تكشف جولة في مواقع دور النشر العربية والصفحات الثقافية خلال أواخر يوليو/تموز والنصف الأول من أغسطس/آب 2026 عن مشهد نشر لافت لا تنفرد فيه الرواية بالواجهة، بل تتقاسمها مع المذكرات السياسية والترجمات الفكرية ودراسات الهوية والحرب والذاكرة والفضاء الرقمي. ومن بيروت وعمّان والدوحة إلى القاهرة ولندن وإيطاليا، تبدو حركة الكتاب العربي أكثر التصاقاً بأسئلة اللحظة العالمية: فلسطين، والهجرة، والعنصرية، وصعود اليمين، وتحولات الليبرالية، والحرب النفسية الرقمية، واستعادة الماضي من خارج الأرشيف الرسمي.
وحتى 14 أغسطس/آب 2026، يمكن رصد مجموعة من الإصدارات التي تستحق الوقوف عندها، سواء لقيمة مؤلفيها أو لأهمية الدور التي تقف خلفها أو للموضوعات التي تضعها في قلب النقاش الثقافي والسياسي الراهن.
«العالم بعد غزة» لبانكاج ميشرا: غزة تعيد مساءلة الضمير الغربي
من أبرز الترجمات العربية الجديدة كتاب المفكر والكاتب الهندي بانكاج ميشرا «العالم بعد غزة»، بترجمة علاء عودة، والصادر عن الدار الأهلية للنشر والتوزيع في عمّان. والكتاب في أصله واحد من أبرز الكتب التي أثارت نقاشاً عالمياً بعد حرب غزة، فيما أعلنت الدار الأهلية قبل أيام توافر نسخته العربية.
لا يتعامل ميشرا مع غزة باعتبارها حدثاً سياسياً معزولاً، بل بوصفها امتحاناً للنظام الأخلاقي الذي بنى الغرب جزءاً من شرعيته بعد الحرب العالمية الثانية. وهو يعيد النظر في علاقة الذاكرة الأوروبية بالهولوكوست والاستعمار والعنصرية والقضية الفلسطينية، ويناقش ما يراه ازدواجاً بين خطاب حقوق الإنسان وطريقة تطبيقه حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين. ومن هنا تبدو أهمية صدور الكتاب بالعربية الآن: فهو لا يضيف مجرد موقف مؤيد لفلسطين، بل يدخل القارئ العربي إلى واحدة من أهم المناظرات الفكرية الدولية التي فجرتها غزة.
«ذات النصفين» لندى أحمد جابر: الهوية تحت امتحان اللون والهجرة
وفي الرواية، أصدرت الدار العربية للعلوم – ناشرون رواية «ذات النصفين» للكاتبة ندى أحمد جابر، وهو إصدار كان من أحدث ما ظهر على الرفوف في 13 أغسطس. الرواية تضع بطلتها، ذات الجذور اللبنانية والأفريقية، في مواجهة أسئلة اللون والانتماء والعنصرية والهجرة، وتتحرك أحداثها بين لبنان وأفريقيا قبل الاقتراب من فضاءات العنف والإرهاب في القارة.
ما يميز هذا الاتجاه في الرواية العربية الجديدة هو خروج سؤال الهوية من صيغته المحلية التقليدية. فالهوية هنا ليست فقط طائفة أو وطناً أو لغة، بل جسد ولون بشرة وذاكرة هجرة وموقعاً اجتماعياً. وهذه النقلة تعكس اتصالاً متزايداً للرواية العربية بالنقاش العالمي حول العنصرية والاندماج والهويات المركبة.
وليد جنبلاط و«قدر في هذا المشرق»: نصف قرن من السياسة في صيغة الذاكرة
ومن بيروت جاءت إحدى أكثر السير السياسية إثارة للاهتمام هذا الصيف، وهي مذكرات وليد جنبلاط «قدر في هذا المشرق: من الحرب الأهلية إلى السلام المستحيل»، الصادرة عن دار نوفل – هاشيت أنطوان. وتؤكد دار النشر أن الكتاب يقدم شهادة من داخل الأحداث التي عرفها لبنان والشرق الأوسط خلال نحو خمسة عقود، متداخلاً فيها تاريخ عائلة جنبلاط مع التاريخ الشخصي والسياسي للمؤلف.
تكمن أهمية الكتاب في أن صاحبه لم يكن مراقباً خارجياً للحرب اللبنانية والصراعات السورية واللبنانية والتحولات الإقليمية، بل كان جزءاً من صناعتها وتقلباتها وتحالفاتها. لذلك يُقرأ الكتاب على مستويين: مذكرات رجل سياسي من جهة، ومادة تحتاج بدورها إلى مساءلة ومقارنة بمصادر أخرى من جهة ثانية. إنه نموذج واضح على عودة المذكرات السياسية بقوة إلى سوق النشر العربي.
«اللوبي الصهيوني على ضفتي المحيط الأطلسي» لإيلان بابيه
وفي قلب النقاش المتجدد بشأن فلسطين، أصدرت المؤسسة العربية للدراسات والنشر ترجمة عربية جديدة لكتاب المؤرخ إيلان بابيه «اللوبي الصهيوني على ضفتي المحيط الأطلسي»، بترجمة أحمد حسن المعيني، في كتاب ضخم يبلغ 656 صفحة. وقد رُصد صدوره مطلع أغسطس الجاري.
يهتم الكتاب بالجذور التاريخية والسياسية لشبكات الضغط المؤيدة للمشروع الصهيوني في بريطانيا والولايات المتحدة وبكيفية تطور آليات التأثير في السياسة والإعلام وصناعة القرار. لذلك يأتي صدوره العربي في توقيت تتزايد فيه الحاجة إلى فهم البنى السياسية والإعلامية التي تؤثر في المواقف الغربية تجاه فلسطين، بدلاً من اختزالها في المواقف الظرفية للحكومات.
«اليهود والحياة الاقتصادية»: زومبارت يصل إلى العربية
أما المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات فقد واصل مشروعه الضخم في الترجمة بإصدار كتاب عالم الاجتماع والاقتصادي الألماني فرنر زومبارت «اليهود والحياة الاقتصادية» ضمن سلسلة «ترجمان»، بترجمة عصام سليمان. الكتاب يقع في 528 صفحة، وصدرت طبعته العربية الأولى سنة 2026. وأُعلن عنه ضمن الإصدارات الحديثة في 7 أغسطس.
أهمية هذا النوع من النشر لا تكمن بالضرورة في تبني أطروحات الكتاب، التي ينبغي قراءتها في سياقها التاريخي والنقدي، بل في إتاحة نصوص كلاسيكية أثرت في تشكل العلوم الاجتماعية الأوروبية أمام الباحث العربي بلغته. وهنا تؤدي الترجمة وظيفتها الأكاديمية الأساسية: توسيع الأرشيف النظري المتاح للقارئ لا تقديم النصوص باعتبارها حقائق نهائية.
«السيكولوجيا الرقمية في عصر حروب الجيل الخامس»: الإنسان داخل ساحة الحرب الخوارزمية
ومن الإصدارات العربية التي تبدو وثيقة الصلة بتحولات عصرنا كتاب «السيكولوجيا الرقمية: في عصر حروب الجيل الخامس» لعبد المطلب عبد القادر حجّاج، الصادر كذلك عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. أُعلن الكتاب في 27 يوليو، ويقع في 624 صفحة. ويقول الناشر إن المشروع يسعى إلى وصل علم النفس السياسي والاجتماعي بالتحولات الرقمية والحروب الحديثة.
إنه عنوان يلفت الانتباه لأن الحروب المعاصرة لم تعد تُخاض بالسلاح فقط، بل بالصورة والإشاعة والمنصة والخوارزمية واستهداف الانفعالات الجماعية. لذلك يمكن النظر إلى الكتاب باعتباره جزءاً من مكتبة عربية آخذة في التشكل حول القوة الرقمية، والتضليل، والسيكولوجيا السياسية لشبكات التواصل.
«مستحيل.il»: رواية فلسطينية تجعل الزمن نفسه موضع شك
وفي حقل الرواية الفلسطينية، صدرت عن منشورات المتوسط في إيطاليا الرواية الأولى للكاتب والصحافي الفلسطيني يوسف الشايب «مستحيل.il»، مع طبعة خاصة بفلسطين. وتتحرك الرواية انطلاقاً من مخيم قلنديا، حيث تبدأ حكاية غرائبية بحفرة صغيرة يملؤها رجل بالماء، قبل أن تتحول إلى بحر، وتغدو السمكة والأسطورة والحكايات المتناقضة أجزاء من «أرشيف غير موثوق».
وتمتد أزمنة الرواية، بحسب تقديمها، من 1948 إلى مستقبل يصل إلى 2090، في بناء يكسر التسلسل الزمني ويخلط الأسطورة بالتقرير والسخرية والشعر. هنا تتحول فلسطين من موضوع للرواية إلى مختبر لشكل روائي جديد، لأن واقعاً مشوشاً وممزقاً لا يمكن، ربما، أن يُروى دائماً بسرد خطي مطمئن.
«تقرير إلى الهدهد» لشعيب حليفي: المغرب وذاكرة النساء
يحضر المغرب في هذه الجولة من خلال رواية «تقرير إلى الهدهد» للروائي والناقد المغربي شعيب حليفي، الصادرة عن منشورات السرديات بالدار البيضاء سنة 2026. وقد عادت إلى الواجهة الثقافية في مطلع أغسطس من خلال قراءة موسعة ركزت على استعادة أحداث مولاي بوعزة سنة 1973 من زاوية ذاكرة النساء والعائلات والمختفين.
تمنح الرواية النساء موقع «الأرشيف الحي» في مواجهة نقص الوثيقة الرسمية؛ فالصورة والرسالة والحكاية العائلية والانتظار والخوف تصبح جميعها أدوات لإعادة تركيب التاريخ. ويكتسب هذا الاختيار قيمة خاصة في السياق المغربي لأنه يعيد مساءلة سنوات الصراع السياسي لا عبر الشعارات الكبرى فحسب، بل عبر الأثمان الإنسانية التي دفعتها الأسر والنساء خصوصاً.
«خارجات على الغريزة»: حنان ضيا تسائل بداهة الأمومة
ومن لبنان صدرت عن دار المؤلف رواية «خارجات على الغريزة» للكاتبة حنان ضيا، التي تتناول الزواج والأمومة والضغط الاجتماعي من منظور نسائي. وقد تناولتها الصفحات الثقافية في 9 أغسطس بوصفها من إصدارات 2026 الحديثة.
العنوان نفسه يضع القارئ أمام السؤال المركزي: هل الأمومة «غريزة» طبيعية خالصة، أم أن جانباً مما نصفه بالغريزة تصنعه التربية والانتظارات الاجتماعية والسمعة والأسرة؟ ومن خلال مصائر نساء مختلفات، تتحول الرواية إلى مساءلة للأفكار التي تتخفى وراء صفة «الطبيعي» بينما تكون في أحيان كثيرة بناءً اجتماعياً شديد التعقيد.
الشعر يعود من ذاكرة الحرب: «كلب الحرب الذي عض طفولتنا ومضى»
وفي العراق صدرت حديثاً عن دار وتريات للنشر والطباعة في بابل المجموعة الشعرية «كلب الحرب الذي عض طفولتنا ومضى» للشاعر والأكاديمي عقيل حبيب، وتضم 23 قصيدة نثرية. وقد أُعلن عنها في 12 أغسطس.
العنوان وحده يكاد يلخص اتجاهاً شعرياً عراقياً وعربياً كاملاً: طفولة لم تعد الحرب فيها حادثة خارجية، بل جزءاً من الذاكرة الشخصية. فبعد عقود الحروب والعقوبات والاحتلال والعنف الأهلي، تستمر التجربة العراقية في إنتاج أدب يعيد ترجمة التاريخ السياسي إلى ندوب فردية وصور طفولة.
المسرح الكردي يدخل العربية عبر «أناهيتا وكَميفان»
وفي لندن، أصدرت منشورات رامينا الترجمة العربية لكتاب «أناهيتا وكَميفان» للكاتب المسرحي الكردي هلكت إدريس عابد، بترجمة شمال آكريي. ويضم العمل سبعة نصوص مسرحية تتمحور حول الذاكرة والاقتلاع والحرية والسلطة، وأُعلن عن الإصدار عربياً في 11 أغسطس.
لهذا الإصدار قيمة تتجاوز الكتاب نفسه؛ فالترجمة بين الكردية والعربية لا تزال أقل حضوراً مما تستحق مقارنة بحجم التجاور الثقافي والتاريخي بين اللغتين. وكلما اتسع هذا النوع من الترجمة المباشرة، تحولت العربية إلى فضاء لقاء بين آداب المنطقة بدلاً من أن تمر تلك الآداب بعضها إلى بعض عبر لغة أوروبية وسيطة.
من الليبرالية إلى اليمين الراديكالي: ترجمة الفكر السياسي تعود بقوة
ويبدو نشاط المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات لافتاً بصورة خاصة في صيف 2026. فإلى جانب زومبارت والسيكولوجيا الرقمية، أصدر ضمن سلسلة «ترجمان» كتاب «عالم ما بعد الليبرالية: خمسة مفكرين ألهموا اليمين الراديكالي» لماثيو روز بترجمة كمال المصري، في 256 صفحة، كما طرح ترجمة مايكل فريدن «مقدمة مختصرة في الليبرالية» بترجمة محمد عبده أبو العلا، في 216 صفحة.
ويكتسب الكتابان راهنيتهما من أن سؤال الليبرالية لم يعد موضوعاً أكاديمياً مجرداً. صعود القوميات والشعبويات واليمين الجديد جعل النقاش حول مستقبل الديمقراطية الليبرالية جزءاً من الحياة السياسية اليومية في أوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى. لذلك يبدو نقل هذه المناقشات إلى العربية ضرورياً لفهم عالم يتغير بسرعة أكبر مما تسمح به المصطلحات السياسية الموروثة.
ماذا تقول هذه الرفوف الجديدة؟
إذا جمعنا هذه الإصدارات في صورة واحدة، فسنلاحظ أن فلسطين والذاكرة والهوية والسلطة الرقمية هي الكلمات الأكثر حضوراً. الكتاب العربي في صيف 2026 ليس بعيداً عن اضطراب العالم؛ غزة تدخل كتب الفكر والتاريخ، والهجرة والعنصرية تدخل الرواية، والحرب تعود في الشعر باعتبارها جرح طفولة، والذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل يتحولان إلى موضوع للبحث في علم النفس السياسي، بينما تستعيد المذكرات والسرديات الفردية دورها في منافسة الروايات الرسمية للتاريخ. (العربي الجديد)
وتكشف الجولة أيضاً أن خريطة النشر العربي أصبحت أكثر عابرة للحدود. بيروت والقاهرة وعمّان والدوحة والدار البيضاء ما تزال مراكز أساسية، لكن منشورات عربية مهمة تصدر أيضاً من لندن وإيطاليا، بينما يتزايد تداول الكتب إلكترونياً وعبر شبكات توزيع دولية. وبهذا المعنى لم تعد «دار النشر العربية» مرتبطة جغرافياً بعاصمة عربية بالضرورة؛ فالعربية نفسها صارت هي المجال الذي يحدد انتماء الكتاب.
الأهم أن حركة النشر الراهنة تكشف عن قارئ عربي يُفترض فيه قدر أكبر من الفضول والتنوع. فالرف الواحد صار يجمع رواية عن امرأة ممزقة بين هويتين، ومذكرات زعيم سياسي، ودراسة كلاسيكية في الاقتصاد والاجتماع، وكتاباً عن الحرب الرقمية، وشعراً عن طفولة أنهكتها الحرب، ونصوصاً مسرحية كردية مترجمة. إنها مكتبة لا تقدم صورة عن الأدب وحده، بل عن الأسئلة التي تشغل الإنسان العربي وهو يحاول أن يفهم عالماً أصبحت فيه السياسة والذاكرة والتكنولوجيا والهوية متشابكة إلى حد يصعب معه فصل كتاب الفكر عن كتاب الحياة.
ملاحظة تحريرية: يعتمد هذا الرصد على الإصدارات والإعلانات والمواد الثقافية المتاحة حتى 14 أغسطس/آب 2026، ولا يدّعي حصر جميع الكتب العربية الصادرة خلال الفترة نفسها.







0 التعليقات:
إرسال تعليق