الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 13، 2026

تطوي الجزائر آخر صفحة من الحراك باعتقال صاحب قولة «يتنحاو ڤاع» ؟


بصفتي مواطنا مغاربيا أتابع ، ما يجري في الجزائر بكثير من الاهتمام، لا فقط لأن الأمر يتعلق بدولة جارة نتقاسم معها الجغرافيا والتاريخ والذاكرة المغاربية، بل لأن ما يحدث هناك يطرح أسئلة تتجاوز الحدود الجزائرية إلى معنى السياسة ذاتها: ماذا يبقى من الحركات الشعبية حين تصل السلطة إلى مرحلة إعادة ترتيب أوراقها؟ وماذا يحدث للشعارات الكبرى عندما يتحول أصحابها من رموز في الشوارع إلى أسماء داخل ملفات المحاكم والسجون؟

لقد استوقفني، في هذا السياق، خبر اعتقال محمد بلقير تركي، المعروف باسم «سفيان»، وهو الرجل الذي ارتبط اسمه بأحد أكثر شعارات الحراك الجزائري شهرة: «يتنحاو ڤاع»، أي «فليرحلوا جميعًا». لم تكن تلك العبارة مجرد جملة عابرة في بث تلفزيوني مباشر سنة 2019، بل تحولت إلى صيغة مكثفة لغضب شعبي واسع، وإلى عنوان سياسي لمرحلة كاملة كانت فيها شوارع الجزائر تمتلئ كل يوم جمعة بآلاف ثم ملايين المواطنين المطالبين بتغيير عميق في بنية الحكم.

اليوم، وبعد أكثر من سبع سنوات على تلك اللحظة، أجد نفسي أمام مفارقة ثقيلة بالرمزية: الرجل الذي صار وجهًا لذلك الشعار يجد نفسه بدوره خلف القضبان.

بحسب المعطيات الواردة في النص الذي بين يدي، شارك سفيان في بث مباشر على منصة «تيك توك»، ثم أوقفته أجهزة الأمن، ووُضع رهن الحراسة النظرية، قبل أن يُحال على قاضي التحقيق ويوضع رهن الحبس المؤقت بسجن القليعة. كما وُجهت إليه اتهامات مرتبطة بالإشادة بالإرهاب، واستعمال وسائل الاتصال لدعم أفكار تنظيم مصنف إرهابيًا، ونشر أخبار يُقال إنها تمس بالأمن أو المصلحة الوطنية.

لا أملك، بطبيعة الحال، التسجيل الكامل لذلك البث، ولا يمكنني من موقعي أن أحسم في تفاصيل ما قيل داخله أو في التكييف القانوني الذي تعتمده السلطات الجزائرية. لكن ما يهمني هنا أبعد من القضية الفردية نفسها؛ إنه المعنى السياسي الذي يمكن أن يحمله سجن شخصية ارتبطت في الوعي العام الجزائري ببدايات الحراك.

إن الحركات الشعبية لا تُقاس فقط بعدد المتظاهرين أو بالشعارات التي ترفعها، بل أيضًا بما يبقى منها في الذاكرة السياسية بعد سنوات من انحسارها. وفي تقديري، فإن «يتنحاو ڤاع» لم يكن مجرد هتاف لإسقاط أسماء بعينها، بل كان تعبيرًا عن رفض أوسع لمنظومة حكم ولطريقة تدبير السلطة والعلاقة بين الدولة والمجتمع.

من هنا تبدو قضية سفيان، بالنسبة إلي، أشبه باختبار لذاكرة 2019: هل ما زالت السلطة الجزائرية تعتبر الحراك جزءًا من الشرعية السياسية التي تأسست بعدها، أم أنها باتت تنظر إليه بوصفه صفحة ينبغي إغلاقها نهائيًا؟

المفارقة أن الرئيس عبد المجيد تبون نفسه سبق أن استعمل وصف «الحراك المبارك»، وقدمت السلطة الجديدة في سنواتها الأولى نفسها باعتبارها استجابة، ولو جزئيًا، لما وقع سنة 2019. ومن الصعب تجاهل حقيقة أن نهاية مشروع الولاية الخامسة للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة كانت نتيجة مباشرة لذلك الضغط الشعبي الواسع.

لكن السياسة، كما تعلمنا التجارب، ليست فقط ما يقال في لحظة الصعود، بل ما يُمارس بعد استقرار الحكم.

وأنا أقرأ التحليل الوارد في النص، أجد أن صاحبه يذهب إلى أن السلطة الجزائرية استفادت من الحراك أولًا لاكتساب شرعية سياسية، ثم انتقلت لاحقًا إلى تحييد رموزه وأفكاره وخطابه، بعدما أصبح استمرار تلك الروح في الشارع مصدر قلق للنظام. وهو يربط ذلك بموجة التضييق التي عرفتها البلاد منذ 2020 و2021، وبالرغبة في منع عودة الاحتجاجات الجماهيرية.

هذا الطرح، وإن كان يعبر عن موقف سياسي واضح لصاحب النص، يستحق في نظري نقاشًا أوسع.

لقد رفع الحراك الجزائري مطالب ترتبط بدولة القانون، واستقلال القضاء، وحرية التعبير، والتداول على السلطة، والمحاسبة. ولم تكن هذه المطالب، في جوهرها، غريبة عن الحركات الديمقراطية في أي مجتمع. كانت هناك داخل الحراك تيارات متباينة، وربما متناقضة، من الإسلاميين إلى العلمانيين ومن القوميين إلى دعاة الحكم الذاتي وغيرهم، لكن الشارع في تلك اللحظة استطاع أن يجمع اختلافاته داخل مطلب أوسع يتعلق بفتح المجال السياسي.

ولهذا فإنني لا أرى أن أهم سؤال اليوم هو: أين ذهبت مظاهرات الجمعة؟

السؤال الأهم هو: أين ذهبت الأفكار التي حملتها تلك المظاهرات؟

يمكن للسلطة أن تمنع مسيرة، ويمكنها أن تفرض قيودًا على التجمعات، ويمكن أن يهدأ الشارع بفعل التعب أو الخوف أو تغير الظروف الاجتماعية، لكن الذاكرة السياسية لا تعمل بالطريقة نفسها. فالأجيال التي خرجت في 2019 عاشت تجربة جماعية يصعب شطبها من الوعي بجرة قلم.

وفي المقابل، يبدو أن الخطاب الرسمي الجزائري خلال السنوات الماضية اتجه بقوة نحو مفردات الأمن القومي والتهديدات الخارجية والمؤامرات. المغرب حاضر بصورة متكررة في هذا الخطاب، كما تحضر إسرائيل وفرنسا والإمارات وقوى أخرى بحسب السياقات السياسية.

ولا أنكر، من موقع صحفي مغربي، أن الدول تواجه بالفعل تحديات أمنية حقيقية، وأن منطقة الساحل وليبيا وتوترات المتوسط تفرض يقظة أمنية. لكنني أعتقد أن المشكلة تبدأ عندما تصبح «التهديدات الخارجية» جوابًا جاهزًا عن كل أزمة داخلية.

فلا يمكن لأي دولة أن تعالج ضعف الاقتصاد أو البطالة أو تراجع القدرة الشرائية أو أزمة الثقة السياسية بالحديث الدائم عن خصم وراء الحدود. كما لا تستطيع أي حكومة أن تحول الاختلاف السياسي بصورة تلقائية إلى شبهة أمنية من دون أن تدفع ثمن ذلك في علاقتها بالمجتمع.

النص الذي انطلقت منه يذهب أبعد من ذلك، إذ يعتبر أن الحكم الحالي يقوم على إنتاج الخوف من «الخطر الخارجي» واستعماله لتبرير التضييق على المجال العام والحريات، بينما يرى أن الأزمة الحقيقية ذات طبيعة داخلية مرتبطة بالحكامة والاقتصاد والفساد والعدالة الاجتماعية.

من جانبي، أعتقد أن استقرار الجزائر مصلحة مغربية ومغاربية قبل أن يكون شأنًا جزائريًا داخليًا. لا أرى أي فائدة للمغرب في جار مضطرب أو مجتمع يشعر بالاختناق. بل على العكس، إن مغربًا قويًا وجزائر مستقرة ومنفتحة وتونسًا متماسكة هي الشروط الطبيعية لبناء فضاء مغاربي تأخر طويلًا.

ولهذا لا أكتب عن قضية سفيان باعتبارها فرصة للشماتة السياسية في الجزائر. الشماتة في أزمات الشعوب سلوك قصير النظر. ما يهمني هو الدرس السياسي الكامن وراءها.

إن الأنظمة تستطيع أن تربح معركة الشارع، لكنها لا تربح بالضرورة معركة الذاكرة.

وعندما يصبح صاحب شعار «يتنحاو ڤاع» معتقلًا بعد سبع سنوات من اللحظة التي صنعته رمزًا، فإن الصورة تصبح أقوى من آلاف الخطب الرسمية.

لقد أراد ذلك الشعار في 2019 أن يقول إن تغيير الوجوه لا يكفي، وإن المطلوب تغيير طريقة ممارسة السلطة نفسها.

واليوم، أجد أن السؤال يعود بالصيغة نفسها تقريبًا: هل تغيرت قواعد الحكم فعلًا، أم أن الجزائر انتقلت من مرحلة سياسية إلى أخرى بينما ظلت آليات إدارة الاختلاف على حالها؟

لا أستطيع أن أجيب نيابة عن الجزائريين.

لكنني أستطيع أن أقول إن اعتقال رجل ارتبط اسمه بأحد أشهر شعارات الحراك يحمل، سواء أرادت السلطة ذلك أم لم ترده، دلالة سياسية شديدة القوة.

فالسجون لا تحتجز الأشخاص وحدهم.

أحيانًا، تحاول الأنظمة أن تضع داخل الزنزانة ذاكرة كاملة.

والمشكلة أن الذاكرة، في نهاية المطاف، لا تدخل السجن.


0 التعليقات: