الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الجمعة، سبتمبر 11، 2026

خريطة الكتب العربية الجديدة: بقلم الكاتب المغربي عبده حقي


لا تزال صناعة الكتاب العربي، على الرغم من كل ما يقال عن تراجع القراءة وضغط الوسائط الرقمية وتحوّل الذائقة نحو المحتوى السريع، قادرة على إنتاج مفاجآت ثقافية حقيقية. والمتابع لما صدر خلال الأيام الأولى من شتنبر 2026 يكتشف أمامه مشهدًا متنوعًا لا تختزله الرواية وحدها، بل تتجاور فيه السيرة السياسية مع البحث التاريخي، والأنثروبولوجيا مع قضايا الهوية، وقصيدة النثر مع أدب اليافعين، كما يعود سؤال الحرب والذاكرة والاقتلاع بقوة إلى عدد من الأعمال السردية الجديدة.

وإذا كانت معارض الكتب العربية الكبرى قد تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى إحدى الآليات الأساسية لإطلاق الإصدارات الجديدة، فإن حركة النشر في هذه الأيام تكشف أيضًا عن اتساع الجغرافيا الثقافية العربية نفسها: من بيروت وعمّان والدوحة والقاهرة وبنغازي ومسقط إلى لندن، ومن دور عربية عريقة إلى مؤسسات بحثية ودور متخصصة، وصولًا إلى ناشرين عالميين يقدمون دراسات عن العالم العربي بلغات أجنبية.

ولذلك لا أريد في هذه الجولة أن أقدم للقارئ مجرد لائحة ببليوغرافية باردة، بل أن أقرأ ما تخبرنا به هذه الكتب الجديدة عن اللحظة العربية الراهنة، وعن الأسئلة التي تشغل المؤلف والناشر والقارئ معًا.

«بلون التراب»: السوري يعود إلى جراح جيله

من أحدث العناوين التي وصلت إلى المكتبات رواية «بلون التراب» للكاتب السوري عزيز تبسي، الصادرة عن دار ميسلون، والمعلن عنها في 10 شتنبر الجاري. الرواية تستعيد مسار ثلاثة أصدقاء جمعتهم الخدمة العسكرية في أواخر سبعينيات القرن الماضي، قبل أن تقذف بهم التحولات السياسية والعسكرية السورية في اتجاهات متباعدة.

ليس الأمر مجرد حكاية ثلاثة أفراد، وإنما ما يشبه سيرة جيل كامل بدأ حياته بالأحلام السياسية والشبابية، ثم وجد نفسه أمام العنف والملاحقة والمنفى وتشتت العائلات. ولذلك وُصفت الرواية بأنها أشبه بمرثية طويلة لجيل من الحالمين. 

هذا النوع من السرد يؤكد أن الرواية السورية ما تزال تشتغل بقوة على تحويل التاريخ القريب إلى ذاكرة أدبية. الحرب هنا لا تظهر باعتبارها حدثًا عسكريًا فقط، بل باعتبارها آلة ضخمة لإعادة تشكيل المصائر الشخصية.

«ياسمين مغارة الدم»: الحرب السورية بين الرواية والمغامرة التاريخية

وفي الاتجاه ذاته تقريبًا، صدرت عن دار سائر المشرق رواية «ياسمين مغارة الدم» للروائي والباحث والصحفي السوري رفعت إسماعيل بو عساف.

الرواية تتحرك بين سوريا وأوروبا، وتتبع شخصية إبراهيم الذي يواجه الحرب والتطرف قبل أن تدفعه رحلة اللجوء إلى القارة الأوروبية. لكن الكاتب لا يكتفي بالسرد الواقعي المباشر، بل يزاوج بين المأساة الإنسانية والتاريخ والتشويق وأسرار الحضارات والجماعات السرية.

وهكذا تبدو الهجرة واللجوء والحرب في الرواية العربية الجديدة موضوعات لم تعد تُروى فقط بمنطق الشهادة، بل أصبحت تدخل في تركيبات سردية أكثر تعقيدًا، تجمع الوثيقة بالمتخيل والتاريخ بالأسطورة.

ربعي المدهون و«نافذة روت كل شيء»: فلسطين تكتب نفسها

ومن أهم إصدارات هذا الشهر رواية «نافذة روت كل شيء» للروائي الفلسطيني ربعي المدهون، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت وعمّان بالتزامن مع «مكتبة كل شيء» في حيفا.

أهمية الرواية لا تأتي فقط من اسم صاحبها، وإنما من موقعها داخل مشروعه الروائي؛ فهي تختتم ثلاثية بدأت بـ «السيدة من تل أبيب» ثم «مصائر».

تنطلق الرواية من عكا، حيث يعود وليد دهمان ويقيم في غرفة داخل بيت في المدينة القديمة يحولها إلى مختبر للكتابة والسرد، لكن الرواية سرعان ما تدفع شخصيتها نحو غزة عشية الانفجار الكبير الذي سيغير مصير المكان والناس. 

إننا هنا أمام نموذج لافت لما يمكن أن نسميه الرواية التي تعي أنها رواية؛ فالشخصية تصبح جزءًا من عملية الكتابة، والمدينة نفسها تتحول إلى مؤلف موازٍ، فيما تتداخل الحقيقة والتخييل بطريقة تجعل من سؤال: «من يكتب من؟» واحدًا من مفاتيح العمل.

ومن الصعب النظر إلى هذا الإصدار بعيدًا عن مركزية فلسطين في الإبداع العربي الراهن. فغزة وعكا والمنفى والذاكرة ليست مجرد أمكنة روائية، وإنما أصبحت مختبرًا أخلاقيًا وجماليًا يضع الرواية العربية أمام أكثر أسئلتها قسوة.

ساركوزي من الإليزيه إلى السجن

ومن الكتب التي ستثير بلا شك فضول القارئ العربي الترجمة العربية لكتاب «يوميات سجين» للرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، الصادرة عن دار نوفل – هاشيت أنطوان بترجمة أدونيس سالم.

في الكتاب يستعيد ساركوزي تفاصيل المحاكمة والسجن والتحول الصادم من أعلى موقع في الجمهورية الفرنسية إلى تجربة العزلة خلف القضبان. ويقع الكتاب في 136 صفحة بحسب بيانات الإصدار العربي. 

وأهمية نشر الكتاب بالعربية تتجاوز شخصية ساركوزي نفسها، لأنها تشير إلى استمرار اهتمام دور النشر العربية بكتب الشهادة السياسية والسير التي تسمح للقارئ بالدخول إلى المساحات الشخصية المغلقة للشخصيات التي صنعت الأخبار لسنوات طويلة.

فالقارئ الذي كان يرى الرئيس على شاشات التلفزيون وهو يقرر في ملفات دولية وحروب وأزمات، يجد نفسه الآن أمام صوته الشخصي وهو يعيد النظر في السلطة والسقوط والعزلة.

اللغة العربية بوصفها ساحة للصراع

ويقدم المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات واحدًا من الإصدارات الفكرية المهمة بعنوان «اللغة العربية في أتون الصراع الصهيوني – العربي» للباحث ياسر سليمان المعالي.

يتابع الكتاب علاقة اللغة بالهوية والصراع، وينظر في موقع العربية داخل المشروع الصهيوني والسياق الإسرائيلي قبل النكبة وبعدها، كما يثير مسألة المحو اللغوي الذي تعرضت له العربية في سياقات متعددة. 

وهذه زاوية شديدة الأهمية لأن الصراعات الكبرى لا تجري على الأرض وحدها. هناك دائمًا معركة موازية على الاسم والمصطلح والذاكرة واللغة.

من يملك حق تسمية المكان؟

ومن يكتب أسماء المدن؟

وأي لغة تتحول إلى لغة السلطة وأي لغة تُدفع تدريجيًا إلى الهامش؟

تلك أسئلة تجعل الكتاب يتجاوز الدراسات اللسانية الصرفة ليصبح بحثًا في العلاقة المعقدة بين اللغة والقوة.

«الكُرد»: سؤال الهوية المفتوح

وفي لندن صدرت عن منشورات رامينا دراسة إبراهيم محمود «الكُرد: الأصول... المعتقدات... الثقافات... والمآلات»، وهي دراسة واسعة تتتبع الحضور الكردي في التاريخ والجغرافيا وتعود إلى الأسئلة المتعلقة بالأصول والمعتقدات والثقافة والهوية القومية. 

صدور مثل هذا الكتاب في اللحظة الراهنة ليس تفصيلًا ثقافيًا عابرًا؛ فالشرق الأوسط يعيش إعادة تفكير عميقة في معنى الدولة والهويات القومية والأقليات والحدود والذاكرة التاريخية.

ولهذا يعود التاريخ هنا لكي يدخل مباشرة في قلب السياسة المعاصرة.

فالحديث عن الكرد لا يمكن فصله عن خرائط العراق وسوريا وتركيا وإيران، ولا عن سؤال الاعتراف الثقافي والسياسي، ولا عن التوتر الدائم بين الهوية العابرة للحدود والدولة الوطنية.

«أسطور» يفتح ملف تاريخ النساء

ومن الإصدارات البحثية الجديدة أيضًا العدد الخامس والعشرون من دورية «أسطور للدراسات التاريخية»، الصادرة عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ومعهد الدوحة للدراسات العليا، وقد خصص ملفًا رئيسيًا لـتاريخ النساء.

ويتضمن العدد، إلى جانب الدراسات والمراجعات والترجمات، موضوعات عن أوضاع النساء الاجتماعية في المغرب خلال المرحلة الوسيطية، وتعليم البنات في سوريا أواخر العهد العثماني، والحركة النسوية المصرية، فضلًا عن موضوعات تاريخية أخرى. 

وتكمن أهمية مثل هذه الملفات في أنها تعيد مساءلة التاريخ نفسه: من الذي كتب التاريخ؟ ومن الذي ظل خارج صفحاته؟

لقد ظل التاريخ العربي طويلًا تاريخ السلاطين والحروب والانقلابات والنخب السياسية والعسكرية، بينما بقي تاريخ الحياة اليومية والنساء والعمل والأسرة والهامش الاجتماعي أقل حضورًا.

وعندما تدخل المرأة بوصفها فاعلة تاريخية، تتغير زاوية النظر إلى الماضي بأكمله.

من أرشيف الجزيرة العربية: يوميات وليم شكسبير

ومن قطر يأتي إصدار لافت عن مركز حسن بن محمد للدراسات التاريخية بعنوان «رحلة وليم شكسبير في شبه الجزيرة العربية عام 1914».

ولا يتعلق الأمر، بطبيعة الحال، بالشاعر الإنجليزي الشهير، بل بالسياسي والرحالة والدبلوماسي البريطاني William Shakespear، الذي دوّن رحلة في شبه الجزيرة العربية مطلع القرن العشرين.

وتزداد أهمية الكتاب لأن هذه اليوميات ظلت مخطوطة في الأرشيف البريطاني ولم تصدر سابقًا في كتاب، وفق الجهة الناشرة. 

مثل هذه الإصدارات تذكرنا بأهمية الأرشيف في إعادة كتابة تاريخ المنطقة. فهناك آلاف الوثائق واليوميات والمراسلات والصور والخرائط التي ما تزال حبيسة الأرشيفات الأجنبية، وكل إخراج علمي جديد لها يمكن أن يعيد ترتيب جزء من معرفتنا بتاريخ الخليج والجزيرة العربية.

من تونس: الطب بوصفه ثقافة وليس جسدًا فقط

ومن تونس صدر عن دار المسيرة للنشر والتوزيع كتاب الباحث محمود ذكار «الممارسة الطبية في تونس: نقد العقل العلاجي».

الكتاب ينتمي إلى حقل الأنثروبولوجيا الطبية، ويسعى إلى تفكيك البنية المعرفية والاجتماعية للممارسة العلاجية، ومن الأسئلة التي يثيرها الطريقة التي تتعامل بها المؤسسة الطبية الحديثة مع المريض، وهل تختزله في جسد بيولوجي منفصل عن ثقافته وبيئته وعالمه الاجتماعي. 

إنه موضوع جدير بالانتباه لأن الطب الحديث كثيرًا ما يُقرأ باعتباره علمًا تقنيًا خالصًا، بينما يذكرنا هذا النوع من البحوث بأن المرض نفسه تجربة اجتماعية وثقافية ونفسية، وليس مجرد أرقام في تحليل مختبري.

جبران ومي زيادة... الرسائل التي لا تنتهي

وفي ليبيا صدر عن دار الجابر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان في بنغازي كتاب الدكتور محمد حسين محجوب «الأدب المبتور.. الحرف المراوغ: جبران خليل جبران ومي زيادة».

يعود المؤلف إلى واحدة من أشهر العلاقات الفكرية والعاطفية في تاريخ الأدب العربي الحديث: علاقة جبران ومي، التي تشكلت أساسًا عبر الرسائل، مع أن الاثنين لم يلتقيا وجهًا لوجه. 

وربما تكمن جاذبية الموضوع المستمرة في تلك المفارقة نفسها: كيف يمكن لعلاقة كاملة أن تُبنى باللغة؟

إنها قصة حب، ولكنها أيضًا قصة عن الكتابة وعن قدرة الرسالة على أن تصنع حضورًا أكثر كثافة أحيانًا من اللقاء الجسدي.

كتاب عالمي عن سياسة اللغة في العالم العربي

ولا تقتصر الكتب الجديدة المتعلقة بالثقافة العربية على دور النشر العربية. فقد أُعلن مطلع شتنبر عن صدور كتاب الدكتور ياسر أحمد جمعة Language Policy and the Power of Linguistic Dynamics in the Arab World عن دار Routledge العالمية، ضمن سلسلة دراساتها في علم اللغة الاجتماعي. 

ويؤكد هذا النوع من الإصدارات أن العالم العربي لم يعد موضوعًا يُقرأ من داخله فقط، وإنما أصبح جزءًا من شبكات البحث الأكاديمي الدولي، خصوصًا في ميادين اللغة والهوية والسياسة والتحولات الاجتماعية.

كما أن حضور باحثين عرب داخل دور نشر أكاديمية عالمية يفتح إمكانًا مهمًا لنقل الأسئلة العربية من المجال المحلي إلى الحوار المعرفي الدولي.

كتب اليافعين تدخل مغامرة فلسفية

ومن الإمارات صدر عن دار طفولة للنشر والتوزيع كتاب لطيفة سعيد الكتبي «دكان الأشياء التي لا تُباع»، وهو عمل موجه إلى اليافعين، يتكون من أربعة عشر فصلًا وتتحرك أحداثه عبر مجموعة من الأشياء الرمزية: ساعة، مرآة، زجاجة كلمات، ميزان وعود، مفتاح، خريطة وغيرها. 

اللافت في العمل هو محاولة الابتعاد بأدب اليافعين عن الوعظ المباشر باتجاه الرمز والحكاية والأسئلة الوجودية المبسطة.

وهذا تطور مهم؛ لأن القارئ الصغير لم يعد يحتاج إلى نصوص تخبره بما ينبغي أن يفكر فيه، بل إلى نصوص تجعله يفكر بنفسه.

دار لبان: من الإدارة إلى أسئلة المعنى

وفي سلطنة عمان أعلنت دار لبان للنشر دفعة من خمسة كتب جديدة، بينها «هدية الموظف الجديد» لمسري بن سليمان العامري، و**«إنسان كما ينبغي أن يكون»** لأحمد بن سعيد الفارسي، و**«في ممرات النفوذ»** لمحمد بن علي إبراهيم، و**«بين الطين والنور»** لأبوبكر أبو سويط، و**«وجدتني»** لخالد بن حمد الرواحي. 

وتكشف هذه الحزمة جانبًا آخر من سوق النشر العربي؛ فإلى جانب الرواية والشعر والدراسات الأكاديمية، هناك توسع واضح في الكتاب الذي يجمع التجربة المهنية بالتطوير الذاتي والتأملات الإنسانية.

ورغم أن هذا النوع من الكتب كثيرًا ما يثير نقاشًا حول الحدود بين المعرفة الجادة و«كتب التنمية البشرية»، فإنه يظل مؤشرًا قويًا على ما يبحث عنه قسم مهم من القراء العرب اليوم: نصوص تساعدهم على فهم العمل والعلاقات والنفوذ والنجاح والمعنى الشخصي.

الشعر لا يغادر المشهد

وفي مقابل كل هذا الحضور السياسي والتاريخي والسردي، يظل الشعر حاضرًا.

فقد صدر الديوان الثالث للشاعرة والمترجمة السورية فاطِما خضر بعنوان «في أُنس الأشياء»، ويضم ثلاثين قصيدة موزعة على ستة محاور، بينما صدرت عن دار نرد للنشر والتوزيع المجموعة الشعرية الثالثة للشاعر السوري ماهر راعي بعنوان «يمشي ليس كمن يقطع مسافة معلومة».

وربما يكون بقاء الشعر، رغم تقلص سوقه التجاري مقارنة بالرواية، أحد أكثر مظاهر المقاومة الثقافية إثارة للاهتمام. فالقصيدة لا تزال تصدر، وتبحث عن قارئها، وتعيد بناء لغتها في مواجهة عالم يزداد سرعة واختصارًا.

ماذا تقول لنا هذه الإصدارات؟

ما يلفتني بعد متابعة هذه الخريطة ليس عدد الكتب وحده، بل طبيعة الموضوعات التي تتكرر بينها.

هناك أولًا عودة كثيفة إلى الذاكرة.

سوريا وفلسطين والحرب والمنفى واللجوء تظهر في الرواية، بينما يعود التاريخ من خلال الأرشيف واليوميات والدراسات.

وهناك ثانيًا عودة سؤال الهوية: اللغة العربية في سياق الصراع، الهوية الكردية، تاريخ النساء، العلاقة بين الثقافة والممارسة الطبية.

وثالثًا، يبدو أن الكتاب العربي يحاول مقاومة التجزئة التي فرضتها الشبكات الاجتماعية على المعرفة. ففي الوقت الذي تتحول فيه المعلومة إلى منشور قصير وفيديو لا يتجاوز ثواني معدودة، لا تزال دور النشر تراهن على الكتاب الطويل والدراسة والبحث والرواية المركبة.

أما التحول الرابع فيتمثل في تعدد مراكز النشر العربي.

لم تعد القاهرة وبيروت وحدهما تصنعان خريطة الكتاب. الدوحة ومسقط والشارقة وبنغازي وعمّان وحيفا ودور نشر عربية موجودة في لندن أصبحت جميعها أجزاء من شبكة نشر أكثر اتساعًا.

ويضاف إلى ذلك نمو التعاون بين مؤسسات الكتاب والترجمة. ففي مصر، على سبيل المثال، أعلنت الهيئة المصرية العامة للكتاب والمركز القومي للترجمة يوم 9 شتنبر توقيع بروتوكول لتوسيع التعاون في الطباعة والنشر والترجمة والتوزيع، وهي خطوة تكشف إدراك المؤسسات الثقافية أن أزمة الكتاب العربي لم تعد أزمة تأليف فقط، وإنما أزمة وصول أيضًا.

فالكتاب الذي لا يصل إلى القارئ يكاد يكون كتابًا غير موجود.

سوق عربية واحدة ما تزال مؤجلة

ومع كل هذا التنوع، تبقى المشكلة الكبرى هي أن الكتاب العربي لا يزال يعاني الحدود داخل فضائه اللغوي نفسه.

قد يصدر كتاب مهم في المغرب ولا يصل بسهولة إلى العراق، وقد تظهر رواية في مسقط ولا يجدها القارئ في الدار البيضاء، وقد يصدر بحث في تونس ولا يدخل مكتبات المشرق إلا بعد شهور أو لا يدخلها إطلاقًا.

وهذه مفارقة عميقة.

فنحن نتحدث عن أكثر من عشرين دولة تقرأ اللغة نفسها، لكننا لم ننجح بعد في بناء سوق عربية حقيقية للكتاب.

تكلفة الشحن، والضرائب، والرقابة، وضعف شبكات التوزيع، وغياب قواعد بيانات عربية موحدة للإصدارات، كلها تجعل اكتشاف الكتاب نفسه أحيانًا أصعب من كتابته.

ولهذا أعتقد أن مستقبل صناعة النشر العربية لن يتحدد فقط بعدد الكتب التي تصدر، بل بقدرتها على الانتقال.

أي كتاب سيصبح قادرًا على عبور الحدود؟

وأي دار نشر ستنجح في الجمع بين النسخة الورقية والإلكترونية والصوتية؟

ومن سيبني منصة عربية موحدة تسمح للقارئ في الرباط بأن يعرف فورًا ماذا صدر هذا الأسبوع في بيروت والقاهرة والدوحة وبغداد ومسقط؟

الكتاب لم يمت

كل بضعة أعوام تعود النبوءة القديمة نفسها: الكتاب انتهى، والشباب لا يقرؤون، والهاتف الذكي قتل المكتبة، والذكاء الاصطناعي سيقضي على المؤلف والناشر.

لكن رفوف المكتبات تقول شيئًا آخر.

قد تتغير القراءة، وقد يتغير شكل الكتاب، وقد ينتقل جزء من المكتبة إلى الشاشة، لكن الحاجة الإنسانية إلى الحكاية والمعرفة والتفسير لم تختف.

والعناوين التي صدرت في هذه الأيام تؤكد ذلك.

رواية عن جيل سوري محطم، وأخرى عن فلسطين وغزة، ودراسة عن الكرد، وكتاب عن العربية والصراع، ويوميات رئيس فرنسي سابق في السجن، ومخطوط بريطاني عن الجزيرة العربية يُبعث من الأرشيف بعد أكثر من قرن، وبحث في أنثروبولوجيا الطب، وعودة إلى رسائل جبران ومي زيادة، وشعر يحاول إعادة الأنس إلى الأشياء.

هذه ليست مجرد كتب جديدة.

إنها خريطة مصغرة للقلق العربي المعاصر.

وعندما أضعها جنبًا إلى جنب، أجد أن الكتاب العربي سنة 2026 لا يعيش خارج زمنه، بل في قلبه تمامًا: يكتب عن الحرب لأنه يعيش آثارها، وعن الهوية لأنها أصبحت موضع نزاع، وعن الذاكرة لأن النسيان صار خطرًا، وعن الإنسان لأن التكنولوجيا والسياسة والاقتصاد تعيد جميعها تعريف موقعه في العالم.

لهذا لا أسأل اليوم إن كان الكتاب سيبقى.

السؤال الأهم هو: أي كتاب سيستطيع أن ينتزع من القارئ العربي ساعة كاملة من حياته وسط هذا الطوفان الهائل من الشاشات والإشعارات والصور؟

هناك تحديدًا ستُحسم معركة النشر المقبلة.


0 التعليقات: