تبدو الأسابيع الأولى من أكتوبر 2026 غنية على نحو لافت بحركة النشر العربي، فالكتاب الجديد لا يصل هذه المرة من مركز ثقافي واحد، بل يتحرك على خريطة عربية واسعة تمتد من بيروت ودمشق والقاهرة والرباط وتونس إلى دور نشر عربية تعمل من أوروبا، كما تتجاور في واجهات المكتبات الرواية والشعر والفلسفة والتاريخ والترجمة والذكاء الاصطناعي والسيرة والذاكرة. وما يلفتني في هذه الموجة الجديدة ليس كثرة العناوين وحدها، وإنما طبيعة الأسئلة التي تحملها، إذ يبدو أن جانباً مهماً من الكتاب العربي المعاصر أصبح منشغلاً بما يحدث للإنسان في عالم يتغير بسرعة: الحرب والمنفى والذاكرة والموت والتكنولوجيا والهوية والعلاقة الملتبسة بين الإنسان والآلة.
وقد نشرت «العربي الجديد» في السادس من أكتوبر 2026 جولة جديدة ضمن باب «آخر ما صدر»، ضمت أعمالاً حديثة تنتمي إلى حقول أدبية وفكرية متعددة، بينها ترجمات من الأدب الصيني، ودراسات فلسفية، وكتب مغربية، وروايات تناقش الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن اكتشاف نصوص مجهولة لجبران خليل جبران.
كل ليالي العالم: الأدب الصيني يصل إلى القارئ العربي
من الإصدارات التي استوقفتني الترجمة العربية لرواية «كل ليالي العالم» للروائية الصينية تشي زي جيان، الصادرة ضمن سلسلة «مرايا» عن منشورات تكوين، بترجمة يارا المصري. الرواية تعود إلى واحدة من أكثر الثيمات الإنسانية رسوخاً: الفقد.
تستعيد بطلتها، وهي معلمة، عبر الكتابة عالماً من الموتى وذكرياتهم، وتتحول الطبيعة إلى وسيط بين من رحل ومن بقي. وتكتسب الرواية بعداً شخصياً لأن الكاتبة عاشت تجربة فقد زوجها سنة 2002، وهو ما يجعل الموت داخل العمل أقل ارتباطاً بالنهاية البيولوجية وأكثر اتصالاً بالذاكرة واستمرار الغائب داخل حياة الأحياء.
ويهمني في هذا الإصدار أنه يؤكد اتساع خريطة الترجمة العربية خارج المركز الغربي التقليدي. فالترجمة لم تعد مقتصرة على الرواية الفرنسية والإنجليزية والألمانية والأميركية، وإنما بدأ الأدب الصيني والكوري والياباني، ولو ببطء، يفرض حضوره في المكتبة العربية. وهذا تطور ثقافي ينبغي الانتباه إليه، لأن القارئ العربي يحتاج إلى رؤية العالم من نوافذ أكثر تعدداً.
الشعر والفلسفة... عودة إلى خصومة عمرها أكثر من ألفي سنة
في مجال الفكر، صدر عن منتدى المعارف كتاب الباحث والشاعر اللبناني شربل داغر «الشعر والفلسفة: التهاوي بعد التعالي». وينطلق المؤلف من الخصومة القديمة التي دشّنها أفلاطون مع الشعراء داخل «الجمهورية»، قبل أن يتتبع تحولات العلاقة بين الشعر والفلسفة في التراثين العربي والغربي وفي ثقافات أخرى.
يتنقل الكتاب بين الفراهيدي والفارابي وابن سينا وابن رشد، وصولاً إلى كانط ونيتشه وبودلير وهايدغر، متسائلاً عما جمع الفيلسوف والشاعر وما فرّق بينهما، ثم عن المصير الذي وصلت إليه مكانتهما اليوم داخل المجتمعات الحديثة.
ولا أرى هذا الموضوع بعيداً عن واقع الثقافة العربية الراهنة. فنحن أيضاً نعيش زمناً تقلصت فيه المسافة التي كان يحتلها الشعر والفكر العميق أمام صعود المحتوى القصير والفيديو السريع والمنصات التي تكافئ الاختزال والمباشرة، ولهذا تصبح العودة إلى السؤال القديم حول الشعر والفلسفة عودة ضمنية إلى سؤال جديد: أين أصبح موقع التفكير البطيء في زمن السرعة؟
«لا أخاف الموت»: كتاب مغربي يسائل النهاية الكبرى
ومن المغرب يأتي إصدار له دلالة فلسفية خاصة هو كتاب «لا أخاف الموت» للكاتب المغربي محمد مصطفى القباج، الصادر عن دار أبي رقراق في الرباط.
يتناول الكتاب الموت عبر الفكر العربي الإسلامي والفلسفة الغربية، ويناقشه من مداخل فقهية وكلامية وفلسفية وصوفية، قبل الانتقال إلى أفلاطون وأرسطو ومارتن هايدغر. ويتوزع على ثلاثة أقسام إلى جانب تقديم وملاحق، في محاولة لفهم الموت لا باعتباره حدثاً بيولوجياً وحسب، بل بوصفه أحد الأسئلة التي صنعت الوعي الإنساني نفسه.
ولعل قيمة هذا النوع من الكتب تكمن في إعادته موضوعاً غالباً ما نحاصره بالخوف والصمت إلى دائرة التفكير. فالموت، مهما حاول الإنسان الحديث إبعاده عن حياته اليومية، يظل حاضراً في الدين والأدب والفلسفة والفن والذاكرة، بل إنه أحد المفاتيح الكبرى لفهم معنى الحياة ذاتها.
جبران يعود من الأرشيف
من أكثر أخبار النشر إثارة في هذه الجولة صدور كتاب «والنبي قال.. قصائد مجهولة لجبران خليل جبران تُنشر بالعربية للمرة الأولى» عن دار التكوين في دمشق، بترجمة شاكر نوري.
الكتاب يضم نصوصاً شعرية ظلت محفوظة لعقود ضمن «مجموعة عائلة مينيس» في أرشيف جامعة كارولاينا الشمالية ولم تكن متداولة بالعربية. وبذلك لا يتعلق الأمر بإعادة طبع كتاب معروف لجبران، وإنما بإضافة مواد جديدة إلى إرث أحد أكثر الأدباء العرب انتشاراً عالمياً.
والأمر هنا يتجاوز الفضول الأدبي. فكل نص مجهول يُستعاد لكاتب بحجم جبران يعيد جزئياً ترتيب صورته داخل تاريخ الأدب. نحن اعتدنا قراءة جبران من خلال «النبي» و«الأجنحة المتكسرة» و«دمعة وابتسامة» وأعماله المتداولة، أما ظهور نصوص أخرى من أرشيفاته فيفتح باباً جديداً أمام الباحثين والنقاد للعودة إلى تجربته وقراءتها خارج الصورة المدرسية المستقرة.
«صفر فاصل خمسة»: الإنسان في مواجهة نسخته الخوارزمية
ومن أكثر الإصدارات اتصالاً بتحولات زمننا رواية الكاتب المصري أحمد القرملاوي «صفر فاصل خمسة» الصادرة عن دار ديوان.
بطل الرواية مدير لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات يعيش السأم ويخشى أن يصبح قابلاً للاستبدال، فيدخل تجربة محاكاة تصنع فيها الخوارزميات عالماً من أفكاره ورغباته وهواجسه. ومن خلال التنقل بين حياته الواقعية والعوالم التي تخلقها التقنية، تضع الرواية أمامنا سؤالاً بات يتسلل بقوة إلى الأدب العالمي والعربي: ماذا يبقى من الإنسان إذا استطاعت الآلة أن تحاكي بعض وظائفه وقراراته وربما رغباته أيضاً؟
هذا النوع من الروايات يثير اهتمامي خصوصاً لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعاً علمياً أو تقنياً منعزلاً عن الأدب. إنه أصبح مادة روائية بامتياز. فالخوارزمية تدخل اليوم إلى العمل واللغة والذاكرة والحب والاختيار والكتابة، ولذلك فإن الرواية التي تريد أن تفهم الإنسان المعاصر لا يمكنها أن تتجاهل ما يحدث بينه وبين الآلة.
«الحكّاء الأبدي»: العائلة بوصفها أرشيفاً للأسرار
وفي تونس صدرت عن دار مسكيلياني رواية «الحكّاء الأبدي» للكاتب شهاب عبد الله. وهي رواية تتبع سيرة عائلة تمتد أسرارها بين أجيال متعددة.
تبدأ الحكاية بوصول فطوم وأختها زهرا إلى بر غنام، قبل أن تؤسس حادثة غامضة عند بئر القرية مساراً يمتد إلى الأبناء والأحفاد، وصولاً إلى حماد الذي يحاول استعادة تاريخ عائلته والكشف عن بداياتها.
إنها عودة إلى إحدى البنى السردية الخصبة في الرواية العربية: العائلة بوصفها تاريخاً مصغراً للمجتمع. فالأسرار التي تنتقل بين الأجيال ليست عائلية تماماً؛ إنها تحمل داخلها عادة تحولات المكان والسياسة والعلاقات الاجتماعية وأسئلة النسب والانتماء والغياب.
الفن العراقي يكتب ذاكرته
وتأتي مي مظفر بكتاب «حديث البدايات مع الرسامين العراقيين الأوائل» الذي يستعيد بدايات الحركة التشكيلية العراقية الحديثة من خلال الحوارات والذكريات والشهادات.
يحضر في الكتاب فنانون من أمثال شاكر حسن آل سعيد، ومديحة عمر، وحافظ الدروبي وخلدون الحصري، كما يستعيد أجواء بغداد في العقود الأولى من القرن العشرين، جامعاً بين السيرة الشفوية والتوثيق والتأمل النقدي.
وتتضاعف أهمية هذه الأعمال في مرحلة تعرضت فيها الذاكرة المادية والثقافية للعراق لتحولات قاسية. فالكتاب هنا ليس مجرد سجل للفن، بل يصبح شكلاً من أشكال مقاومة النسيان وحفظ الذاكرة التي يمكن أن تضيع برحيل أصحابها.
دار الساقي: من أدونيس إلى رواية عن الذكاء الاصطناعي
الحركة نفسها تبدو واضحة في أحدث ما تعرضه دار الساقي بالتزامن مع معرض بيروت العربي الدولي للكتاب الذي ينعقد بين 9 و18 أكتوبر 2026. ومن بين إصدارات الدار الجديدة «هجرة الشمس» لأدونيس، ورواية «اعترافات AI حزين» للروائي اليمني حبيب عبد الرب سروري، إضافة إلى رواية «هسّ!» لرشيد الضعيف و**«غرفة المرايا»** لرامي طويل.
ويثير عنوان «اعترافات AI حزين» وحده فضولاً نقدياً. فنحن هنا أمام انتقال الذكاء الاصطناعي من موضوع في الصحافة والتكنولوجيا إلى كائن سردي يمكن أن يمتلك ــ داخل المخيال الروائي ــ اعترافات وربما حزناً.
وهذا التحول ليس عابراً. فالأدب العربي بدأ يختبر السؤال نفسه الذي يشغل الرواية والسينما العالميتين: هل يمكن للآلة أن تصبح شخصية؟ وهل تستطيع الرواية أن تجعل الخوارزمية مرآة جديدة ننظر عبرها إلى أنفسنا؟
دار الآداب: فلسطين والرواية المغربية في واجهة الإصدارات
أما واجهة دار الآداب الحالية فتضع ضمن أحدث إصداراتها مجموعة من الكتب التي تعكس بوضوح انشغالات المشهد الثقافي العربي الراهن، وفي مقدمتها «الضحايا المثاليّون» لمحمد الكرد، و**«لا يلتئمان»** للكاتبة العمانية هدى حمد، و**«بائع التذاكر»** للأسير والكاتب الفلسطيني الراحل وليد دقة، و**«فراشات مريم الجليلية»** لباسم خندقجي.
ويحضر المغرب أيضاً في هذه القائمة عبر رواية «ليلة اختفاء صاحب المعالي» لعبد الإله بن عرفة، و**«أرشيف الظل الأسود»** لطارق بكاري.
وإذا تأملنا هذه العناوين سنلاحظ أن فلسطين ليست مجرد «موضوع» داخل الكتاب العربي الجديد، بل هي إحدى بؤره السردية والفكرية الكبرى. السجن والذاكرة والغياب والهوية والعدالة كلها تتقاطع داخل كثير من هذه الكتب.
رسائل رواد «البووم»: الوجه الآخر لماركيز ويوسا وكورتاثار
ومن إصدارات نهاية شتنبر التي تستحق العودة إليها كتاب «رسائل رواد البووم»، الصادر عن دار عرب بترجمة حسني مليطات.
يضم الكتاب 207 رسائل متبادلة بين أربعة من أهم كتّاب أميركا اللاتينية: خوليو كورتاثار وكارلوس فوينتس وغابرييل غارسيا ماركيز وماريو فارغاس يوسا. تكشف الرسائل صداقاتهم واختلافاتهم ومواقفهم من الأدب والسياسة، كما تسمح للقارئ بمشاهدة ظاهرة «البووم» من داخلها، لا من خلال الدراسات النقدية التي جاءت لاحقاً.
والرسائل الأدبية دائماً كنز من نوع خاص، لأنها تسقط كثيراً من الرسميات التي تحيط بصورة الكاتب. نجد فيها التردد والغضب والحماس والمشاريع التي لم تكتمل والأفكار في لحظة تشكلها. ومن هنا يمكن أن يكون هذا الإصدار واحداً من الكتب المهمة لقراء الرواية ودارسي أدب أميركا اللاتينية.
«الفيلسوف»: الكندي يعود بطلاً للرواية
في الأدب السعودي، أصدرت منشورات تكوين رواية «الفيلسوف: ما رواه السرخسي عن أبي يوسف الكندي» للكاتب أشرف فقيه.
تستعيد الرواية سيرة يعقوب بن إسحاق الكندي، المعروف بـ«فيلسوف العرب»، عبر تلميذه أحمد بن الطيب السرخسي، وتضعهما داخل أجواء العصر العباسي وصراعاته السياسية والفكرية، بدءاً من الحرب والحصار في سامراء وصولاً إلى عالم العلم والفلسفة.
إن استعادة شخصية مثل الكندي روائياً تؤكد اتجاهاً متنامياً في السرد العربي نحو إعادة اكتشاف التاريخ العلمي والفلسفي للعرب والمسلمين عبر الأدب، بدلاً من تركه محصوراً داخل الكتب الأكاديمية.
ما الذي تقوله هذه الموجة من الكتب؟
بعد هذه الجولة، أجد أن السؤال الأكثر إثارة ليس: كم كتاباً صدر؟ بل: ماذا تقول لنا هذه الكتب مجتمعة عن اللحظة العربية والعالمية التي نعيشها؟
إنها تقول أولاً إن الذاكرة ما تزال واحدة من القوى الكبرى التي تحرك الكتابة العربية. جبران يعود من الأرشيف، الفن العراقي يستعيد رواده، والعائلة في «الحكاء الأبدي» تبحث عن أسرارها القديمة.
وتقول ثانياً إن الذكاء الاصطناعي بدأ يخرج من المختبر والشركة ومن صفحات التكنولوجيا ليدخل الرواية. «صفر فاصل خمسة» و«اعترافات AI حزين» مؤشران على هذا التحول الذي أتوقع أن يتسع كثيراً خلال السنوات المقبلة.
وتقول ثالثاً إن الترجمة العربية توسع جغرافيتها. الصين وأميركا اللاتينية وأوروبا تعود بأشكال مختلفة إلى واجهات النشر، وهو ما يجعل المكتبة العربية أكثر انفتاحاً على تعدد التجارب الإنسانية.
وتقول رابعاً إن فلسطين لم تغادر مركز الكتابة العربية، بل ربما أصبحت أكثر حضوراً بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، سواء في الرواية أو السيرة أو أدب السجون أو الدراسات السياسية والفكرية.
أما الملاحظة الأخيرة فهي أن المشهد العربي لا يزال، رغم أزمات القراءة والتوزيع وارتفاع تكاليف الطباعة، قادراً على إنتاج تنوع حقيقي. ففي أسبوع واحد تقريباً يمكن للقارئ أن ينتقل من جبران إلى الذكاء الاصطناعي، ومن الكندي إلى أدونيس، ومن تشكيل بغداد إلى رواية صينية عن الموت، ومن رسائل ماركيز ويوسا إلى سرديات فلسطين والمنفى.
وهنا أجدني أقل تشاؤماً تجاه مستقبل الكتاب العربي. المشكلة الحقيقية ليست في انعدام الكتب الجيدة، بل في قدرتنا على إيصالها إلى القارئ، وصناعة فضاء ثقافي يجعل صدور الكتاب حدثاً يستحق النقاش، لا خبراً عابراً يختفي بعد ساعات داخل سيل المحتوى الرقمي.
الكتاب العربي ما يزال حياً، وربما أكثر تنوعاً مما نتصور. وما يحتاجه اليوم ليس فقط المزيد من العناوين، وإنما المزيد من القراء والنقاد والمكتبات والمنصات الثقافية التي تمنحه الوقت الذي يستحقه بعيداً عن سرعة الشاشة وضجيج الخوارزميات.
بقلم: الكاتب المغربي عبده حقي







0 التعليقات:
إرسال تعليق