كنتُ أمشي داخل رأسي كما يمشي الغريب في مدينةٍ وُلدت شوارعها بعد منتصف الليل، وكانت ذاتي تسبقني بخطواتٍ لا أسمعها، تحمل تحت ذراعها مفتاحًا مصنوعًا من ضوءٍ بارد، وتفتح به أبوابًا لم أكن أعرف أنني أغلقتها ذات يوم. كلما حاولت أن أناديها باسمي، التفت إليَّ وجهٌ آخر، وجهٌ يشبهني إلى الحد الذي يجعلني أشك في أنني لست سوى ظلّه المتأخر، وأن ذلك الذي أسمّيه «أنا» ليس سوى طائرٍ أسود يحطّ كل صباح فوق كتفي ثم يطير قبل أن أتعرف إلى لون جناحيه.
كنت أريد أن أمسك بتلك الذات التي ترتفع فوقي كنجمةٍ مربوطة بخيطٍ سري إلى صدري، أن أُنزلها من سمائها، أن أجعلها تجلس إلى جانبي على كرسيٍّ من ماء، وأن أسألها: أيُّنا صاحب هذا الاسم؟ أيُّنا يسكن الآخر؟ لكنها كانت تضحك، وكان ضحكها يتساقط من السقف على هيئة مفاتيح صغيرة، فأجمعها في جيبي ثم أكتشف أن كل مفتاح يفتح بابًا يؤدي إلى باب آخر، وأنني كلما اقتربت من نفسي ابتعدت عن الصورة التي صنعتها عنها.
هناك فهمت أن التربية الحقيقية ليست أن أملأ رأسي بالأسماء والخرائط والقوانين، بل أن أتعلم قيادة ذلك الكائن الخفي الذي يعيش فوق حدودي، أن أصير في اللحظة نفسها المسافر والطريق، اليد التي تكتب والورقة التي تتلقى الجرح، أن أكون «أنا» التي تنظر و«أنا» التي تُرى، وأن أتحمل المسافة المشتعلة بينهما دون أن أهرب إلى يقينٍ جاهز.
ثم ظهر الآخرون.
خرجوا من الجدران مثل نباتاتٍ بشرية، لكل واحد منهم نافذة في الجبهة وبحر صغير خلف العينين، فمددت يدي نحوهم، لكن أصابعي اصطدمت أولًا بأبوابي المغلقة. أردت أن أفهمهم، أن أعرف السر الذي يجعل أحزانهم تتكلم بلغات لا أسمعها، فاكتشفت أن جهلي بهم لم يكن سوى الغرفة الخلفية لجهلي بنفسي. كل إنسان اقترب مني كان يضع أمامي سؤالًا عني أنا، وكل وجه غريب كان يفتح في صدري ممرًا لم تطأه قدماي.
أدركت أنني لا أستطيع الدخول إلى قلب أحد وأنا أجهل دهاليزي، وأن التعاطف ليس نافذة نفتحها على الآخرين، بل جدار نهدمه داخلنا أولًا. فالذي لم ينزل إلى قاع نفسه سيظن أعماق الآخرين حفرًا، والذي لم يسمع الضجيج المختبئ تحت صمته سيعتبر صرخات الناس مبالغة، والذي لم يصادق وحوشه الداخلية سيقضي عمره وهو يطارد الوحوش في وجوه الغرباء.
لهذا صرت أتعلم نفسي كما يتعلم طفلٌ أبجديةً مكتوبة على جناح فراشة؛ حرفًا يسقط، وحرفًا يطير، وحرفًا يختفي بمجرد أن ألمسه. وكلما عرفت عني شيئًا انفتح الآخر أمامي قليلًا، كزهرةٍ تتردد في استقبال الفجر. لم أعد أبحث عن الناس خارج جلدي فقط، فقد كانوا يمرون جميعًا في داخلي: خوفهم، رغباتهم، أخطاؤهم، وحدتهم، ذلك الجوع القديم إلى أن يقول لهم أحد: لقد رأيتك حقًا.
وفي آخر الممر، حيث انتهت أسماء الأشياء وبدأ الصمت يتكلم، رأيت ذاتي العليا تنتظرني فوق سلّمٍ من الغيوم. لم تمد يدها إليّ، ولم تطلب مني الصعود. اكتفت بأن تركت بابًا مفتوحًا في الهواء، فعرفت أن أعظم درس يمكن أن أتلقاه ليس أن أصبح سيد العالم، بل أن أصير حاضرًا في نفسي بما يكفي لأرى إنسانًا آخر دون أن أضع وجهي فوق وجهه.







0 التعليقات:
إرسال تعليق