الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

السبت، سبتمبر 05، 2026

5 شتنبر: هل نحارب الفقر أم نكتفي بتصوير الفقراء؟ عبده حقي


في الخامس من شتنبر من كل عام يحتفي العالم باليوم العالمي للعمل الخيري، لكنني لا أستطيع أن أتعامل مع هذه المناسبة باعتبارها مجرد يوم إضافي لتبادل الصور الجميلة، ونشر بيانات الجمعيات، واستعراض القفف الغذائية، والتقاط صور المتبرعين وهم يبتسمون أمام كاميرات الهواتف.

بالنسبة إليّ، السؤال أكثر إحراجاً من ذلك بكثير: لماذا نحتاج أصلاً إلى هذا الحجم الهائل من العمل الخيري؟ ولماذا تتسع رقعة المحتاجين عاماً بعد عام، بينما يتضاعف عدد الجمعيات والمبادرات والحملات والتبرعات؟

أنا لا أقلل من قيمة الإحسان، ولا من نبل التطوع، ولا من عظمة أن يمد إنسان يده لإنقاذ إنسان آخر. على العكس تماماً، أعتبر التضامن واحداً من أجمل ما بقي في عالم يزداد قسوة وفردانية، لكنني أخشى أن يتحول العمل الخيري أحياناً إلى ستار مريح نخفي خلفه أسئلة أكثر صعوبة تتعلق بالفقر والعدالة وتكافؤ الفرص ومسؤولية المؤسسات.

فالفقير لا يحتاج فقط إلى قفة في رمضان.

والطفل في القرية لا يحتاج فقط إلى محفظة مدرسية في شتنبر.

والمريض لا يحتاج فقط إلى حملة تبرعات حين يصل مرضه إلى مرحلة الاستعطاف عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

هؤلاء جميعاً يحتاجون قبل كل شيء إلى حقوق.

يحتاجون إلى مدرسة جيدة، ومستشفى يحفظ كرامتهم، وشغل يضمن استقلالهم، وسكن لائق، وحماية اجتماعية حقيقية، وفرصة للعيش من دون أن يضطروا إلى الوقوف في طابور المساعدات.

وهنا يبدأ بالنسبة إليّ المعنى الحقيقي للعمل الخيري.

أنا أرفض أن نختزل العمل الخيري في إعطاء الفتات للإنسان بعد أن نكون قد قبلنا مسبقاً ببقائه فقيراً.

وأرفض أن يصبح المحتاج مجرد رقم في تقرير جمعية، أو وجهاً حزيناً على ملصق دعائي، أو مشهداً عاطفياً لجمع الإعجابات والتبرعات.

كرامة الإنسان أهم من الصورة.

وهذه الجملة تبدو بسيطة، لكنها للأسف ليست دائماً حاضرة في الممارسة.

لقد شاهدنا كثيراً كيف تتحول بعض المبادرات إلى استعراض اجتماعي: كاميرا في المقدمة، ومتبرع في الوسط، ومحتاج في الخلفية. وكأن الفقير مطالب بأن يكشف فقره أمام الجميع حتى يثبت أنه يستحق المساعدة.

هذا ليس تضامناً كما أفهمه.

التضامن الحقيقي هو أن تساعد الإنسان من دون أن تجرحه.

أن تمنحه حاجته من دون أن تسلبه كرامته.

أن تمد إليه يدك من دون أن تجبره على الانحناء.

المشكلة أن العمل الخيري حين يتحول إلى عادة موسمية يمكن أن يصبح، من حيث لا ندري، جزءاً من المشكلة نفسها.

فنحن نوزع المساعدات سنة بعد سنة، ثم نعود فنجد الأسر نفسها في الطوابير ذاتها.

نوزع المحافظ المدرسية كل شتنبر، لكن السؤال الأهم هو: لماذا ما زالت تلك الأسرة عاجزة بعد عشر سنوات عن شراء محفظة لطفلها؟

نوزع قفف المواد الغذائية كل رمضان، لكن السؤال الأصعب هو: لماذا لا تملك تلك الأسرة دخلاً يسمح لها بشراء غذائها بنفسها؟

نحتفل بنجاح الحملات، بينما لا نسأل دائماً هل خرج المستفيد من دائرة الحاجة أم بقي داخلها؟

وهنا أرى أن المجتمع المدني مطالب بمراجعة فلسفته.

لسنا بحاجة فقط إلى جمعيات توزع، بل إلى جمعيات تُحرر.

لسنا بحاجة فقط إلى يد تعطي، بل إلى عقل يبحث عن جذور الحاجة.

ولسنا بحاجة فقط إلى حملات استعجالية، بل إلى مشاريع تغير حياة الناس فعلاً.

ما أريده من المجتمع المدني هو أن ينتقل من منطق الإغاثة إلى منطق التمكين.

أن يساعد الشاب على اكتساب مهنة.

أن يمكّن المرأة من مشروع يحفظ استقلالها.

أن يدعم الطفل حتى يكمل تعليمه.

أن يواكب القرية حتى تجد حلولاً دائمة للماء والنقل والتعليم.

أن يحول الأسرة من مستفيدة دائمة إلى أسرة مستقلة لا تحتاج إلى أحد.

بالنسبة إليّ، هذه هي أجمل نتيجة يمكن لأي جمعية أن تحققها: أن تجعل نفسها غير ضرورية في حياة المستفيد.

نعم، غير ضرورية.

لأن نجاح الجمعية لا ينبغي أن يقاس بعدد الأشخاص الذين يعتمدون عليها، وإنما بعدد الذين لم يعودوا محتاجين إليها.

ولذلك فإنني حين أرى جمعية تفتخر بأنها توزع عشرة آلاف قفة كل سنة، لا أكتفي بالتصفيق. أسأل: كم أسرة ساعدتموها كي لا تحتاج إلى القفة السنة المقبلة؟

هذا هو السؤال الذي يغيّر المعنى كله.

المجتمع المدني ليس بديلاً عن الدولة، ولا ينبغي أن يتحول إلى مؤسسة تعمل على ترقيع كل ثغرات السياسات الاجتماعية. فهناك مسؤوليات لا يمكن إحالتها على المحسنين والمتطوعين.

الصحة حق وليست صدقة.

والتعليم حق وليس هبة.

والعيش الكريم ليس منحة من محسن.

وحين يصبح الحق مرتبطاً بوجود متبرع من عدمه، فهناك خلل أعمق علينا أن نراه بوضوح.

لكن هذا لا يقلل من دور المجتمع المدني، بل يجعل دوره أكثر ذكاءً وتأثيراً.

المجتمع المدني الذي أريده لا يكتفي بمداواة الجرح، بل يسأل لماذا وقع الجرح أصلاً.

ولا يكتفي بمساعدة الفقير، بل يدافع عن السياسات التي تمنع صناعة فقراء جدد.

ولا يكتفي بحفر بئر، بل يسأل عن العدالة المجالية.

ولا يكتفي بتوزيع الأدوية، بل يناقش الحق في العلاج.

ولا يكتفي بإيواء طفل مشرد، بل يبحث عن أسباب تشرد الأطفال.

هنا يتحول العمل الخيري من إحسان فردي إلى وعي مجتمعي.

ولأننا نعيش في زمن شبكات التواصل الاجتماعي، أصبحت مسؤولية الشفافية أكبر من أي وقت مضى.

الناس يتبرعون، ومن حقهم أن يعرفوا أين تذهب أموالهم.

ومن حق المتبرع أن يرى الحسابات.

ومن حق المستفيد أن يعرف معايير الاستفادة.

ومن حق المجتمع أن يسأل من يدير التبرعات وكيف ولماذا.

النية الحسنة وحدها لا تكفي.

فالعمل الخيري يحتاج أيضاً إلى الحوكمة والنزاهة والمحاسبة.

وحين تغيب الشفافية، تنمو الشكوك.

وحين تنمو الشكوك، تتضرر الجمعيات الجادة بسبب أخطاء جمعيات أخرى.

وهذا ظلم مضاعف.

في اليوم العالمي للعمل الخيري، لا أريد إذن حفلاً عاطفياً.

أريد نقاشاً صريحاً.

أريد أن نسأل: هل نريد مجتمعاً يعيش نصفه على مساعدات نصفه الآخر؟

أم نريد مجتمعاً يمنح كل إنسان فرصة حقيقية كي يعيش مستقلاً بكرامته؟

أنا أؤمن بالصدقة حين تنقذ جائعاً.

وأؤمن بالتطوع حين يسند مريضاً أو مسناً أو طفلاً.

وأؤمن بالتكافل حين تضرب كارثة أو أزمة.

لكنني أؤمن أكثر بمجتمع لا يحول الفقر إلى قدر أبدي.

مجتمع لا يحتاج فيه المواطن إلى استعطاف الغرباء كي يتعلم ابنه.

ولا إلى حملة فيسبوكية كي يعالج مريضه.

ولا إلى صورة مهينة كي يحصل على كيس دقيق وزيت وسكر.

بالنسبة إليّ، العمل الخيري الحقيقي لا يبدأ من السؤال: كم وزعنا؟

بل يبدأ من سؤال أكثر جرأة:

كم إنساناً أعدنا إليه استقلاله؟

وكم طفلاً أنقذناه من وراثة الفقر؟

وكم أسرة ساعدناها على الخروج من الحاجة بدل البقاء داخلها؟

وكم مرة دافعنا عن كرامة الإنسان قبل أن ندافع عن صورة الجمعية؟

في الخامس من شتنبر، وأنا أحيي كل متطوع وكل متبرع وكل إنسان يعمل بصمت لخدمة الآخرين، أريد أيضاً أن أقول إن أجمل عمل خيري يمكن أن نقوم به ليس أن نصنع مجتمعاً يجيد توزيع الصدقات، بل أن نبني مجتمعاً يقل فيه عدد المحتاجين إليها.

فالغاية ليست أن يظل الفقير فقيراً ونظل نحن كرماء.

الغاية أن يأتي يوم لا يضطر فيه إلى طلب كرمنا أصلاً.


0 التعليقات: