الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 20، 2026

طريق ترامب لماذا أرفض المزايدات السياسية؟ بقلم: عبده حقي


تابعت باستغراب شديد تلك الأصوات التي ارتفعت أخيرا مطالبةً بتغيير اسم «الطريق السريع دونالد ج. ترامب» الرابط بين تيزنيت والداخلة، واقتراح اسم الشيخ أحمد الهيبة ماء العينين بدلا منه. وقد انتقل هذا المطلب من مجرد نقاش متفرق إلى عريضة دعت شخصيات سياسية وحقوقية وثقافية إلى توقيعها، ومن بينها نبيلة منيب، مستندة إلى فكرة أن أسماء الطرق والبنيات العمومية ينبغي أن تعكس الذاكرة الوطنية وشخصياتها التاريخية. 

وأقول منذ البداية، حتى لا يقع أي خلط متعمد بين المواقف: الشيخ أحمد الهيبة ماء العينين شخصية مغربية مقاومة تستحق كل التكريم، ولكن تكريمه لا يقتضي محو اسم ترامب عن هذا الطريق بالذات. والخلط بين المسألتين، في تقديري، هو أصل الخلل في هذه الحملة.

أعرف قيمة أحمد الهيبة، وأعرف أنه قاد المقاومة بعد وفاة والده الشيخ ماء العينين، وأن مدينة تيزنيت كانت منطلقا أساسيا لتحركه وتعبئته لقبائل سوس والصحراء، وأن اسمه ارتبط بمقاومة الوجود الاستعماري وبمعركة سيدي بوعثمان سنة 1912. هذه حقائق تاريخية لا تحتاج إلى مزايدة، ولا يجوز لي ولا لغيري الانتقاص من رجل احتل موقعه في تاريخ المقاومة المغربية. 

لكنني أرفض أن يتحول اسم هذا المقاوم الكبير إلى حصان سياسي لمحاربة تسمية أخرى لها سياق جيوسياسي مختلف تماما.

فطريق تيزنيت–الداخلة ليس مجرد شارع صغير في حي سكني نبحث له عن اسم من الذاكرة المحلية. نحن نتحدث عن محور استراتيجي يمتد على نحو 1055 كيلومترا، ويربط شمال المجال الجنوبي للمملكة بعمقه الصحراوي وصولا إلى الداخلة، ويشكل جزءا من منظومة اقتصادية وتنموية وجيوسياسية تتجه بالمغرب نحو إفريقيا الأطلسية. 

وهنا تحديدا تبدأ المسألة التي يتجاهلها، في رأيي، بعض أصحاب العريضة.

أنا لا أقرأ إطلاق اسم دونالد ترامب على هذا الطريق باعتباره استفتاء مغربيا على شخصيته، ولا باعتباره تبنيا لكل قراراته الداخلية أو الخارجية، ولا أطالب أي مواطن مغربي بأن يحب ترامب أو يدافع عن برنامجه السياسي.

الدول لا تختار أسماء بعض منشآتها الرمزية لأنها تنظم مسابقات لاختيار «أفضل رجل في العالم». إنما توظف الرموز لخدمة مصالحها العليا، وتبعث من خلالها رسائل إلى الخصوم والحلفاء معا.

ووفقا لوكالة المغرب العربي للأنباء، فقد أبلغ الملك محمد السادس الرئيس الأمريكي، في رسالة مؤرخة في 2 يوليوز 2026، بالقرار الملكي بإطلاق اسم «الطريق السريع دونالد ج. ترامب» على محور تيزنيت–الداخلة. 

وفي فاتح غشت 2026، أكدت السفارة الأمريكية بالمغرب مجددا موقف الولايات المتحدة بوضوح: الاعتراف بالسيادة المغربية على الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساسا جديا وذا مصداقية للتوصل إلى حل. 

أمام هذه المعطيات، أرى أن قراءة اسم الطريق خارج ملف الصحراء المغربية هي قراءة مبتورة. فاسم ترامب هنا، في تقديري، لا يُقرأ في موسوعة الأخلاق، بل في أطلس الجغرافيا السياسية.

السؤال الذي أطرحه على المطالبين بتغيير الاسم هو: لماذا اختير طريق تيزنيت–الداخلة تحديدا؟ الجواب بالنسبة إلي واضح.

لأن الطريق يشق المجال الصحراوي المغربي من تيزنيت باتجاه العيون ثم الداخلة. إنه شريان يجسد على الأرض وحدة المجال الوطني، ويحول السيادة من خطاب سياسي إلى بنية تحتية ملموسة: طرق، موانئ، استثمارات، مدن، تجارة وربط قاري.

وعندما يحمل هذا المحور اسم رئيس أمريكي ارتبط اسمه بقرار تاريخي في الموقف الأمريكي من قضية الصحراء، تصبح التسمية نفسها جزءا من خطاب دبلوماسي شديد الوضوح.

وهنا أختلف جذريا مع الذين يريدون التعامل مع الاسم كما لو أننا بصدد لوحة شارع يمكن استبدالها في صباح بغيرها.

وإذا كان أصحاب العريضة يقولون إن أسماء الطرق تحفظ الذاكرة، فأنا أتفق معهم تماما، لكنني أختلف في تحديد نوع الذاكرة التي يمثلها هذا الطريق.

فأحمد الهيبة يمثل ذاكرة المقاومة المغربية للاستعمار، وهي ذاكرة يجب تخليدها.

أما «طريق دونالد ج. ترامب» فيمثل، في اللحظة السياسية الراهنة، ذاكرة دبلوماسية مرتبطة بتحول نوعي في الموقف الأمريكي من قضية الصحراء.

لماذا يريد البعض أن نحتفظ بالذاكرة الأولى ونمحو الثانية؟

بإمكان الدولة المغربية أن تطلق اسم أحمد الهيبة ماء العينين على جامعة، أو طريق استراتيجي آخر، أو مؤسسة ثقافية، أو فضاء كبير بتيزنيت أو كلميم أو العيون، وأن تقيم له متحفا ومركزا للدراسات حول المقاومة الجنوبية. تكريم رجال المقاومة لا تنقصه المساحات.

أما جعل أحمد الهيبة في مواجهة ترامب، فأراه إساءة إلى الرمزين معا، لأن الرجلين ينتميان إلى سياقين تاريخيين لا يقبلان هذه المقارنة المبسطة.

ما يزعجني أكثر في هذا الجدل هو محاولة إحاطة مطلب تغيير الاسم بهالة وطنية، كأن من يؤيد الإبقاء على تسمية ترامب أقل وفاءً للذاكرة المغربية.

أرفض هذا المنطق تماما. ليس لأحد احتكار الوطنية، كما ليس لأحد احتكار رموز المقاومة. بل أذهب أبعد من ذلك: أرى أن الدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمغرب اليوم هو امتداد حديث لفكرة الدفاع عن الوطن التي جسدها رجال المقاومة بالأمس، وإن اختلفت الوسائل والأزمنة.

أحمد الهيبة واجه استعمار عصره بما كان متاحا له. أما المغرب سنة 2026 فيواجه صراعا دبلوماسيا دوليا حول وحدته الترابية بأدوات أخرى: التحالفات، والاستثمارات، والدبلوماسية، والقانون الدولي، والتنمية، وإعادة صياغة موازين المصالح.

فهل المطلوب منا أن نتصرف وكأن اعتراف قوة دولية كبرى بسيادة المغرب على صحرائه حدث هامشي لا يستحق أن يدخل هو الآخر إلى الذاكرة الوطنية؟

أنا أرفض هذا التصور. قد يختلف المغربي جذريا مع دونالد ترامب في فلسطين أو إيران أو الهجرة أو التجارة أو البيئة أو عشرات الملفات الأخرى. وهذا حقه الكامل.

لكن الدولة المغربية ليست جمعية أيديولوجية، ولا ينبغي أن تحدد علاقاتها الدولية وفقا لمقدار إعجابنا الشخصي بهذا الرئيس أو ذاك.

الدولة تبحث عن مصالحها. وأنا، كمغربي، أضع قضية الوحدة الترابية فوق مزاجي السياسي تجاه أي رئيس أجنبي.

قد لا أتفق مع ترامب في ملفات كثيرة، لكن إذا اتخذ موقفا يخدم قضية وطنية أعتبرها مركزية، فمن حقي أن أقرأ ذلك الموقف ضمن ميزان المصالح المغربية، لا ضمن ميزان الانتماءات الأيديولوجية المستوردة.

وهذه هي النقطة التي أرى أن بعض الأصوات النشاز تتعمد تجاهلها: تريد منا أن نحاكم تسمية الطريق انطلاقا من الجدل العالمي حول ترامب، بينما الطريق نفسه يوجد في قلب الجغرافيا السياسية لقضية الصحراء المغربية.

وأنا هنا أقترح العكس تماما. بدلا من المطالبة بمحو اسم ترامب، لِمَ لا نطالب جميعا بإطلاق مشروع كبير باسم الشيخ أحمد الهيبة ماء العينين؟

لماذا لا يكون هناك «متحف أحمد الهيبة للمقاومة»؟ لماذا لا يحمل اسمه مركز جامعي لدراسة تاريخ سوس والصحراء؟ لماذا لا يطلق اسمه على محور كبير ينطلق من تيزنيت أو على مؤسسة وطنية تحفظ تاريخ المقاومة الجنوبية؟ هذا، في رأيي، هو التكريم الحقيقي.

أما أن ننتظر إطلاق اسم ترامب على طريق ذي دلالة سياسية دولية ثم نستحضر أحمد الهيبة فقط لكي نحذف الاسم الأول، فإن الأمر يتحول من تكريم للمقاومة إلى معركة رمزية ضد قرار سياسي قائم.

وهنا يصبح من حقي أن أتساءل: هل الهدف الحقيقي هو تخليد أحمد الهيبة أم الاعتراض على الدلالة السياسية لتسمية «طريق ترامب»؟

الفارق بين الأمرين كبير. بالنسبة إلي، الطريق السريع بين تيزنيت والداخلة لا يحمل السيارات والشاحنات والمسافرين فقط. إنه يحمل رسالة دولة.

يحمل رسالة المغرب الذي يربط شماله بجنوبه، ويستثمر مليارات الدراهم في أقاليمه الجنوبية، ويحول الداخلة إلى بوابة أطلسية نحو إفريقيا.

وعندما يحمل طريق بهذه الرمزية اسم رئيس أمريكي ارتبط عهده بموقف أمريكي واضح من السيادة المغربية على الصحراء، فإن الاسم يصبح جزءا من الهندسة الرمزية للدبلوماسية المغربية.

يمكن أن ننتقد ترامب. يمكن أن نختلف مع قراراته. ويمكن أن نخلد أحمد الهيبة ماء العينين بكل ما يستحقه من تقدير. لكنني أرفض أن نجعل من ذاكرة المقاومة مطرقة لتحطيم مكسب دبلوماسي رمزي.

وأرفض أكثر أن تتحول أسماء الطرق إلى مناسبة لتصفية الحسابات الأيديولوجية مع السياسة الخارجية للمغرب.

في النهاية، أحمد الهيبة لا يحتاج إلى إزالة اسم ترامب حتى يكون بطلا مغربيا؛ فقد كتب اسمه في التاريخ قبل أكثر من قرن.

والمغرب أيضا لا يحتاج إلى الاعتذار عن الوفاء لمن اتخذ تجاه قضيته الوطنية موقفا استراتيجيا بالغ الأهمية.

لذلك أقول لهذه الأصوات: كرّموا أحمد الهيبة كما يليق به، واقترحوا له أكبر المشاريع والمنشآت، وسأكون أول المرحبين؛ لكن اتركوا طريق تيزنيت–الداخلة يؤدي وظيفته الرمزية والسياسية كما يؤدي وظيفته الاقتصادية.

ففي السياسة، كما في التاريخ، ليست كل لافتة مجرد اسم. بعض اللافتات تختصر مرحلة كاملة من صراع الدول على الاعتراف والسيادة والمصالح.

و«طريق دونالد ج. ترامب» واحد منها


0 التعليقات: