الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأربعاء، أغسطس 12، 2026

أعيدوا إلينا فلذات أكبادنا : عبده حقي


ثمة فارق سياسي وأخلاقي كبير بين دولة تحاول التخلص من مواطنيها عند الحدود، ودولة تقول لجارتها الأوروبية بوضوح: هؤلاء أطفالنا، ونحن مستعدون لاستعادتهم وتحمل مسؤوليتنا تجاههم. ومن هذه الزاوية تحديدًا أرى أن الموقف المغربي الأخير بشأن القاصرين الموجودين في إسبانيا يستحق أن يُقرأ خارج السجال التقليدي حول الهجرة، لأنه ينقل القضية من حسابات الحدود إلى مفهوم أعمق هو مسؤولية الدولة عن مواطنيها، وخصوصًا عندما يكون هؤلاء المواطنون أطفالًا.

جدد وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي مطالبة إسبانيا بإعادة القاصرين المغاربة الموجودين فوق أراضيها، بمن فيهم الذين وصلوا مؤخرًا إلى سبتة، مؤكدًا أن المغرب يريد معالجة القضية عبر المسارين القانوني والسياسي، وأن المملكة مستعدة لاستقبال أبنائها وإعادتهم إلى أسرهم. كما شدد على أن المغرب لا يريد التخلي عن الأطفال الموجودين في الخارج ولا التعامل معهم باعتبارهم عبئًا يمكن نسيانه بمجرد عبورهم الحدود. 

أهمية هذا الموقف، في تقديري، تكمن في أنه يقلب واحدة من أكثر المعادلات رسوخًا في ملف الهجرة غير النظامية. فكثيرًا ما تشتكي الدول الأوروبية من صعوبة إعادة المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية بسبب ضعف تعاون بعض دول المصدر. أما في الحالة المغربية الراهنة، فقد أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن الرباط أبدت «استعدادًا كاملًا» لتسهيل عودة مواطنيها، مضيفًا أن إسبانيا لا تواجه، في هذه الحالة، مشكلة امتناع بلد المنشأ عن التعاون. بل إن ألباريس أشار إلى أن التواصل بينه وبين نظيره المغربي ناصر بوريطة يجري بصورة يومية.

وهنا تتجلى إحدى نقاط القوة في المقاربة المغربية: المغرب لا يطالب أوروبا فقط بمراقبة حدودها، بل يقبل بتحمل الجزء الذي يقع عليه من المسؤولية.

هذه ليست مسألة تقنية صغيرة.

عندما تقول دولة إنها مستعدة لاستعادة قاصريها، فإنها تبعث بثلاث رسائل في وقت واحد: الأولى إلى إسبانيا بأن التعاون في الهجرة ينبغي أن يكون متبادلًا؛ والثانية إلى الأسر المغربية بأن الدولة لا تعتبر أبناءها المهاجرين السريين أشخاصًا فقدوا صلتهم بوطنهم؛ والثالثة، وربما الأهم، إلى شبكات التهريب وإلى الدعاية المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي بأن عبور طفل إلى الضفة الأخرى لا يعني بالضرورة حصوله تلقائيًا على إقامة ومستقبل أوروبي.

وهذا البعد الوقائي بالغ الأهمية.

فالمشكلة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الهجرة السرية في مخيلة المراهق إلى مشروع سهل: يعبر الحدود، يدخل مركزًا للحماية، ثم ينتظر انتقاله إلى إسبانيا القارية ومنها إلى أوروبا. وكلما ترسخت هذه الصورة، ارتفع إغراء المخاطرة بالحياة. وقد حذر المسؤولون الإسبان أنفسهم خلال الأزمة الأخيرة من المعلومات المضللة المتداولة على شبكات التواصل، مؤكدين أن الشائعات حول إمكانية البقاء أو الوصول بسهولة إلى أوروبا أصبحت عنصرًا في تعبئة الراغبين في الهجرة. 

لهذا أعتبر أن استرجاع القاصر إلى أسرته، متى ثبتت هويته وتوفرت شروط عودته الآمنة، ليس مجرد عملية «ترحيل»، كما قد توحي بعض اللغة السياسية المتداولة. إنه أيضًا تفكيك لفكرة خطيرة مفادها أن الطفل يستطيع أن يجعل من الهجرة السرية طريقًا مختصرًا للهجرة القانونية.

واللافت أن الموقف المغربي لم يعد معزولًا عن الموقف السياسي داخل إسبانيا. ففي 12 أغسطس 2026 أفادت التقارير بأن الحكومة الإسبانية والحزب الشعبي، رغم خلافاتهما الحادة في ملف الهجرة، أصبحا متفقين على اعتبار إعادة جمع القاصرين الموجودين في سبتة بأسرهم في المغرب أولوية. وبلغ عدد القاصرين الأجانب غير المصحوبين الذين أحصتهم الشرطة في سبتة في ذلك الوقت 1,527 قاصرًا، كان بعضهم لا يزال موجودًا في شوارع المدينة. 

هذه نقطة سياسية مهمة جدًا.

فما تطالب به الرباط لم يعد خطابًا مغربيًا موجهًا إلى مدريد من طرف واحد، بل أصبح هدفًا تتقاطع حوله الحكومة الإسبانية والمعارضة الرئيسية والمغرب، وإن اختلفت الأطراف حول سرعة التنفيذ وكيفيته. 

لكن نجاعة الموقف المغربي ستكون أقوى كلما ارتبطت باحترام الضمانات الخاصة بحقوق الطفل. فالقاصر ليس طردًا بريديًا يُرسل من دولة إلى أخرى. والقانون الإسباني يفرض دراسة كل حالة بصورة فردية، والاستماع إلى الطفل، وتوفير المساعدة القانونية، والتحقق من ظروف أسرته ومن أن عودته لن تعرضه للإيذاء أو ظروف تمس نموه وكرامته. كما يوجد بين إسبانيا والمغرب إطار للتعاون بشأن رعاية القاصرين وإعادتهم. 

وهذه الضمانات لا تتعارض في رأيي مع المطلب المغربي، بل تمنحه مشروعية أكبر.

فالمغرب لا يحتاج إلى استعادة ألف طفل في يوم واحد أمام عدسات التلفزيون. النجاح الحقيقي هو أن يستعيد كل طفل يمكن أن يعود بأمان إلى أسرته، بعد التحقق من هويته ووضعه الاجتماعي، وأن تتولى مؤسسات الدولة مواكبة الحالات الهشة التي لا تستطيع أسرها توفير الحماية الكافية لها.

والتجربة السابقة تقدم درسًا يجب ألا يتكرر. ففي أزمة سبتة سنة 2021 أُعيد 55 قاصرًا إلى المغرب بطريقة قضت المحاكم الإسبانية لاحقًا بأنها لم تحترم الإجراءات والضمانات المطلوبة. ولذلك فإن العودة اليوم ينبغي أن تكون أكثر تنظيمًا، لا أكثر استعجالًا. 

هنا بالضبط يمكن للمغرب أن يحول موقفًا سياسيًا ناجحًا إلى سياسة عمومية متكاملة: تحديد هوية القاصرين، التواصل مع أسرهم، التنسيق القضائي والقنصلي مع إسبانيا، إعداد برامج للإدماج المدرسي والتكوين المهني، ومتابعة الأطفال بعد عودتهم حتى لا يجدوا أنفسهم بعد أشهر أمام البحر يحاولون الرحيل من جديد.

لأن استرجاع الطفل لا ينتهي عند المعبر الحدودي.

إنه يبدأ من هناك.

وأعتقد أن أقوى ما في الرسالة المغربية الحالية أنها تستبدل خطابًا كان يمكن أن يقول: «لقد وصلوا إلى إسبانيا فأصبحوا مشكلتها»، بخطاب آخر يقول: إنهم أبناؤنا ومسؤوليتنا لا تسقط بعبور الحدود.

تلك، في جوهرها، هي الدولة التي أريد أن أراها في ملف الهجرة: دولة تحرس حدودها، تحارب شبكات الاتجار بالبشر، تتعاون مع جيرانها، لكنها في اللحظة نفسها لا تتنكر لمواطن ضعيف لأنه ارتكب خطأ الهجرة السرية.

فالسيادة ليست فقط أن تمنع المواطن من الخروج غير القانوني.

السيادة أيضًا أن تقول، عندما يصبح طفل من أطفالك تائهًا وراء الحدود:

أعيدوه إلينا، وسنتحمل مسؤوليتنا عنه.


0 التعليقات: