أنظر إلى صور الشوارع الفرنسية المزدحمة بعشرات الآلاف من التلاميذ والطلبة والمدرسين وأولياء الأمور، فلا أرى مجرد احتجاج جديد يضاف إلى أرشيف فرنسا الطويل مع المظاهرات والإضرابات، بل أرى أزمة سياسية واجتماعية تتشكل أمام أعيننا في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ الجمهورية الخامسة. ففي السادس من أكتوبر 2026 خرج نحو 266 ألف شخص، وفق وزارة الداخلية الفرنسية، إلى الشوارع في مختلف أنحاء البلاد، بينهم 56 ألفًا في باريس، بينما رفعت التنظيمات الطلابية والنقابية الرقم إلى نحو 450 ألف متظاهر على الصعيد الوطني ومئة ألف في العاصمة. الرقم وحده مثير للانتباه، لكن ما يستوقفني أكثر هو هوية الذين يقفون خلفه: جيل من تلاميذ المدارس الثانوية بدأ احتجاجه من أسئلة تبدو في ظاهرها تعليمية، ثم سرعان ما فتح أبوابًا أوسع على أزمة الدولة والسياسة والمستقبل.
البداية لم تكن من قصر الإليزيه ولا من مقر حزب سياسي أو نقابة مركزية كبرى، وإنما من مدارس تشتكي نقص المدرسين والوسائل، واكتظاظ الأقسام، وتردي بعض البنايات، وضغوط الدراسة، وانتقادات نظام «باركورساب» الذي ينظم الانتقال إلى التعليم العالي. وما انطلق في الضواحي الباريسية خلال شتنبر توسع خلال أيام ليصبح حركة وطنية، وبدأت فئات أخرى تلتحق بها: طلبة جامعات، ومدرسون، وآباء وأمهات، ونقابيون، بل ومتقاعدون أيضًا. وهذه النقلة من مطلب مدرسي محدود إلى حركة اجتماعية متعددة المشارب هي، في تقديري، المفتاح الحقيقي لفهم ما يحدث اليوم في فرنسا.
لا يقلق أي حكومة أن يحتج جزء من المجتمع بقدر ما يقلقها أن تنجح قضية واحدة في جمع غضب فئات مختلفة حولها. وهنا تكمن صعوبة الموقف بالنسبة إلى حكومة سيباستيان لوكورنو. فالاحتجاج بدأ من المدرسة، لكنه صار يستوعب تدريجيًا مشاعر أوسع تتعلق بتكاليف المعيشة والقلق من المستقبل والشعور بتراجع الخدمات العمومية وعدم الثقة في قدرة المؤسسات على سماع المواطنين قبل انفجار الغضب في الشوارع. لهذا لا أعتقد أن قراءة هذه الحركة بوصفها مجرد «أزمة ثانويات» تكفي لفهم حجمها السياسي.
لقد أعلنت التنظيمات الطلابية، على سبيل المثال، مطالب باستثمارات عاجلة بمليارات اليوروهات لتحسين التعليم، بينما تواجه الحكومة واقعًا ماليًا بالغ الصعوبة. فقد تجاوز الدين العام الفرنسي خلال 2026 مستويات مرتفعة للغاية مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي، وتواجه الدولة ضغطًا مستمرًا لتقليص عجز الموازنة، فيما ترتفع كلفة خدمة الدين. وهكذا تقع الحكومة بين مطلب اجتماعي يدعوها إلى الإنفاق أكثر وحساب مالي يدفعها إلى الإنفاق بحذر أكبر.
هذه المفارقة تجعلني أرى أن الأزمة الحالية تتجاوز السؤال البسيط: هل تستطيع حكومة لوكورنو تقديم المزيد من الأموال للمدارس؟ السؤال الأعمق هو: هل ما تزال الدولة الفرنسية قادرة على الحفاظ على نموذجها الاجتماعي الواسع في ظل القيود المالية المتزايدة؟ فالمواطن الفرنسي اعتاد أن يرى في المدرسة والمستشفى والنقل والحماية الاجتماعية تعبيرًا مباشرًا عن حضور الجمهورية، وأي تراجع في جودة هذه الخدمات يتحول سريعًا من مشكلة إدارية إلى مسألة سياسية تتعلق بالعقد الاجتماعي نفسه.
ثم جاءت المواجهات الأمنية لتضيف طبقة جديدة من الغضب. ففي يوم السادس من أكتوبر وحده سُجلت 488 عملية توقيف، وبلغ مجموع التوقيفات المرتبطة بالحركة منذ 28 شتنبر أكثر من 6500، وفق وزارة الداخلية. كما أثارت إصابات تعرض لها متظاهرون، وبينهم قاصرون، نقاشًا واسعًا حول أساليب تدخل قوات الأمن. الحكومة من جانبها تؤكد ضرورة حفظ النظام ومواجهة أعمال العنف والتخريب والاعتداءات التي رافقت بعض التحركات، بينما تتهم أطراف من المعارضة وجمعيات وناشطون السلطات باستخدام قوة مفرطة في بعض الحالات.
هنا بالضبط تدخل حكومة لوكورنو منطقة سياسية شديدة الخطورة، لأن أي حكومة تواجه حركة يقودها المراهقون والطلبة تصبح مطالبة بموازنة دقيقة جدًا بين الأمن والحوار. وإذا تحولت صورة الأزمة في الرأي العام من «احتجاجات تحتاج إلى التنظيم» إلى «شباب تقمعهم الدولة»، فإن القضية التعليمية نفسها قد تصبح ثانوية أمام أزمة شرعية سياسية وأخلاقية أوسع. وفي الاتجاه المقابل، إذا أصبحت مشاهد التخريب والاعتداء والحرق هي الصورة المهيمنة، تستطيع الحكومة الدفاع عن تشديد التدابير الأمنية باعتباره ضرورة لحماية المدارس والأساتذة والممتلكات العامة. ولهذا أصبحت المعركة أيضًا معركة على تفسير ما يجري وعلى الصورة التي ستبقى في ذاكرة الفرنسيين.
وقد حاول لوكورنو فتح باب للحوار بإتاحة وقت داخل المؤسسات التعليمية لتنظيم نقاشات مع التلاميذ، لكن هذه الإجراءات بدت محدودة قياسًا بحجم التعبئة. الحكومة تعرف أن إخماد الاحتجاج بالقوة وحدها قد يزيده اشتعالًا، لكنها تعرف كذلك أن الاستجابة الكاملة للمطالب المالية في الوقت الراهن صعبة للغاية. ولذلك تبدو كأنها عالقة بين طريقين مكلفين سياسيًا: التنازل الواسع أو التشدد الأمني.
ولا يمكنني أن أفصل كل ذلك عن حقيقة سياسية أكبر: فرنسا أصبحت على بعد أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية لعام 2027، وهي الانتخابات التي ستنهي حقبة إيمانويل ماكرون في الإليزيه بعد ولايتين دستوريتين متتاليتين. ولذلك فإن كل أزمة اجتماعية تقع اليوم لا تُقرأ فقط في حاضرها، بل تُترجم تلقائيًا إلى سؤال عن إرث الماكرونية وعن شكل فرنسا التي ستولد بعد مغادرة ماكرون.
لقد وصل ماكرون إلى السلطة سنة 2017 وهو يحمل وعدًا بتجاوز الانقسام التقليدي بين اليمين واليسار وبناء مركز سياسي جديد. لكنه يغادر المشهد الرئاسي بعد عقد شهد حركة «السترات الصفراء»، وصراع إصلاح التقاعد، وتوترات اجتماعية متكررة، وأزمات سياسية وبرلمانية عميقة، ثم حركة طلابية واسعة تعيد إلى الواجهة سؤال العلاقة بين السلطة والشارع. وهذه الوقائع لا تختزل حصيلة عشر سنوات كاملة، لكنها ستكون بلا شك جزءًا من النقاش السياسي الذي سيصوغ سرديات المرشحين للمرحلة المقبلة.
المفارقة أن الشبان الذين خرجوا اليوم إلى الشوارع هم جزء من أول جيل سياسي عاش معظم وعيه العام تحت رئاسة ماكرون. إنهم لا يقارنون بالضرورة الرئيس الحالي بفرانسوا هولاند أو نيكولا ساركوزي، لأن جزءًا منهم كان طفلًا في تلك المرحلة. ماكرون بالنسبة إليهم ليس مرحلة عابرة في التاريخ السياسي الفرنسي، بل هو النظام الذي نشأوا في ظله. لذلك فإن احتجاجهم يمكن قراءته أيضًا باعتباره تعبيرًا عن جيل يحاول أن يكتب تعريفه الخاص للجمهورية التي يريد أن يعيش فيها.
ولكنني أتحفظ كثيرًا على تحويل مشاهد الشوارع فورًا إلى توقعات انتخابية. الاحتجاجات الاجتماعية لا تتحول بصورة آلية إلى أصوات لصالح حزب بعينه. الشارع الفرنسي اليوم متعدد سياسيًا، والمشاركون فيه لا يمثلون كتلة انتخابية موحدة. ما يمكن قوله، بصورة أكثر دقة، هو أن هذه الاحتجاجات تضيف التعليم والشباب وجودة الخدمات العمومية واستخدام القوة الأمنية إلى قلب النقاش الذي يسبق انتخابات 2027، وتفرض على مختلف التيارات السياسية تقديم إجابات بشأنها.
وهنا تصبح حكومة لوكورنو في وضع غير مريح، لأنها ليست مجرد حكومة تدبر الأشهر الأخيرة من ولاية رئاسية، بل أصبحت، شاءت أم أبت، أحد الوجوه التي سيُقرأ من خلالها إرث ماكرون. وكل قرار تتخذه اليوم، سواء في الميزانية أو التعليم أو الأمن، قد يتحول إلى مادة في النقاش حول ما إذا كان المشروع السياسي الذي حكم فرنسا طوال العقد الماضي استطاع تجديد نفسه أو وصل إلى حدوده.
الأخطر بالنسبة إليّ ليس رقم ربع مليون متظاهر في حد ذاته، لأن فرنسا عرفت في تاريخها الحديث احتجاجات أضخم منه، وإنما سرعة انتقال الحركة من ثانوية إلى أخرى ومن مدينة إلى أخرى، وقدرتها على جذب تضامن فئات خارج الوسط المدرسي. لقد بدأت الحركة في منطقة باريس ثم انتشرت في أنحاء البلاد خلال فترة قصيرة، وهو ما جعل الصحافة الفرنسية تصفها بأنها من أبرز حركات تلاميذ الثانويات منذ عقود.
التاريخ الفرنسي يعلمنا أن الاحتجاجات الكبرى نادرًا ما تبقى محصورة داخل القضية التي أشعلتها. الشرارة قد تكون إصلاحًا جامعيًا أو ضريبة أو قانونًا اجتماعيًا، لكن استمرار التعبئة يجعلها وعاء تتجمع داخله مظالم مختلفة. وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي تخشاه أي حكومة: أن تتحول «مطالب التلاميذ» إلى جبهة غضب اجتماعي أوسع تضم قطاعات لا يجمع بينها برنامج واحد، لكنها تتفق على رفض طريقة إدارة الدولة للأزمات.
غير أن المقارنة الآلية مع انتفاضة ماي 1968 أو حركة السترات الصفراء قد تكون مضللة أيضًا. الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية مختلفة، والحركة الحالية ما زالت في طور التشكل. قوتها المقبلة ستتوقف على قدرتها على المحافظة على التعبئة، وعلى موقف النقابات والمدرسين والطلاب الجامعيين، وعلى حجم الاستجابة الحكومية، وعلى ما إذا كانت أعمال العنف ستبقى هامشية أم تصبح عنصرًا يطغى على المطالب الأصلية.
ما أراه واضحًا حتى الآن هو أن المدرسة الفرنسية تحولت إلى مرآة تعكس أزمة أوسع بكثير من جدران الأقسام. خلف الحديث عن مدرس غائب أو قسم مكتظ أو مبنى متداعٍ يوجد سؤال عن أولويات الدولة. خلف الاحتجاج على «باركورساب» يوجد خوف من المستقبل. وخلف غضب التلاميذ توجد فجوة متنامية بين لغة المؤسسات ولغة جيل يرى العالم من خلال الأزمات الاقتصادية والمناخية والتكنولوجية والسياسية المتلاحقة.
لذلك فإن صورة مئات الآلاف في شوارع باريس وليون ومرسيليا ورين وليل وغيرها ليست، في نظري، مجرد خبر عاجل ينتهي بانتهاء المسيرة. إنها صورة لفرنسا وهي تدخل السنة الأخيرة من مرحلة سياسية طويلة والأسئلة أمامها أكثر من الأجوبة. هل تستطيع الدولة استعادة ثقة شبابها؟ هل يمكن التوفيق بين التقشف المالي والحفاظ على جودة الخدمات العمومية؟ أين تنتهي ضرورة الأمن وتبدأ مسؤولية الحوار؟ وأي عقد اجتماعي سيحمله الجيل الذي سيقود فرنسا بعد ماكرون؟
ربع مليون متظاهر ــ أو 450 ألفًا بحسب تقدير المنظمين ــ لا يقدمون لنا جوابًا نهائيًا عن مستقبل فرنسا، لكنهم يفرضون السؤال بقوة. وما يجري اليوم في المدارس والشوارع قد يصبح أحد النصوص الأساسية التي سيُقرأ من خلالها انتهاء المرحلة الماكرونية وبداية الصراع على تعريف الجمهورية الفرنسية المقبلة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق