أتابع منذ أيام قضية المؤثرة الجزائرية حفصة محيو بكثير من الاستغراب، ليس فقط لأن الأمر يتعلق بصانعة محتوى شابة استطاعت أن تبني لنفسها حضوراً واسعاً داخل الفضاء الرقمي العربي، ولكن أساساً لأن طريقة تداول خبر توقيفها وما أحاط به من غموض تطرح، في تقديري، أسئلة تتجاوز شخصها إلى طبيعة العلاقة التي تريد السلطة في الجزائر أن تقيمها مع جيل جديد من المؤثرين وصناع المحتوى الذين لا ينتمون بالضرورة إلى الحقل السياسي، ولا يقدمون أنفسهم بوصفهم معارضين أو ناشطين، لكنهم يملكون شيئاً بات يثير حساسية الأنظمة المغلقة أكثر من الخطابات الحزبية التقليدية: جمهوراً بالملايين وقدرة مستقلة على التأثير.
حفصة مايو، وفق المعطيات المتداولة في النص الذي أستند إليه، ليست شخصية سياسية ولا معارضة معروفة، بل شابة جزائرية من مدينة بسكرة، درست علم الأحياء الدقيقة وحصلت على شهادة الماستر من جامعة محمد خيضر، قبل أن تتجه إلى صناعة المحتوى الرقمي وتؤسس مشروعاً إلكترونياً في مجال اللغة والتسويق، ثم تستقر في دبي وتطور حضوراً بارزاً في مجالات الموضة والجمال وأسلوب الحياة والتعريف بالتراث والثقافة العربية.
ما يلفتني في مسارها أنها لم تبن شهرتها على الإثارة السياسية أو الخطاب الصدامي، وإنما على محتوى يجمع بين الحياة اليومية والجمال والهوية الثقافية والتراث، وهو ما مكنها، بحسب المصدر نفسه، من الوصول إلى ملايين المتابعين عبر إنستغرام وتيك توك ويوتيوب وسناب شات، ومن الحصول على تكريمات ومشاركات في فعاليات إعلامية بالإمارات.
ومع ذلك، وجدت هذه الشابة نفسها فجأة في قلب عاصفة سياسية وإعلامية بعد تداول خبر اعتقالها ووضعها رهن الاحتجاز في الجزائر، في وقت ظل فيه الغموض سيد الموقف بشأن الأسباب القانونية الدقيقة لهذا التوقيف.
هنا تبدأ في نظري المشكلة الحقيقية.
فحين تعتقل شخصية عامة يتابعها ملايين الأشخاص، يصبح من الطبيعي أن ينتظر الرأي العام توضيحاً رسمياً واضحاً: ما التهمة؟ وما الوقائع؟ وما النصوص القانونية المستند إليها؟ لكن النص الذي نقل تفاصيل القضية يؤكد أن السلطات الجزائرية لم تقدم، حتى لحظة انتشار الخبر، شرحاً مفصلاً للتهم، وأن الفراغ المعلوماتي فُتح أمام روايات متضاربة وتسريبات ومنشورات إلكترونية مختلفة.
إحدى هذه الروايات تزعم أن حفصة شاركت في بث مباشر عبّرت فيه عن حبها للإمارات، وربما قالت إنها تشعر بقرب خاص منها بحكم إقامتها هناك، كما قيل إنها أطلقت مزحة مرتبطة باسم الرئيس عبد المجيد تبون.
ولست هنا بصدد تبني هذه الرواية أو نفيها، لأن المصدر نفسه يقر بأنه لم يشاهد المقطع الذي قيل إنه أصل القضية، ولم يتمكن من الحصول عليه.
لكنني أطرح سؤالاً بسيطاً: منذ متى أصبح حب بلد عربي آخر تهمة محتملة؟
إذا قالت جزائرية تعيش في الإمارات إنها تحب الإمارات، فما وجه الغرابة في ذلك؟ أليس من الطبيعي أن يتعلق الإنسان بالمكان الذي يعمل فيه ويحقق فيه نجاحه ويجد فيه فرصاً لم تكن متاحة له في مكان آخر؟
ثم هل يفترض في كل جزائري، حتى يثبت وطنيته، أن يتبنى بالضرورة كل توترات السياسة الخارجية لحكومته؟
بالنسبة إلي، حب الإمارات لا يلغي حب الجزائر، مثلما أن إعجاب جزائري بالمغرب أو بتونس أو بفرنسا لا يعني تلقائياً أنه تخلى عن وطنه. المواطنة ليست امتحاناً يومياً في الكراهية، ولا ينبغي أن يتحول الانتماء الوطني إلى قائمة من البلدان التي يجب أن نحبها وأخرى يجب أن نكرهها تبعاً لمزاج العلاقات الدبلوماسية.
أما الرواية الثانية التي لاحقت حفصة فتعود إلى أكتوبر 2025، حين رافقت رفقة مؤثرات جزائريات المؤثر الأردني من أصل فلسطيني أنس الشايب خلال زيارته للجزائر.
وبحسب تفاصيل النص، زار الشايب مقام الشهيد رفقة هؤلاء المؤثرات، وظهرت حفصة وصديقاتها بقمصان المنتخب الجزائري، ثم قمن بحركات عفوية أمام الكاميرا لإظهار القمصان، وهي لحظة عادية في منطق صناعة المحتوى، لكنها تحولت على بعض صفحات التواصل الاجتماعي الجزائرية إلى ما يشبه محاكمة أخلاقية.
قرأت تفاصيل هذه الواقعة، ولم أجد فيها ما يبرر كل ذلك التضخيم.
ثلاث شابات أمام كاميرا مؤثر عربي، يحتفلن بمنتخب بلادهن، فيتحول المشهد في بعض التعليقات إلى إساءة لصورة المرأة الجزائرية وإهانة للمجتمع والهوية والقيم.
هذا النوع من تحويل التفاصيل الاجتماعية الصغيرة إلى «قضايا وطنية» يكشف، في رأيي، هشاشة غريبة في مفهوم الشرف العام؛ فكأن صورة بلد كامل يمكن أن تنهار لأن فتاة استدارت أمام الكاميرا أو ضحكت أو قامت بحركة عفوية.
لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد.
ظهرت أيضاً مزاعم بأن أنس الشايب إسرائيلي أو يحمل جواز سفر إسرائيلياً، وأن حفصة ساعدت على إدخال شخص مرتبط بإسرائيل إلى الجزائر.
غير أن المصدر الذي بين أيدينا يقول إنه لم يجد دليلاً موثوقاً يثبت هذه المزاعم، ويؤكد أن الشايب أردني فلسطيني يعيش في دبي.
وأنا هنا أجد نفسي أمام سؤال أكثر غرابة: إذا كان شخص ما عميلاً سرياً بالفعل، فهل من المنطقي أن يدخل إلى بلد ويبدأ في تصوير نفسه أمام أشهر معالمه وينشر رحلته للعموم على شبكات التواصل الاجتماعي؟
هذه ليست طريقة عمل الجواسيس في ما أعرفه عن أبسط منطق الأشياء.
ما يثير قلقي أكثر هو أن الخلط بين السياسة وصناعة المحتوى قد يحول كل مؤثر إلى متهم محتمل، وكل علاقة خارجية إلى شبهة، وكل كلمة عفوية إلى ملف أمني.
وحين تصبح الحدود بين «الرأي» و«الجريمة» غير واضحة، فإن المجتمع كله يبدأ في ممارسة الرقابة على نفسه.
لقد تابعت نماذج من محتوى حفصة كما وصفها النص، فوجدت أنه يقوم بدرجة كبيرة على الترويج للتراث الجزائري والعربي، والعلاقات الأسرية، والثقافة واللغة، بل إن من بين ما قدمته محتوى خاصاً بعيد استقلال الجزائر في الخامس من يوليو، إضافة إلى مواد حول اللباس والأطعمة التقليدية، ومنها الشخشوخة البسكرية.
وهنا أطرح سؤالاً آخر: أليست مثل هذه المؤثرة أقرب إلى أن تكون سفيرة رقمية لثقافة بلدها؟
الدول التي تفهم قوة الإعلام الجديد تبحث عن المؤثرين الناجحين وتتعاون معهم في الترويج لثقافتها وسياحتها وصورتها الدولية، أما التعامل معهم بعقلية الشبهة والتهديد فلا يؤدي سوى إلى دفعهم نحو الخارج وإعطاء صورة مرتبكة عن العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
لا يعني كلامي أن المؤثرين فوق القانون، ولا أن الشهرة الرقمية تمنح حصانة مطلقة لأي شخص. فإذا ثبت ارتكاب مخالفة واضحة، فالقانون موجود، والمحاكمة العادلة موجودة، والشفافية ينبغي أن تكون موجودة أيضاً.
لكن العقوبة يجب أن تكون متناسبة، والمعلومة يجب أن تكون واضحة، والتهمة يجب أن تكون محددة.
أما أن تتحول عبارة عن حب الإمارات أو مزحة محتملة أو حركة عفوية أمام كاميرا إلى مادة لتجريم شخص سياسياً أو أخلاقياً، فهنا يصبح الأمر بالنسبة إلي أكثر من مجرد قضية فردية.
يصبح مؤشراً على أزمة في فهم التحولات العميقة التي صنعها الفضاء الرقمي.
فنحن أمام جيل جديد لا يعيش داخل الحدود القديمة نفسها. قد يكون جزائرياً ويقيم في دبي، ويعمل مع فلسطيني وأردني ومغربي، ويتابعه سعودي ومصري وتونسي، ويصنع محتواه لمنطقة عربية كاملة.
هذه هي طبيعة العالم الرقمي.
ولا يمكن إدارة هذا العالم بعقلية الحدود المغلقة والولاءات الصلبة والتصنيفات القديمة.
كما لا يمكنني أن أفهم لماذا يجب على جزائري يحب بلاده أن يكره المغرب حتى يثبت جزائريته، أو أن يعادي الإمارات حتى يبرهن على وطنيته.
الوطنية بالنسبة إلي علاقة إيجابية بالوطن، وليست برنامجاً للكراهية تجاه الآخرين.
وإذا صح أن حفصة مايو موقوفة بسبب مواقف أو كلمات أو علاقات من هذا النوع، فإن القضية تصبح في نظري أبعد من مجرد خلاف قضائي عابر، لأنها تلامس مباشرة حدود حرية التعبير في المجال الرقمي ومقدار التسامح مع الأشخاص الذين لا ينتمون إلى السياسة لكنهم يمتلكون استقلالاً اجتماعياً وإعلامياً واسعاً.
المصدر الذي نقل القضية يذهب إلى حد اعتبار حفصة «معتقلة رأي»، ويطالب بإطلاق سراحها، ويرى أنها خدمت صورة الجزائر وتراثها أكثر مما أضرت بهما.
وأنا، قبل أن أحكم بصورة نهائية على وضعها القانوني، أطالب أولاً بالوضوح.
على السلطات الجزائرية، إذا كانت هناك تهم حقيقية، أن تكشفها للرأي العام في إطار احترام القانون وحقوق الدفاع وقرينة البراءة.
أما ترك الملف رهينة التسريبات والإشاعات وصفحات التخوين فلن يخدم صورة الجزائر ولا هيبة مؤسساتها.
إن أكثر ما يزعجني في هذه القضية ليس الخلاف حول حفصة نفسها، بل الخوف من أن يصبح النجاح الفردي موضع شبهة، والانتشار العربي سبباً للريبة، والعلاقة بدولة أخرى باباً إلى التخوين.
فالجزائر أكبر من أن تهددها مؤثرة تتحدث عن الموضة والتراث، والإمارات ليست في حاجة إلى صانعة محتوى كي «تخترق» بلداً، والمجتمع الجزائري ليس هشاً إلى درجة أن تهزه فتاة ترتدي قميص منتخبها وتدور أمام كاميرا.
أما الدولة القوية، فهي تلك التي لا تخاف من الكلمات والصور والمنصات، بل تعرف كيف تجعل منها أدوات قوة وتواصل وانفتاح.







0 التعليقات:
إرسال تعليق