الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أكتوبر 08، 2026

من المنفى إلى رفوف العالم: كتب جديدة لكتّاب عرب في المهجر: عبده حقي


تشهد الأسابيع الأولى من خريف 2026 حركة لافتة في إنتاج الكتّاب العرب المقيمين خارج بلدانهم الأصلية، وخصوصًا في الولايات المتحدة وبريطانيا، حيث ظهرت مجموعة من الروايات والمذكرات والكتب الفكرية والشعرية التي تعيد إلى الواجهة سؤال المنفى والذاكرة والهوية والاقتلاع. اللافت في هذه الموجة أن أدب المهجر لم يعد منشغلًا فقط بثنائية الشرق والغرب أو صدمة الاندماج في المجتمعات الجديدة، بل أصبح أكثر التصاقًا بالقضايا الكبرى التي تمزق المنطقة العربية، من فلسطين وغزة إلى السجون السياسية والمنفى القسري والبحث عن البيت المفقود.

«الدقيق الأحمر» لسراج عاصي: الحب والجوع في مدينة محاصرة

في السادس من أكتوبر 2026 صدرت رواية Red Flour – الدقيق الأحمر للكاتب والأكاديمي الفلسطيني سراج عاصي عن دار Common Notions. وعاصي، المولود في فلسطين، يعيش في واشنطن ويُدرّس الأدب الفلسطيني في الجامعة الأميركية هناك. وتضع الرواية القارئ داخل فضاء محاصر يعاني سكانه الجوع والقصف والنزوح، حيث يتحول طابور انتظار الدقيق إلى مركز للحياة والموت في آن واحد.

الرواية لا تقدم الجوع باعتباره خلفية إنسانية فحسب، بل تجعله بنية مركزية للسرد؛ فالخبز يصبح رمزًا لاستمرار الحياة، بينما يصبح الحصول على الدقيق مخاطرة قد تنتهي بالموت. وسط هذا الخراب تنشأ أيضًا علاقة حب، في مفارقة تجعل الرواية تسأل ضمنيًا عما إذا كان الإنسان يستطيع الاحتفاظ بقدرته على الحب في مكان أصبح البقاء فيه نفسه فعل مقاومة.

يمثل هذا الكتاب نموذجًا واضحًا لتحول الأدب الفلسطيني في المهجر الأمريكي من استعادة فلسطين بوصفها ذاكرة بعيدة إلى الكتابة عنها بوصفها مأساة راهنة تُقرأ وتُكتب من داخل المجتمع الغربي نفسه.

«إذا لم تستطع أن تقول إبادة جماعية» ليحيى اللبابيدي: الضمير العربي في اللغة الإنجليزية

ومن الإصدارات الجديدة اللافتة كتاب If You Cannot Say GENOCIDE: Essays on Conscience and Witness للكاتب العربي الأميركي يحيى اللبابيدي، الصادر عن New Village Press خلال أكتوبر 2026. يضم الكتاب 47 مقالة كتبها المؤلف بين 2023 و2026، واضعًا غزة في مركز تأملاته حول الضمير والشهادة واللغة والمسؤولية الأخلاقية. وتصف دار النشر الكتاب بأنه مكتوب من منظور عربي أميركي صاغته تجربة المنفى والتساؤل الأخلاقي.

الكتاب مهم من زاوية أخرى، لأنه يكشف تحوّل الكاتب العربي في المهجر إلى فاعل داخل المجال الثقافي والسياسي الغربي؛ فهو لا يكتب فقط إلى قارئ عربي، وإنما يخوض معركة المفاهيم والمصطلحات داخل اللغة الإنجليزية نفسها. لذلك يصبح سؤال تسمية الأشياء — الحرب، الضحية، الشهادة، الإبادة — جزءًا من الصراع الثقافي الذي يخوضه الكاتب.

«حصتنا من الملح» لدينا هِلم: البيت الفلسطيني يتحول إلى بيت مسكون

أما الكاتبة الفلسطينية الأميركية دينا هِلم Deena Helm فقد أصدرت في 22 شتنبر 2026 روايتها الأولى Our Cut of Salt عن Tor Nightfire في الولايات المتحدة، وصدرت كذلك في بريطانيا عن Orbit. الرواية تنتمي ظاهريًا إلى أدب الرعب القوطي، لكنها تستخدم «البيت المسكون» لإعادة كتابة ذاكرة النكبة الفلسطينية.

تتبع الرواية ثلاث أجيال من النساء الفلسطينيات المرتبطات ببيت عائلي في حيفا، غادرته الأسرة بعد نكبة 1948. البيت هنا ليس مجرد مكان، بل كائن يحتفظ بالذاكرة والجراح والأسرار، وتصبح الأشباح استعارة لتاريخ لم يختف بمجرد مغادرة أصحابه أرضهم.

وتعرّف الكاتبة نفسها بأنها فلسطينية أميركية، بينما يشير ناشرها إلى أن هذا العمل هو روايتها الأولى.

تكمن أهمية الرواية في أنها توسع المجال الجمالي للأدب الفلسطيني في المهجر؛ فبدل الاقتصار على الواقعية السياسية أو الرواية التاريخية، تدخل هِلم من بوابة الرعب والغرائبي لتقول إن البيوت المفقودة لا تختفي من الذاكرة، بل قد تتحول إلى أشباح تسكن الأحفاد.

«هنا» لعبد الرحمن الجندي: السجن المصري يُكتب من المنفى الأميركي

برز مجددًا خلال الأيام الأخيرة كتاب Huna: A Memoir of Revolution, Prison, and Becoming للكاتب والمترجم المصري عبد الرحمن الجندي بعد وصوله في 7 أكتوبر إلى القائمة النهائية للجائزة الوطنية للكتاب في الولايات المتحدة لعام 2026. وكان الكتاب قد صدر في نسخته الأميركية في الأول من شتنبر عن Hogarth التابعة لـPenguin Random House.

يروي الجندي تجربة اعتقاله السياسي في مصر، حيث أمضى ست سنوات في السجن منذ شبابه، ويتتبع الكتاب تحوله من طالب وناشط إلى سجين وكاتب يعيش لاحقًا تجربة المنفى الأميركي. وقد كتب الجندي بنفسه أن الكتاب يتناول الثورة المصرية والسجن السياسي و«منفاه الأميركي»، وأن اختياره الإنجليزية لغة للكتابة وضعه داخل مواجهة مع الطريقة التي يُقرأ بها الألم العربي في الغرب.

يحمل «هنا» أهمية خاصة في أدب المهجر الجديد لأنه لا يجعل المنفى خاتمة للحكاية؛ فالكاتب لا يغادر السجن ليصل إلى الحرية النهائية، بل ينتقل إلى فضاء جديد تبدأ فيه معركة أخرى: كيف يروي تجربته إلى قارئ ينتمي إلى ثقافة مختلفة من دون أن يحول ذاته إلى صورة نمطية عن «السجين الشرقي».

زينة عرفات: فلسطين بين نيويورك ونابلس

ومن الكتب المنتظرة خلال النصف الثاني من أكتوبر كتاب Our Arab: On Longing, Belonging, and Hope للكاتبة الفلسطينية الأميركية زينة عرفات Zaina Arafat، المقرر صدوره في الولايات المتحدة في 20 أكتوبر وفي بريطانيا في 22 أكتوبر. وتعيش عرفات مع أسرتها في نيويورك وتُدرّس في مؤسسات جامعية أميركية.

يتخذ الكتاب شكل مجموعة مقالات تتداخل فيها الذاكرة العائلية مع الأمومة والمنفى والهوية الفلسطينية. ومن بين مشاهده محاولة الكاتبة زيارة نابلس، مسقط رأس عائلتها، وتأملها في معنى أن ينشأ الأبناء بعيدًا عن فلسطين مع بقاء فلسطين حاضرة في اللغة والعائلة والذاكرة.

ولا يبدو «الانتماء» هنا هوية مستقرة، بل عملية مستمرة لإعادة بناء العلاقة بين مكانين، وبين وطن غائب وحياة يومية قائمة في الولايات المتحدة.

طوني شلهوب: الذاكرة اللبنانية الأميركية عبر العائلة والطعام

أما في 27 أكتوبر، فمن المنتظر صدور We Thought They’d Never Leave، وهو أول كتاب للممثل الأميركي من أصول لبنانية طوني شلهوب Tony Shalhoub، بالاشتراك مع ابنته جوزي آدامز، عن Gallery Books. ويجمع الكتاب بين السيرة العائلية وذكريات الطعام واللقاءات الأسرية والوصفات التي رافقت عائلة شلهوب اللبنانية الأميركية عبر أجيالها.

ورغم أن الكتاب يبدو أخف وطأة من الكتب التي تهيمن عليها الحرب والمنفى، فإنه يكشف وجهًا آخر لأدب المهجر: انتقال الهوية من السياسة الكبرى إلى المطبخ والعائلة والذاكرة اليومية. الطعام هنا أرشيف غير رسمي للهجرة، وتحول الوصفات إلى وسيلة تحفظ بها الأجيال الجديدة صلتها بأصولها اللبنانية.

أدب المهجر يخرج من الهامش

ما يجمع هذه الإصدارات ليس مجرد كون أصحابها عربًا يعيشون خارج أوطانهم؛ الأهم أن الكتاب العربي في المهجر بدأ يحتل موقعًا أوضح داخل المؤسسات الثقافية والنشرية الغربية. وقد ظهرت هذه الحقيقة بصورة لافتة في إعلان القائمة النهائية للجائزة الوطنية للكتاب في الولايات المتحدة يوم 7 أكتوبر، حيث ضمت خمسة كتّاب من أصول عربية: سمر يزبك، فادي جودة، عبد الرحمن الجندي، هانا ليليث أسعدي، وكارولينا عبيد.

هذا الحضور يعني أن «أدب المهجر» لم يعد جنسًا هامشيًا يُقرأ فقط من زاوية الغربة والحنين. إنه يدخل اليوم قلب النقاش الأدبي الأميركي والبريطاني، ويحضر في الرواية والشعر والمذكرات والنقد والمقالة، ويعيد طرح قضايا الذاكرة والحرب والاستعمار والبيت واللغة من داخل أهم أسواق النشر العالمية.

وتبدو فلسطين، بوضوح، مركز الثقل الأكبر في هذه الموجة. من بيت حيفا المسكون في رواية دينا هِلم، إلى طابور الدقيق في رواية سراج عاصي، ومن مقالات يحيى اللبابيدي إلى تأملات زينة عرفات، تظهر فلسطين بوصفها ذاكرة تنتقل بين الأجيال، لكنها أيضًا حاضر سياسي وإنساني يفرض نفسه على الكتابة.

إن الأدب العربي في المهجر عام 2026 لا يكتفي بالحنين إلى الوطن. إنه يحمل الوطن معه إلى اللغات الأخرى، ويدخله إلى المكتبات والجامعات والجوائز الكبرى، ويحوّل المنفى من مكان للغياب إلى منصة جديدة لإنتاج الحضور.

وهذه النسخة الثانية مصاغة كقطعة صحفية مستقلة، من دون مصادر أو روابط أو إحالات داخل المتن، بحيث تصلح مباشرة للنشر في المدونة:

من المنفى إلى مكتبات العالم: خريف لافت للكتاب العرب في المهجر

يبدو خريف 2026 موسمًا مختلفًا بالنسبة إلى الأدب الذي يكتبه العرب خارج أوطانهم. فمن واشنطن ونيويورك إلى مدن أوروبية أخرى، تتوالى روايات ومذكرات وكتب مقالات تحمل معها فلسطين ومصر ولبنان والمنفى والبيت المفقود والسجن والذاكرة إلى قلب سوق النشر الغربي. ولم يعد الكاتب العربي في المهجر ذلك الصوت الذي يكتب فقط عن صدمة الانتقال من الشرق إلى الغرب، أو عن الحنين إلى مدينة بعيدة وطفولة ضائعة، بل صار يكتب من داخل القضايا الكبرى التي تشغل العالم، ويستخدم الإنجليزية وغيرها من اللغات بوصفها فضاءً آخر لخوض معركة الذاكرة والمعنى.

في السادس من أكتوبر صدرت رواية «الدقيق الأحمر» للكاتب الفلسطيني سراج عاصي، المقيم في واشنطن والمدرس للأدب الفلسطيني في الجامعة الأميركية. منذ الصفحات الأولى نكون أمام عالم تحاصره المجاعة والقنابل والنزوح، لكن مركز الرواية ليس ساحة معركة بالمعنى التقليدي، بل طابور للخبز. هناك، حيث ينتظر البشر قليلاً من الدقيق كي يبقوا على قيد الحياة، تنفتح الرواية على الحب والموت والخوف والإصرار على الحياة.

اختيار الدقيق والخبز محورًا للرواية ليس تفصيلاً رمزيًا عابرًا؛ فالخبز في الذاكرة العربية يكاد يساوي الحياة ذاتها، ولذلك يصبح قتله قتلًا لإمكانية البقاء. وسط الجوع تنشأ علاقة حب، فتكتسب الرواية مفارقتها الأكثر إيلامًا: ماذا يبقى للإنسان من قدرته على الحب عندما يصبح الحصول على الطعام نفسه مخاطرة قد يدفع ثمنها حياته؟

إلى جوار سراج عاصي يأتي صوت عربي أميركي آخر هو يحيى اللبابيدي في كتابه الجديد «إذا لم تستطع أن تقول إبادة جماعية: مقالات في الضمير والشهادة». هنا لا نتعامل مع رواية، بل مع عشرات المقالات التي كتبها المؤلف خلال السنوات الأخيرة وهو يتابع ما يحدث في غزة ويحاول مساءلة اللغة التي نستخدمها لوصف الكوارث الإنسانية.

تكمن أهمية الكتاب في أن صاحبه لا يخاطب العالم العربي من الخارج، وإنما يكتب من داخل الفضاء الثقافي الأميركي، ويستخدم لغة هذا الفضاء ليطرح عليه أسئلته الأخلاقية الصعبة. بذلك يتحول الكاتب العربي في المهجر من ناقل لمعاناة بلاده الأصلية إلى طرف مباشر في النقاش الغربي حول معنى الضمير والمسؤولية والشهادة، بل وحول حق الضحايا في أن تُسمّى مأساتهم باسمها.

وفي نهاية شتنبر دخلت الكاتبة الفلسطينية الأميركية دينا هِلم المشهد بقوة من خلال روايتها الأولى «حصتنا من الملح». اختارت هِلم طريقًا سرديًا مختلفًا تمامًا؛ فهي تستدعي تقاليد الرواية القوطية وحكايات البيوت المسكونة لكي تروي تاريخ عائلة فلسطينية فقدت منزلها في حيفا عقب نكبة 1948.

نتابع في الرواية ثلاثة أجيال من النساء، لكن الشخصية الأشد حضورًا ربما تكون البيت نفسه. إنه ليس حجارة وأبوابًا ونوافذ، بل ذاكرة مغلقة تراكمت داخلها أسرار الفقد والاقتلاع والعودة المستحيلة. وهكذا يتحول المنزل المسكون إلى استعارة شديدة القوة عن الأرض التي تركها أصحابها قسرًا، وعن الماضي الذي يصر على العودة ولو في هيئة أشباح.

تقدم هذه الرواية مؤشرًا مهمًا إلى نضج الكتابة الفلسطينية في المهجر. فالقضية لم تعد محصورة في شكل واقعي أو تاريخي واحد، وإنما صارت قادرة على اختراق أجناس أدبية مختلفة، بما فيها الرعب والغرائبي والفانتازيا. والنتيجة أن القارئ الأجنبي الذي يدخل الرواية بحثًا عن قصة بيت مسكون يجد نفسه، من حيث لا يدري، داخل ذاكرة النكبة.

ومن مصر يأتي عبد الرحمن الجندي بكتابه «هنا: مذكرات الثورة والسجن والتحول»، الذي عاد إلى دائرة الضوء بقوة بعدما وصل إلى نهائيات الجائزة الوطنية للكتاب في الولايات المتحدة. ينطلق الجندي من تجربة شخصية قاسية عاشها في سنوات شبابه، إذ أمضى ست سنوات خلف القضبان بعد اعتقاله في مصر، ثم انتقل لاحقًا إلى حياة جديدة خارج بلاده.

لكن ما يميز هذا الكتاب أن السجن لا ينتهي عند بوابة السجن نفسها. ثمة سجن آخر يتعلق بالطريقة التي ينظر بها القارئ الغربي إلى حكايات المعتقلين العرب. لذلك يواجه الكاتب تحديًا مزدوجًا: أن يشهد على ما عاشه، وألا يسمح بتحويل تجربته إلى مادة استشراقية جاهزة عن «بلاد الاستبداد» و«ضحايا الشرق».

بهذا المعنى تصبح الكتابة نفسها نوعًا من التحرر. فالمنفى الأميركي لا يمحو القاهرة ولا سنوات الزنزانة، وإنما يمنح المؤلف مسافة جديدة يعيد منها بناء الماضي، ويقرر بنفسه الكيفية التي يريد أن تُقرأ بها حكايته.

ويتواصل الحضور الفلسطيني مع زينة عرفات في كتابها «عربنا: عن الشوق والانتماء والأمل»، المقرر أن يصل إلى القراء خلال أكتوبر. تنطلق عرفات من تجربة فلسطينية أميركية عائلية لتفحص معنى أن يعيش الإنسان بعيدًا عن المكان الذي يعتبره وطنه، وأن ينقل إلى أطفاله ذاكرة أرض ربما لم يعرفوها مباشرة.

بين نيويورك ونابلس تتحرك الأسئلة أكثر مما تتحرك الأجوبة. ما معنى الوطن بالنسبة إلى طفل ولد في الولايات المتحدة لكنه يسمع باستمرار أسماء مدن فلسطينية في البيت؟ وما الذي يبقى من المكان عندما يصبح الوصول إليه صعبًا أو مستحيلًا؟ وكيف يمكن للهوية أن تكون فلسطينية وأميركية في آن واحد من دون أن تلغي إحداهما الأخرى؟

هذه الأسئلة تجعل الكتاب جزءًا من تحول أوسع في أدب المهجر؛ فالهوية لم تعد صراعًا بسيطًا بين وطنين، بل صارت تركيبًا مفتوحًا ومتغيرًا، يحمل فيه الفرد أكثر من ذاكرة وأكثر من لغة وأكثر من طريقة لرؤية العالم.

وفي نهاية أكتوبر ينتظر أن يظهر وجه مختلف تمامًا لتجربة الهجرة العربية مع كتاب طوني شلهوب، الممثل الأميركي المعروف والمنحدر من أسرة لبنانية، بعنوان «ظننا أنهم لن يغادروا». إنه كتاب عائلي بامتياز، يستعيد الاجتماعات الأسرية والطعام والذكريات والوصفات التي عبرت من جيل إلى آخر داخل عائلة لبنانية أميركية كبيرة.

لا نجد هنا سجنًا أو حصارًا أو بيتًا فلسطينيًا مفقودًا، لكننا نجد سؤال الهوية نفسه في صورة أكثر هدوءًا. فالمطبخ يستطيع بدوره أن يكون أرشيفًا للهجرة، والوصفة التي تعدها الجدة قد تؤدي الوظيفة ذاتها التي تؤديها الحكاية أو القصيدة؛ إنها تحفظ شيئًا من المكان الأول داخل المكان الجديد.

ومن هنا أرى أن الحديث عن «أدب المهجر» يحتاج اليوم إلى إعادة نظر. المصطلح نفسه يوحي أحيانًا بوجود أدب يقع على هامش المركز، يكتبه مهاجرون يتحدثون من خارجه، بينما تكشف خريطة النشر الحالية شيئًا مختلفًا تمامًا. كتاب من أصول عربية يصدرون عن كبريات دور النشر الأميركية والبريطانية، وتدخل أعمالهم قوائم الجوائز الكبرى، وتُناقش في الصحافة والجامعات والنوادي الأدبية.

وقد أكد إعلان نهائيات الجائزة الوطنية للكتاب في الولايات المتحدة هذه الحقيقة بصورة يصعب تجاهلها، إذ ضمت القوائم خمسة أصوات من أصول عربية في مجالات الرواية والشعر والمذكرات والأدب المترجم، في حضور يكشف أن الكتابة العربية المهاجرة لم تعد تفصيلاً صغيرًا داخل الأدب الأميركي المعاصر.

واللافت أكثر أن فلسطين أصبحت مركزًا بارزًا داخل هذه الحركة الجديدة. فلسطين تحضر كبيت في حيفا، وكطابور دقيق، وكذاكرة عائلية، وكقصيدة، وكجدل حول اللغة والضمير، وكهوية يحملها الأبناء والأحفاد في نيويورك وواشنطن ومدن بعيدة عن الشرق الأوسط.

إن الكاتب العربي المقيم في الخارج لم يعد يكتب فقط لأنه بعيد عن وطنه، بل لأنه أصبح يعيش داخل أكثر من عالم في الوقت ذاته. يحمل معه اللغة الأولى، ويكتب أحيانًا باللغة الثانية، ويتوجه إلى قارئ قد لا يعرف الكثير عن تاريخ المنطقة لكنه يجد نفسه فجأة داخل بيت فلسطيني مسكون أو زنزانة مصرية أو مائدة لبنانية أميركية.

لهذا تبدو لي موجة خريف 2026 أكثر من مجرد سلسلة كتب جديدة. إنها علامة على انتقال أدب المهجر العربي إلى مرحلة أخرى؛ مرحلة لم يعد فيها المنفى مجرد جغرافيا للفقد، وإنما أصبح فضاء لإنتاج سرديات قادرة على مخاطبة العالم من داخله. فالكاتب الذي غادر وطنه لا يتركه بالضرورة خلفه، بل قد يحمله إلى لغة أخرى، وإلى مكتبة أخرى، وإلى قارئ لم يكن يتصور أن حكاية بعيدة عنه ستصبح فجأة جزءًا من أسئلته هو أيضًا.


0 التعليقات: