانبًا كبيرًا من مشروعه، ينقل اهتمامه هذه المرة إلى مستقبل الجنس البشري نفسه، متأملًا التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي التوليدي والهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية والطاقات الجديدة والتغير المناخي.
إنه انتقال دال من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «ماذا سنصبح؟». وهذا التحول ليس بعيدًا في رأيي عن تجربة الكاتب المهاجر. فمن اعتاد العيش بين أكثر من لغة وأكثر من انتماء يصبح أكثر حساسية تجاه التحولات التي تفكك الحدود القديمة. ومعلوف يرى أن البشرية تدخل اليوم مرحلة يصعب قياسها بمفاهيم التقدم التقليدية، لأن سرعة التطور العلمي أصبحت أكبر من قدرة أنظمتنا السياسية والاجتماعية على فهمه وتنظيمه. لذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس ما الذي تستطيع التكنولوجيا فعله فقط، وإنما ما إذا كان الإنسان قادرًا على إعادة بناء تصور جديد لذاته قبل أن تتجاوزه الأدوات التي صنعها.
أما في لندن، فقد برز كتاب «Exhibit G» للشاعر والطبيب والمترجم الفلسطيني ـ الأميركي فادي جودة، وهو عمل يمزج الشعر والمقالة والصورة الفوتوغرافية حول غزة والتجربة الفلسطينية. وما يثيرني في هذا الكتاب ليس الموضوع وحده، بل موقع الكاتب نفسه. فادي جودة فلسطيني يعيش في الولايات المتحدة ويكتب بالإنجليزية ويحمل في الوقت نفسه ذاكرة شعب وثقافة وتاريخًا لا يمكن فصلها عنه. وهذه المسافة تجعله قادرًا على مخاطبة الغرب من داخله لا من خارجه.
يتحول الكتاب هنا إلى مواجهة مع اللغة نفسها: كيف يمكن للكاتب الفلسطيني أن يصف المأساة بلغة المجتمع الذي يعيش فيه؟ كيف يمكن للشعر أن يحتفظ بإنسانية الضحية وسط الطوفان اليومي للصور والأرقام؟ وماذا يفعل الكاتب عندما يشعر بأن اللغة الإعلامية والسياسية لم تعد قادرة على احتواء حجم الألم؟ إن فادي جودة لا يقدم جوابًا نهائيًا، لكنه يحوّل الشعر والنثر والصورة إلى أشكال متعددة للشهادة.
ومن الولايات المتحدة أيضًا يأتي كتاب يحيى لبيبيدي، الكاتب والشاعر المصري ـ الأميركي، بعنوان «إذا لم تستطع أن تقول إبادة»، وهو مجموعة من عشرات المقالات التي كتبها خلال الأعوام الأخيرة انطلاقًا من الحرب على غزة وأسئلة الضمير والشهادة والمسؤولية الأخلاقية. هنا نرى بوضوح أن الكتابة العربية في المهجر أصبحت تخوض معركة أخرى: معركة تسمية الأشياء.
إن الكاتب العربي الذي يعيش في الغرب لا يقف اليوم بين ثقافتين بطريقة رومانسية كما كانت الصورة القديمة لأدب المهجر، بل يجد نفسه أحيانًا في قلب تناقض أخلاقي حاد بين تجربته اليومية في المجتمع الغربي وموقفه من السياسات والخطابات التي تنتجها مؤسساته تجاه المنطقة العربية. ومن هنا يكتسب الكتاب بعدًا يتجاوز فلسطين نفسها إلى سؤال المثقف: ماذا تعني الكتابة عندما يصبح الصمت موقفًا أيضًا؟
وفي المشهد الأميركي يظهر كذلك إصدار جديد من أنطولوجيا «أوراق العنب: قرن من الشعر العربي الأميركي»، وهو كتاب يعيدنا إلى تاريخ طويل من الكتابة التي أنجزها عرب الولايات المتحدة منذ جبران خليل جبران وأمين الريحاني وصولًا إلى أجيال حديثة مثل نعومي شهاب ناي وإيتيل عدنان وغيرها من الأصوات التي جعلت التجربة العربية جزءًا من المشهد الأدبي الأميركي.
هذا النوع من الكتب مهم لأنه ينسف فكرة أن الأدب العربي الأميركي ظاهرة حديثة مرتبطة بموجات الهجرة الأخيرة. فهناك أكثر من قرن من الشعر والسرد والفكر الذي كتبه عرب أو أبناء مهاجرين عرب داخل الولايات المتحدة. تغيرت الأجيال، وتغيرت اللغات وقضايا المجتمع الأميركي، لكن بقيت أسئلة الأصل والانتماء والذاكرة والاندماج والاختلاف تتحول من جيل إلى آخر.
وفي فرنسا يحضر صوت آخر من أصول مغاربية هو كريم أملاّل من خلال كتابه «الحصة الجزائرية من فرنسا: مساهمة في السرد الوطني». العنوان وحده يكشف طبيعة المعركة الفكرية التي يخوضها الكتاب: الجزائر ليست تاريخًا خارجيًا بالنسبة إلى فرنسا، والهجرة الجزائرية ليست هامشًا يمكن حذفه من السردية الوطنية الفرنسية، والاستعمار والهجرة والذاكرة والتداخل البشري والثقافي جعلت التاريخين متشابكين إلى درجة يستحيل معها الفصل البسيط بينهما.
إنني أرى هنا تحولًا مهمًا في كتابة أبناء المهجر المغاربي. لقد تجاوزوا مرحلة مطالبة المجتمع الفرنسي بالاعتراف بوجودهم، وصار بعضهم يشارك مباشرة في تعريف ماهية فرنسا نفسها وتاريخها. إنها نقلة من سؤال «هل نحن جزء من هذا المجتمع؟» إلى سؤال «كيف يمكن لهذا المجتمع أن يفهم نفسه من دون تاريخنا؟».
وبالقرب من هذه الإصدارات تقف الكاتبة الفلسطينية ـ الأميركية زينة عرفات التي ينتظر أن يصدر لها خلال أيام كتاب «Our Arab: On Longing, Belonging, and Hope»، وهو عمل يعيد سؤال المنفى الفلسطيني من زاوية الأجيال التي نشأت بعيدًا عن فلسطين. ماذا يبقى من الوطن لدى شخص ورثه عبر قصص الأسرة والصور والأخبار واللغة؟ وكيف يربي جيل من الشتات أبناءه على علاقة ببلد يصبح الوصول إليه أكثر صعوبة وتعقيدًا؟
إنها أسئلة تتجاوز التجربة الفلسطينية إلى جوهر تجربة المهجر كلها. فالهجرة لا تنتهي عند الجيل الأول، وإنما تتغير أشكالها. الجيل الأول يتذكر البيت، والثاني يتذكر حكايات البيت، والثالث قد يبحث عن البيت في الأرشيف والصورة والاسم والطعام واللهجة. وهكذا لا يعود الوطن مكانًا فقط، بل يتحول إلى سردية عائلية وثقافية يعاد إنتاجها باستمرار.
وإذا حاولت أن أقرأ هذه الإصدارات مجتمعة، فإنني أرى أن هناك ثلاث كلمات تهيمن عليها: الذاكرة والهوية والشهادة. نظام المهداوي يبحث عن البيت وسط المنافي، وفادي جودة يكتب فلسطين من قلب الولايات المتحدة، ويحيى لبيبيدي يجعل الضمير محور شهادته، وأمين معلوف يضع الإنسان كله أمام امتحان التحول التكنولوجي، وكريم أملاّل يعيد قراءة فرنسا من داخل ذاكرتها الجزائرية، فيما تستعيد «أوراق العنب» قرنًا كاملًا من الشعر العربي الأميركي.
لكن ثمة تحول آخر لا يقل أهمية: لغة الكتابة نفسها. أدب العرب في المهجر اليوم لا يصدر بالعربية وحدها. العربية والفرنسية والإنجليزية تتجاور، وأحيانًا يعبر الكاتب بينها بصورة تجعل تحديد «الأدب العربي» أكثر صعوبة. فهل يكون الكتاب عربيًا لأن مؤلفه عربي الأصل؟ أم لأنه يناقش قضايا عربية؟ أم لأن ذاكرته تنتمي إلى العالم العربي؟ أم أن الأدب العربي في القرن الحادي والعشرين أصبح أكبر من حدود اللغة العربية؟
أميل إلى الاعتقاد بأن أدب المهجر هو اليوم واحد من المختبرات الأكثر إثارة لفهم مستقبل الثقافة العربية. فالكاتب الذي يعيش بين عالمين يكتشف مبكرًا أن الهوية ليست صندوقًا مغلقًا، وأن اللغة لا تملك حدودًا نهائية، وأن الوطن يمكن أن يوجد في أكثر من مكان، وأن المسافة الجغرافية قد تجعل الذاكرة أقوى بدل أن تضعفها.
لقد انتهى الزمن الذي كان فيه الأدب الصادر عن العرب في باريس أو لندن أو نيويورك يُقرأ باعتباره ملحقًا بالأدب العربي المكتوب داخل العواصم العربية. نحن أمام فضاء ثقافي مستقل ومتعدد اللغات والناشرين والقراء، يمتد من بيروت إلى باريس ومن لندن إلى نيويورك وواشنطن، ويخاطب جمهورًا عربيًا وغربيًا في الوقت نفسه.
وجديد الكتب خلال هذا الشهر يؤكد أن المنفى لم يعد مجرد جرح يكتب عنه صاحبه، وإنما أصبح عدسة يرى عبرها العالم. من فلسطين إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الذاكرة الجزائرية في فرنسا إلى الشعر العربي الأميركي، تتسع أسئلة الكاتب العربي خارج وطنه بحيث يصبح موقعه بين الثقافات مصدرًا للقوة الفكرية لا مجرد علامة على الفقد.
لهذا لا أقرأ هذه الإصدارات باعتبارها أخبارًا متفرقة عن كتب جديدة، بل أقرأها باعتبارها ملامح لخريطة ثقافية عربية عالمية آخذة في التشكل. الكاتب العربي في المهجر لم يعد يحمل وطنه وراءه فقط، بل أصبح يحمل أكثر من وطن وأكثر من لغة وأكثر من ذاكرة، ومن هذا التعدد يولد أدب ربما سيكون من أكثر فروع الأدب العربي قدرة على مخاطبة العالم خلال السنوات المقبلة.







0 التعليقات:
إرسال تعليق