الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الاثنين، أكتوبر 05، 2026

في اليوم العالمي للمدرس: بين هيبة الأمس وقلق الغد: عبده حقي


في الخامس من أكتوبر، اليوم العالمي للمدرسين، أعود بذاكرتي إلى زمن كان فيه المدرس يدخل القسم حاملاً محفظة ثقيلة، ودفتر الغياب، وبعض الكتب التي اصفرّت أطرافها من كثرة الاستعمال، وقطعة طباشير تكاد تكون أداته الوحيدة في مواجهة اتساع العالم. كان يقف أمام السبورة كما يقف بحّار أمام بحر لا نهاية له، يكتب حرفًا، يمسحه، يعيد كتابته، ثم يلتفت نحو عشرات العيون الصغيرة التي تنتظر منه أن يفتح لها نافذة في جدار الجهل. لم تكن هناك شاشات ذكية، ولا حواسيب محمولة، ولا منصات رقمية، ولا محركات بحث، ولا روبوتات محادثة تجيب في ثوانٍ عن أسئلة كانت تحتاج منا قديمًا إلى أيام من القراءة والبحث، ومع ذلك كان لذلك الرجل أو لتلك المرأة اللذين يقفان أمام السبورة سلطة معرفية وأخلاقية تكاد تقترب في مخيلة الطفل من سلطة الأب والأم.

أتذكر المدرس في الماضي بوصفه أحد حرّاس المعرفة القلائل. كان الكتاب نادرًا، والمكتبة بعيدة، والجريدة تصل متأخرة، والتلفزيون نفسه لم يكن نافذة مفتوحة على كل شيء كما هو اليوم. لذلك كان المدرس هو الطريق المختصر إلى العالم. منه نتعلم أسماء القارات والبحار، ومنه نكتشف الشعراء والعلماء، ومن صوته نسمع للمرة الأولى حكايات التاريخ وأسرار الأعداد وأسماء النجوم. وربما أخطأ المدرس أحيانًا، وربما كان صارمًا أكثر مما ينبغي، وربما كانت المدرسة القديمة تحمل معها أساليب لم نعد نقبل بها اليوم، لكن مكانته كانت واضحة: كان المجتمع يعرف تقريبًا لماذا يحتاج إليه.

أما اليوم، فأشعر أن السؤال لم يعد بهذه البساطة.

أقف أمام المشهد التعليمي الراهن وأرى المدرس محاصرًا بين عالمين: عالم قديم ما زال يطالبه بأن يكون المصدر الأول للمعرفة، وعالم جديد يسحب منه هذه الوظيفة ببطء كل صباح. يدخل التلميذ إلى القسم وفي جيبه هاتف يحتوي على مكتبات العالم كلها، وعلى محركات بحث وصور وخرائط وفيديوهات ومحاضرات ومنصات تعليمية، ثم يدخل الآن الذكاء الاصطناعي إلى هذا الهاتف ليصبح قادرًا على شرح الدرس، وتلخيص الكتاب، وحل التمرين، واقتراح موضوع الإنشاء، وترجمة النص، وتصحيح الأخطاء، بل ومحاكاة الحوار مع أستاذ لا يتعب ولا يغضب ولا يطالب بأجر ولا بتقاعد.

وهنا يبدأ قلقي الحقيقي.

لا أخشى التكنولوجيا لأنها تكنولوجيا، ولا أرى الذكاء الاصطناعي خصمًا ينبغي طرده من المدرسة، فهذا سيكون شبيهًا بمحاولة طرد الكهرباء من البيت. ما أخشاه هو أن ندخل هذا العالم الجديد من دون أن نعيد تعريف معنى المدرس. إذا بقي الأستاذ مجرد ناقل للمعلومة، فإن الآلة ستنافسه بسهولة وربما تتفوق عليه في السرعة وفي وفرة المصادر. أما إذا أصبح المدرس صانعًا للعقل، وموقظًا للسؤال، ومرشدًا أخلاقيًا ومعرفيًا، ومساعدًا للتلميذ على التمييز بين الحقيقة والزيف، فإن الذكاء الاصطناعي لن يلغي دوره، بل سيجعل هذا الدور أكثر أهمية.

المشكلة أن الطريق بين الصورتين ما زال ضبابيًا.

أتخيل قسم الغد، فأرى تلميذًا يسأل مساعدًا ذكيًا قبل أن يسأل مدرسه. أراه يحصل على عشر إجابات في عشر ثوان، لكنه لا يعرف أيها أصح. أراه ينتج نصًا جميلًا لم يكتبه، ويحل تمرينًا لم يفهمه، ويقدم بحثًا لم يقرأ مراجعه، وهنا يصبح المدرس آخر حاجز بين المعرفة بوصفها بناءً للإنسان، والمعرفة بوصفها بضاعة رقمية جاهزة للاستهلاك.

لذلك أعتقد أن مدرس المستقبل لن يكون حافظ الإجابات، بل حارس الأسئلة.

سيكون مطلوبًا منه أن يعلم الطفل كيف يسأل الآلة، وكيف يشك في جوابها، وكيف يعود إلى المصدر، وكيف يكتشف التحيز والخطأ والوهم، وكيف يحافظ على صوته الشخصي في زمن يستطيع فيه الروبوت أن يكتب نيابة عنه. سيكون عليه أن يدافع عن ملكة التفكير، وهي ربما تصبح في العقود القادمة أثمن من ملكة الحفظ.

لكنني كلما قلت إن مسؤولية المدرس ستصبح أكبر، سألت نفسي: هل نمنحه في المقابل ما يكفي من الحقوق؟

في المغرب، لا أستطيع أن أحتفل بالمدرس في الخامس من أكتوبر وأنسى واقعه الاجتماعي والمهني. فقد عرفت السنوات الأخيرة احتجاجات طويلة ونقاشات واسعة حول النظام الأساسي والأجور والترقي والحركة الانتقالية وظروف العمل والحوار الاجتماعي. وصدر النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية سنة 2024، فيما ما زالت الوزارة والنقابات التعليمية تتابع خلال 2026 تنزيل ما تبقى من اتفاقي 10 و26 دجنبر 2023 ومقتضيات هذا النظام. وهذه التفاصيل القانونية والإدارية ليست بالنسبة إلي مجرد أوراق، لأنها تتعلق بحياة بشر يقفون كل صباح أمام ملايين الأطفال.

كما أن المغرب استكمل خلال يناير 2026 مسارًا تشريعيًا لمشروع القانون المتعلق بالتعليم المدرسي، في سياق رسمي يربط إصلاح المدرسة بمبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص وجودة التعلمات ومواكبة التحولات التكنولوجية والاجتماعية والاقتصادية. لكنني أرى أن كل إصلاح للتعليم يبقى ناقصًا إذا لم يبدأ من السؤال الأكثر بساطة: من سيحمل هذا الإصلاح داخل القسم؟

الجواب هو المدرس.

ولهذا أرفض أن نتحدث عن إصلاح المدرسة كما لو أن المدرس مجرد قطعة قابلة للاستبدال داخل آلة إدارية ضخمة. للأستاذ الحق في أجر يصون كرامته، وفي ترقية واضحة وعادلة، وفي حركة انتقالية تراعي حياته الأسرية والاجتماعية، وفي تكوين مستمر حقيقي، وفي بيئة عمل آمنة، وفي حماية من العنف والإهانة، وفي وسائل بيداغوجية حديثة، وفي وقت كاف للتدريس والتحضير بدل الغرق في المهام الإدارية.

وله أيضًا، في زمن الذكاء الاصطناعي تحديدًا، حق جديد لم نكن نتحدث عنه قبل سنوات: الحق في التأهيل التكنولوجي.

ليس من العدل أن ندخل المنصات الرقمية والسبورات الذكية والخوارزميات إلى المدرسة ثم نترك المدرس يتعلم وحده كيف ينجو منها. لا يمكن أن نطالب أستاذًا بتكوين جيل يعيش داخل الذكاء الاصطناعي بينما لا نتيح له تدريبًا جادًا على فهم هذا الذكاء واستعماله ونقده. إن التكوين الرقمي لم يعد ترفًا، بل صار جزءًا من العدالة المهنية.

وأضيف إلى ذلك حقًا آخر: الحق في ألا تتحول التكنولوجيا إلى أداة لمراقبته وتحويله إلى رقم.

أخشى أن يكون الوجه المظلم للمدرسة الرقمية هو أن يصبح كل شيء قابلًا للقياس الآلي: مدة الحصة، نسب النجاح، الواجبات، الغياب، الأداء، التقويم، ثم يُختزل المدرس في جداول ولوحات بيانات. والتعليم، في جوهره، أكثر تعقيدًا من ذلك. هناك أستاذ ينقذ تلميذًا من الانقطاع بكلمة، وأستاذة تكتشف طفلاً موهوبًا لا يظهر في الأرقام، ومدرس يقضي وقتًا إضافيًا مع تلميذ خائف. كيف ستقيس الخوارزمية هذا النوع من العطاء؟

إن مستقبل المدرس يبدو لي ضبابيًا لأننا لا نعرف إلى أي حد ستذهب الآلة. قبل سنوات قليلة كان من الصعب تخيل برنامج يتحاور مع الإنسان بهذه القدرة، واليوم أصبح ذلك عاديًا. فماذا سيحدث بعد عشرين سنة؟ هل سيجلس الطفل أمام معلم افتراضي يعرف مستواه وذاكرته وأخطاءه ونمط تعلمه ويصمم له درسًا خاصًا في كل دقيقة؟

ربما.

لكن حتى لو حدث ذلك، سأظل أعتقد أن هناك شيئًا لا تستطيع الآلة أن تمنحه بسهولة: أن يرى الطفل في عيني إنسان بالغ إيمانًا بقدرته على أن يصبح أفضل.

التعليم ليس مجرد نقل معلومة من رأس إلى رأس. إنه انتقال للثقة، وللشغف، وللعدوى الإنسانية الجميلة التي تجعل طفلًا يحب الشعر لأن أستاذه قرأ قصيدة بحماس، أو يحب الرياضيات لأن مدرسه جعله يرى في الأرقام موسيقى خفية، أو يختار الكتابة لأن أستاذًا كتب في هامش دفتره ذات يوم: «لديك موهبة».

قد تنسى الآلة الجملة فورًا.

أما الطفل فقد يحملها ستين عامًا.

في اليوم العالمي للمدرسين، لا أريد أن أكتب مرثية لمهنة تحتضر، ولا نشيدًا رومانسيًا لماضٍ لن يعود. أريد أن أدافع عن مدرس جديد يولد أمامنا الآن: مدرس لا يخاف من الخوارزمية ولا يخضع لها، يستعملها لكنه لا يسمح لها بأن تستعمله، يفتح للتلميذ أبواب التكنولوجيا ثم يعلمه ألا يفقد إنسانيته وهو يعبرها.

وأريد في المغرب مدرسة تفهم أن كرامة المدرس ليست امتيازًا نقابيًا، بل شرط من شروط جودة التعليم. فالأستاذ المرهق والمهمش والقلق على مستقبله لا يمكن أن نطالبه كل صباح بأن يصنع مستقبل الآخرين.

في الخامس من أكتوبر، أتذكر المدرس القديم وقطعة الطباشير في يده، وأنظر إلى مدرس اليوم والشاشة أمامه، ثم أتخيل مدرس الغد واقفًا بين طفل وخوارزمية.

تغيرت الأدوات، وتغيرت السبورة، وتغيرت الكتب، وسوف تتغير المدرسة أكثر مما نستطيع توقعه.

لكنني لا أزال أؤمن بأن أجمل لحظة في التعليم ستظل تلك اللحظة التي يلتقي فيها عقل إنسان بعقل إنسان آخر، فيوقظ فيه سؤالًا لم يكن موجودًا من قبل.

هناك، في تلك الشرارة الصغيرة، يبدأ التعليم الحقيقي.

وهناك أيضًا يبدأ المستقبل.

بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


0 التعليقات: