الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 03، 2026

الجزائر بين اجتماعات الأمن وأسئلة الشارع: من يحاسب التقصير؟ عبده حقي


لم يعد انعقاد المجلس الأعلى للأمن في الجزائر حدثًا استثنائيًا في حد ذاته، بقدر ما أصبح السؤال الحقيقي يتعلق بما تفضي إليه هذه الاجتماعات من قرارات ملموسة تنعكس على حياة المواطنين وأمنهم واستقرارهم. ففي ظل الحرائق، وانتشار المخدرات، وتدهور بعض الخدمات الأساسية، لا يكفي أن تجتمع المؤسسات العليا للدولة وتصدر بيانات رسمية، بل ينبغي أن يعرف الجزائريون بوضوح: ماذا حدث؟ ومن أخطأ؟ وما الإجراءات التي اتُّخذت حتى لا تتكرر الأزمات؟

الاجتماع الأخير للمجلس الأعلى للأمن أعاد إلى الواجهة ملفين شديدي الحساسية: حرائق الغابات ومكافحة المخدرات. وهما ملفان لا يحتملان الاكتفاء بلغة البيانات العامة، لأن وراء الحرائق أرواحًا وممتلكات وقرى منكوبة، وخلف تجارة المخدرات شبكات إجرامية عابرة للحدود تهدد أمن المجتمع ومؤسسات الدولة معًا.

في ملف الحرائق، يبدو السؤال السابق للتحقيق أكثر أهمية من التحقيق نفسه: ماذا فعلت السلطات قبل اندلاع النيران؟

لقد أصبحت الجزائر، خلال السنوات الأخيرة، تواجه مواسم متكررة من الحرائق المدمرة. ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن تكون لدى الدولة خطط استباقية واضحة، وتجهيزات كافية، ووسائل إطفاء جوية وبرية، وتنسيق دائم بين الحماية المدنية والجيش والدرك والسلطات المحلية. فالكارثة التي تتكرر لا تعود مفاجأة، وإنما تصبح اختبارًا لقدرة المؤسسات على التعلم من التجارب السابقة.

ومن هنا، فإن الحديث عن فتح تحقيقات أمنية وعلمية لمعرفة أسباب الحرائق أمر ضروري، لكنه لا ينبغي أن يحجب سؤال المسؤولية الإدارية والسياسية. فحتى إذا ثبت أن بعض الحرائق كانت متعمدة، فإن ذلك لا يلغي ضرورة التحقيق في مستوى الاستعداد لمواجهتها، وفي سرعة التدخل، وفي جاهزية المعدات والموارد البشرية.

أما اللجوء إلى أقصى العقوبات، بما فيها الحديث عن تنفيذ أحكام الإعدام بحق المتورطين في إشعال الحرائق عمدًا، فلا يمكن أن يكون بديلًا عن الوقاية. الأمن الحقيقي لا يبدأ بعد وقوع الكارثة، بل قبلها.

وإذا كان بعض المسؤولين قد قصروا في الاستعداد لموسم الحرائق، فمن حق الرأي العام أن يعرف ذلك. المحاسبة لا تعني إضعاف الدولة، بل تعني تقويتها. فالدولة التي لا تحاسب مسؤوليها عن التقصير تدفع مواطنيها إلى فقدان الثقة في مؤسساتها.

الملف الثاني الذي تناوله الاجتماع هو مكافحة المخدرات، مع الإعلان عن إنشاء هيئة أمنية متخصصة في هذا المجال.

من حيث المبدأ، تبدو الخطوة ضرورية، خصوصًا أمام تحول تجارة المخدرات في المنطقة المغاربية والمتوسطية إلى نشاط عابر للحدود تديره شبكات منظمة تمتلك المال والعلاقات والقدرة على اختراق الأسواق.

لكن إنشاء هيئة جديدة يفتح بدوره بابًا للأسئلة.

هل المشكلة في غياب المؤسسات، أم في ضعف التنسيق بينها؟ وهل تحتاج الجزائر فعلًا إلى جهاز جديد، أم إلى تفعيل الأجهزة الموجودة ومنحها استقلالية أكبر وقدرة حقيقية على ملاحقة كبار المتورطين؟

فمكافحة المخدرات لا يمكن أن تقتصر على توقيف صغار المروجين في الشوارع والأحياء الشعبية. النجاح الحقيقي يقاس بالقدرة على الوصول إلى رؤوس الشبكات، وإلى مصادر التمويل، ومسالك التهريب، ومن يوفر الحماية والتسهيلات لهذه التجارة.

لقد شهدت الجزائر خلال السنوات الماضية قضايا كبيرة مرتبطة بتهريب المخدرات والكوكايين، وأثارت بعض تلك الملفات أسئلة كثيرة لدى الرأي العام حول مدى قدرة التحقيقات على الوصول إلى جميع المتورطين، وليس فقط إلى الأسماء الظاهرة في الواجهة.

ولهذا فإن أي استراتيجية جديدة لمكافحة المخدرات لن تكتسب صدقيتها من اسم الهيئة التي ستنشأ، بل من النتائج التي ستحققها ومن مستوى الشفافية الذي ستتعامل به مع القضايا الكبرى.

ومثلما تحتاج الجزائر إلى مواجهة الحرائق والمخدرات، تحتاج أيضًا إلى مواجهة خطاب سياسي أصبح يميل، في كثير من الأحيان، إلى تفسير الأزمات الداخلية من خلال العوامل الخارجية.

لا أحد ينكر أن للدول خصومات ومنافسات ومخاطر خارجية، وأن المنطقة المغاربية تعيش توترات سياسية وأمنية حقيقية. لكن تحويل الخارج إلى تفسير جاهز لكل مشكلة داخلية قد يؤدي إلى إغفال جوهر الأزمة.

فحين يحتج المواطن على انقطاع الماء، فمشكلته ليست مؤامرة خارجية.

وحين يطالب بطريق صالح للسير، أو بمستشفى قريب، أو بوسيلة نقل، أو بالكهرباء والغاز، فإنه لا يتحدث بلسان دولة أجنبية.

وحين يشكو سكان قرية أو منطقة نائية من التهميش، فإن أول ما ينبغي أن تفعله الدولة هو الاستماع إليهم، لا البحث عمن يقف وراءهم.

الأمن ليس فقط حماية الحدود وملاحقة شبكات الجريمة والإرهاب. الأمن أيضًا أن يجد المواطن ماءً في بيته، وطريقًا يصل به إلى المستشفى، ومدرسة لأطفاله، وسيارة إسعاف عندما يمرض أحد أفراد أسرته ليلًا.

الأمن الحقيقي هو شعور الإنسان بأن الدولة حاضرة عندما يحتاج إليها.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي ينبغي للمجلس الأعلى للأمن أن ينتبه إليها: قد تكون الدولة شديدة الحضور في البيانات والخطابات، لكنها بالنسبة إلى مواطن في قرية محرومة تكاد تكون غائبة تمامًا.

هناك جزائريون لا تزال مطالبهم شديدة البساطة: ماء، كهرباء، غاز، طرق، علاج، نقل، وشروط حياة تحفظ الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.

هذه المطالب ينبغي أن تكون جزءًا من مفهوم الأمن الوطني نفسه.

فلا يمكن بناء استقرار طويل الأمد على المقاربة الأمنية وحدها، لأن الاستقرار يقوم كذلك على العدالة الاجتماعية والثقة السياسية وفعالية المؤسسات.

الجزائر لا تفتقر إلى المؤسسات، ولا إلى المجالس، ولا إلى الأجهزة، ولا إلى الاجتماعات. ما تحتاج إليه أكثر هو أن يشعر المواطن بأن هذه المؤسسات موجودة من أجله، وأن قراراتها تغير واقعه فعلًا.

لقد أصبح من السهل إصدار بيان بعد كل اجتماع، لكن الأصعب هو الإجابة عن السؤال الذي يطرحه المواطن بعد قراءة البيان: ماذا سيتغير غدًا؟

هل ستصبح الغابات أكثر حماية؟

هل ستصبح أجهزة الإطفاء أكثر جاهزية؟

هل ستصل التحقيقات في شبكات المخدرات إلى كبار المتورطين؟

هل سيحاسب المسؤول المقصر؟

هل ستصل المياه إلى القرى التي تعاني العطش؟

هل ستُعبد الطرق؟

هل سيتوقف المواطن عن الشعور بأنه آخر من تفكر فيه الدولة؟

هذه هي الأسئلة التي لا يمكن لأي خطاب سياسي أن يتجاوزها.

فالدولة القوية ليست الدولة التي تكثر من الاجتماعات، بل الدولة التي تحول اجتماعاتها إلى قرارات، وقراراتها إلى إنجازات، وإنجازاتها إلى ثقة.

أما المواطن الجزائري، فقد تعب من سماع لغة المؤامرات والتهديدات والأيادي الخارجية كلما عبّر عن غضبه أو اشتكى من واقعه.

إنه يريد شيئًا أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن يرى دولة تتحمل مسؤوليتها، ومؤسسات تعترف بأخطائها، ومسؤولين يخضعون للمحاسبة، وسياسات تجعل حياته اليومية أقل قسوة.

وفي النهاية، لا يمكن حماية الأمن الوطني إذا كان المواطن نفسه يشعر بانعدام الأمن الاجتماعي والاقتصادي والخدماتي.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام الجزائر اليوم ليس عقد اجتماع جديد للمجلس الأعلى للأمن، بل تحويل مفهوم الأمن من مجرد حماية النظام والمؤسسات إلى حماية الإنسان أيضًا.

فحين يصبح المواطن محور الأمن، تبدأ الدولة في استعادة الثقة.


0 التعليقات: