الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أكتوبر 07، 2026

من هو المتهم في خطاب تبون بين المغرب والمرضى النفسيين الجزائريين ؟ عبده حقي


كلما اشتعلت أزمة كبرى في الجزائر، أشعر أن السلطة لا تبحث فقط عن أسباب الكارثة بقدر ما تبحث عن متهم جاهز تعلق عليه إخفاقها، وكلما ضاقت مساحة التفسير الواقعي اتسعت مساحة المؤامرة، حتى صار المواطن الجزائري محاصرًا بسلسلة لا تنتهي من الأعداء المفترضين: هذا انفصالي، وذاك عميل، وهذا مدعوم من الخارج، وتلك يد أجنبية، ثم يأتي الدور اليوم على فئة هي من أضعف فئات المجتمع وأكثرها حاجة إلى الرعاية، أي الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية، ليظهروا فجأة في قلب رواية رسمية توحي بأنهم جرى استغلالهم لإحراق الغابات. بالنسبة إلي، لا يتعلق الأمر هنا بمجرد عبارة مثيرة للجدل صدرت في مقابلة تلفزيونية، بل بطريقة كاملة في الحكم وصناعة الخطاب، طريقة تبحث عن الرواية التي تبعد المسؤولية عن مؤسسات الدولة قبل أن تبحث عن الحقيقة التي قد تضع هذه المؤسسات نفسها تحت المساءلة.

أنا لا أجادل في أن حرائق الغابات قد تكون متعمدة، ولا أن بينها ما قد يكون جريمة كاملة الأركان، كما لا أنكر وجود حالات في العالم ثبت فيها تورط أشخاص يعانون اضطرابات نفسية في إشعال الحرائق، لكن المسافة شاسعة بين جريمة فردية يرتكبها شخص مريض نفسيًا وبين الحديث عن شبكات تستغل هؤلاء المرضى وتوظفهم في عملية واسعة تستهدف إحراق البلاد. هذا ليس تفصيلًا لغويًا يمكن المرور عليه بهدوء، لأن كلمة «استخدام» تعني وجود مستخدم، وخطة، وسلسلة أوامر، وجهة منظمة، وربما تمويل وهدف سياسي أو أمني. وعندما يخرج هذا الكلام من رئيس دولة، فإنه لا يعود تخمينًا في مقهى أو منشورًا متوترًا على مواقع التواصل الاجتماعي، بل يتحول إلى رواية رسمية تحمل في طياتها اتهامات ثقيلة جدًا، وهنا يصبح السؤال بسيطًا وقاسيًا في الوقت نفسه: أين الملفات؟ أين الموقوفون؟ أين المحاضر؟ أين الأدلة التقنية؟ أين القضاء الذي يؤكد أن شبكات بعينها استخدمت مرضى نفسيين لإحراق الغابات؟

أكثر ما يزعجني في هذا الخطاب أنه ينقل مركز النقاش من مسؤولية الدولة إلى غموض العدو. بدل أن يسأل الناس عن وسائل الإطفاء، وعن سرعة التدخل، وعن خرائط المخاطر، وعن الوقاية الاستباقية، وعن جاهزية الحماية المدنية، وعن تدبير الغابات، وعن الإنذار المبكر، يجدون أنفسهم أمام حكاية جديدة عن شبكات خفية وعناصر مجهولة وأدوات غامضة ومرضى نفسيين جرى تحريكهم في الظلام. هكذا تتبدل الأسئلة. بدل أن نسأل: هل كانت الدولة مستعدة؟ يصبح السؤال: من الذي يتآمر علينا؟ بدل أن نسأل: لماذا تأخر التدخل؟ نسأل: أي جهة أجنبية أو داخلية تقف وراء النار؟ وبدل أن يناقش الرأي العام الخلل المؤسسي، يغرق في مطاردة أشباح سياسية قد لا يملك عنها شيئًا سوى ما تقوله السلطة نفسها.

هذه ليست مجرد صدفة خطابية، بل نمط سياسي أعرفه جيدًا في أنظمة لا تحب أن ترى نفسها في المرآة. السلطة التي لا تريد أن تعترف بالخلل تحتاج دائمًا إلى طرف خارجي أو داخلي تنقل إليه مركز الغضب. وفي الجزائر، لم تعد قائمة المتهمين قصيرة أصلًا. سبق أن دخل المغرب إلى هذه السردية، ودخلت إسرائيل، ودخلت حركات انفصالية، ودخل معارضون، ودخلت جهات أجنبية متعددة، ثم ها نحن نصل إلى المرضى النفسيين بوصفهم أدوات مزعومة في يد جهات غامضة. بالنسبة إلي، هذا التوسع المستمر في خريطة الخصوم ليس علامة قوة، بل علامة مأزق سياسي؛ لأن الدولة الواثقة من مؤسساتها لا تحتاج إلى اختراع عدو جديد مع كل أزمة، بل تحتاج إلى وثيقة وتحقيق ومحكمة ومسؤول واضح.

والأكثر قسوة أن هذه الرواية لا تضر فقط بالنقاش السياسي، بل تضر أيضًا بصورة المرضى النفسيين أنفسهم. أنا أرفض أن يتحول الإنسان الذي يعاني اضطرابًا عقليًا إلى كائن مثير للشبهة في المخيال الجماعي، أو إلى شخص قابل للتوظيف الإجرامي بمجرد أنه مريض. هذه الفئة تعاني أصلًا من التهميش والوصم وسوء الفهم، وحين تصدر من أعلى سلطة سياسية رواية تربطها بحرائق كارثية، فإن الضرر لا يبقى داخل حدود السياسة، بل ينتقل إلى المجتمع، وإلى الأسر، وإلى نظرة الناس لكل من يعاني مرضًا نفسيًا. الخطاب السياسي هنا لا يكتفي بالهرب من الأسئلة، بل يخلق ضحية إضافية من فئة لم تكن طرفًا في النقاش أصلًا.

ثم هناك تناقض آخر لا يمكن تجاهله. إذا كانت الدولة تقول إن منفذي الحرائق قد يكونون مرضى نفسيين جرى استغلالهم، فكيف ينسجم ذلك مع خطاب العقاب الأقصى؟ المسؤولية الجنائية ليست مسألة انفعال شعبي، بل مسألة قانونية دقيقة، والشخص الذي يثبت أنه فاقد للإدراك أو ناقص الأهلية بسبب اضطراب عقلي خطير لا يعامل بالطريقة نفسها التي يعامل بها مجرم واعٍ يدرك أفعاله ونتائجها. فإذا كان هناك مستغلون حقيقيون، فلتُكشف أسماؤهم وليُقدموا إلى القضاء، أما جمع خطاب المرض النفسي مع خطاب الردع الأقصى داخل رواية سياسية واحدة، فإنه يضع الدولة أمام أسئلة قانونية وأخلاقية يصعب تجاوزها بالشعارات.

وما يلفت انتباهي أيضًا أن هذه الروايات ليست جديدة في تاريخ إدارة الكوارث. في أكثر من بلد عرف حرائق واسعة، ظهرت اتهامات عاجلة بالإرهاب أو التخريب أو المؤامرة، قبل أن تخف حرارة الخطاب مع تقدم التحقيقات. المشكلة أن السياسي يريد جوابًا سريعًا لأن الشارع يريد جوابًا، بينما الحقيقة القضائية تحتاج وقتًا وأدلة ومختبرات واستجوابات ومطابقة للوقائع. وعندما يسبق السياسي التحقيق، فإنه لا يساعد العدالة، بل يضغط عليها، وقد يرسم لها اتجاهًا مسبقًا. الأخطر من ذلك أن الرواية المبكرة قد تتحول إلى حقيقة إعلامية يصعب التراجع عنها، حتى لو جاءت الوقائع لاحقًا أكثر تعقيدًا أو مختلفة تمامًا.

أنا أرى أن الدولة التي تواجه الكارثة بجدية لا تحتاج إلى عدو أسطوري. تحتاج إلى مؤسسات، وإلى شفافية، وإلى محاسبة، وإلى شجاعة الاعتراف بالتقصير إن حدث. وإذا كانت الحرائق فعلًا نتيجة مخطط إجرامي، فذلك أخطر بما يكفي ليُعرض على الناس في ملف متكامل لا في عبارات غامضة. وإذا لم تكن هناك أدلة كافية، فالصمت المسؤول أشرف سياسيًا من اتهام فئات أو جهات من دون بينة. الدولة لا تكسب الهيبة من كثرة الاتهامات، بل من قدرتها على إثبات ما تقول.

في جوهر الأمر، أعتقد أن المشكلة أعمق من تصريحات عن الحرائق. إنها مشكلة بنية خطاب سياسي اعتاد تفسير الأزمة من الخارج أكثر مما يفسرها من الداخل. كلما ارتفع ثمن الفشل، ارتفعت معه نبرة المؤامرة. وكلما زادت الأسئلة عن الأداء الحكومي، اتسعت دائرة المتهمين. وهذه معادلة خطرة، لأن المواطن قد يصدقها مرة أو مرتين، لكنه مع تكرارها يبدأ في طرح سؤال أخطر: ماذا لو كانت المؤامرة مجرد لغة للهروب من المحاسبة؟

أنا لا أحتاج إلى إنكار وجود أعداء للجزائر حتى أنتقد هذا الخطاب. الدول لها خصوم، ولها تهديدات، ولها صراعات إقليمية، وهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية. لكن تحويل كل كارثة داخلية إلى فصل من فصول حرب خفية يجعل الدولة أسيرة لسرديتها نفسها. فإذا كان الخارج قادرًا فعلًا على التدخل في كل شيء، وإشعال الغابات، وتحريك الأفراد، واختراق الداخل، فهذا إقرار بعجز أمني كبير. وإذا لم يكن ذلك صحيحًا، فالمشكلة تصبح أكبر من ناحية أخرى: لأن الدولة تكون قد بالغت في صناعة الخوف لتغطية نقاط ضعفها.

بالنسبة إلي، الدولة القوية لا تحتاج إلى أن تخيف شعبها كي تقنعه بقوتها، ولا تحتاج إلى أعداء بلا أسماء كي تفسر كل عثرة. الدولة القوية تقدم أرقامًا، تقارير، تحقيقات، أحكامًا قضائية، خرائط للمخاطر، خططًا للمستقبل، ومسؤولين يظهرون أمام الناس ليقولوا ماذا حدث وما الذي أخطأوا فيه وما الذي سيغيرونه. أما الخطاب الذي يخلط المرض النفسي بالتخريب، والمؤامرة بالأمن، والسياسة بالكوارث الطبيعية، فإنه قد يصنع ضجيجًا كبيرًا، لكنه لا يصنع حقيقة.

وأنا أعتقد أن الجزائريين يستحقون أكثر من روايات ملتبسة. يستحقون أن يعرفوا الحقيقة كاملة: هل كانت الحرائق طبيعية أم مفتعلة أم مزيجًا من الاثنين؟ هل حدث تقصير في الوقاية؟ هل كانت وسائل التدخل كافية؟ هل جرى إجلاء السكان في الوقت المناسب؟ هل توجد بالفعل شبكات منظمة؟ إن وجدت، من هم أفرادها؟ من مولها؟ ومن اعتقل؟ ومن حوكم؟ هذه هي الأسئلة التي تبني الثقة، لا الكلمات الكبيرة.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة هو أن تجعل المؤامرة سياسة عمومية. فالمؤامرة قد تشتري وقتًا، لكنها لا تطفئ حريقًا، ولا تعيد غابة، ولا تعيد ضحية إلى الحياة، ولا تعالج خللًا إداريًا، ولا تبني ثقة بين الدولة والمواطن. وعندما يصبح كل فشل نتيجة يد خفية، تصبح اليد الظاهرة التي تدير الدولة خارج دائرة المحاسبة، وهذا هو جوهر المشكلة.

لذلك، أنا لا أقرأ تصريحات تبون عن المرضى النفسيين بوصفها مجرد زلة تعبير، بل بوصفها جزءًا من ثقافة سياسية كاملة تجعل من الاتهام بديلًا عن التفسير، ومن الشبهة بديلًا عن الإثبات، ومن المؤامرة ستارًا يحجب الأسئلة الأكثر إحراجًا. وإذا كانت السلطة الجزائرية تملك أدلة فعلية على أن جهات منظمة استغلت مرضى نفسيين لإحراق الغابات، فلتضعها أمام القضاء وأمام الرأي العام. أما إذا لم تكن تملك سوى التصريحات، فإن السؤال سيظل مطروحًا بقوة أكبر من كل رواية رسمية: من يحرق الحقيقة كلما اشتعلت الغابات؟



0 التعليقات: