الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الثلاثاء، أغسطس 11، 2026

«عبده حقي»: سيرة أدبية ورقمية من السبعينيات إلى اليوم


عبد الحق عينو، المعروف في الوسط الثقافي والإعلامي باسم عبده حقي، كاتب وقاص وروائي وناقد ومترجم وإعلامي مغربي، وُلد بمدينة مكناس في 13 أغسطس 1956. وتورد سيرته المنشورة في «ديوان العرب» اسمه المدني صراحة: «عبدالحق عينو»، واسم الشهرة «عبده حقي»، كما تصفه بالقاص والناقد الأدبي والمترجم.

وتكتسب تجربته خصوصيتها من أنها لم تبق أسيرة الشكل الورقي التقليدي، بل انتقلت تدريجيًا من الشعر والقصة والرواية إلى الصحافة الثقافية، ثم إلى الكتاب الإلكتروني والصوتي، فالأدب الرقمي، وصولًا في السنوات الأخيرة إلى التجريب في الكتابة المشتركة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.

من مكناس بدأت الحكاية

بحسب السيرة التي نشرها الكاتب عبد الرحيم مؤدن، ترجع المحاولات الشعرية الأولى لعبده حقي إلى منتصف السبعينيات؛ إذ أذيعت له قصائد في برامج ثقافية إذاعية من بينها «ناشئة الأدب» و«حدائق الشعر». ثم ظهرت بعض محاولاته الشعرية في جريدة «المحرر» في مطلع الثمانينيات، بينما بدأت تجربته القصصية المنشورة في أواخر العقد نفسه، ومنها قصة «التبوريدا». ومع بداية التسعينيات اتسعت دائرة حضوره في الصحافة المغربية عبر المقالة والقصة والنص المفتوح، ولا سيما في جريدة «أنوال».

هذه المرحلة الأولى مهمة لفهم مساره اللاحق، لأنها تكشف أن علاقته بالرقمنة والذكاء الاصطناعي لم تبدأ من فراغ؛ فقد سبقتها عقود من الاشتغال على الأشكال الأدبية التقليدية، وهو ما يجعل تجربته اللاحقة أقرب إلى انتقال الكاتب الورقي إلى الكاتب الهجين منها إلى تجربة رقمية ولدت منفصلة عن التراث الأدبي.

«حروف الفقدان» وبداية التبلور الكتابي

تورد مصادر السيرة أن أول مجموعة قصصية ورقية له كانت «حروف الفقدان» سنة 2008. ومنذ هذه اللحظة بدأت تتضح ملامح مشروع يجمع بين الذاكرة الشخصية والهم الثقافي وأسئلة المجتمع وتحولات وسائط الكتابة.

لكن سنة 2008 لم تكن مجرد سنة إصدار كتاب، بل شكلت أيضًا منعطفًا في علاقته بالفضاء الرقمي.

2008: التحول إلى الثقافة الرقمية

حصل عبده حقي سنة 2008 على عضوية اتحاد كتاب الإنترنت العرب، وفي 8 أكتوبر 2008 أطلق مشروع «مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة». وفي حوار مطول نشرته «القدس العربي» سنة 2012، أوضح أن فكرة المشروع نشأت من الرغبة في تجاوز الصعوبات التنظيمية للاتحادات التقليدية والانتقال إلى فضاء ثقافي افتراضي أكثر مرونة.

ولم يكن الموقع مجرد مدونة شخصية، بل احتوى مواد إبداعية ودراسات نقدية ومتابعات ثقافية وملفات للنقاش حول الثورة والكتابة والمرأة والثقافة المغربية والإنترنت. وقد وصفت «القدس العربي» الموقع آنذاك بأنه حقق حضورًا ملحوظًا في الإعلام الثقافي المغربي والعربي.

وتشير وثائق لاحقة لاتحاد كتاب الإنترنت العرب إلى تولي عبده حقي مسؤولية لجنة الإنترنت والعلاقات الرقمية في الاتحاد.

هذه المحطة تجعل تجربته جديرة بالاهتمام تاريخيًا، لأنها تضعه ضمن جيل من الكتّاب المغاربة الذين لم يتعاملوا مع الإنترنت كوسيلة لنشر النص الورقي فحسب، بل باعتباره فضاء ثقافيًا وإنتاجيًا قائمًا بذاته.

الرواية الأولى: «زمن العودة إلى واحة الأسياد»

في سنة 2010 أصدر روايته الأولى «زمن العودة إلى واحة الأسياد»، في نحو 150 صفحة. وجاءت الرواية بعد مجموعته «حروف الفقدان»، لتؤشر على انتقاله من القصة القصيرة إلى البناء الروائي الأطول.

وتشير المصادر اللاحقة إلى أن الرواية، مثل بعض أعماله الأولى، تتقاطع في عدد من مستوياتها مع الذاكرة والسيرة والتجربة الشخصية. وهذا البعد السيري سيعود بقوة في كتاب مستقل بعد سنوات.

«أساطير الحالمين»: الرواية تدخل الفضاء الرقمي

صدرت روايته الثانية «أساطير الحالمين» سنة 2015 في صيغة رقمية، ثم عرفت أشكالًا أخرى من النشر، من بينها الطبعة الورقية والنسخة المسموعة. وفي سنة 2016 أشار «ديوان العرب» إلى تقديم الرواية في صيغة صوتية عبر يوتيوب، في محاولة لإضافة بعد سمعي وتفاعلي إلى فعل القراءة.

وهنا تظهر مبكرًا إحدى السمات التي ستصبح مركزية في تجربة عبده حقي: النص الواحد لا ينبغي بالضرورة أن يبقى سجين حامل واحد؛ فالرواية يمكن أن تكون ورقية ورقمية ومسموعة في الوقت نفسه.

الكتابة عن الأدب الرقمي

بالتوازي مع الإبداع، انشغل عبده حقي بالتعريف بالأدب الرقمي وترجمة بعض الدراسات المتصلة به. ومن مؤلفاته في هذا المجال كتاب «ما هو الأدب الرقمي؟»، إضافة إلى كتابات وترجمات ودراسات حول النص الإلكتروني والأدب الرقمي. كما تذكر سيرته المبكرة «ترجمات في الأدب الرقمي» ضمن مجالات إنتاجه.

كما أصدر إلكترونيًا أعمالًا من بينها «مفهوم النص في الأدب الرقمي» وكتابًا حول الرأي العام العربي والإعلام والإنترنت وتكنولوجيا المعلومات.

لذلك يصعب فصل مشروعه السردي عن اهتمامه النظري بالوسائط؛ فالسؤال عنده لم يعد فقط: ماذا نكتب؟ بل أيضًا: بأي وسيط نكتب، ومن هو قارئ النص الجديد، وكيف تتغير الكتابة عندما تتغير الشاشة والخوارزمية والمنصة؟

«عودة الروح لابن عربي»: السيرة والذاكرة

في سنة 2017 صدر كتابه «عودة الروح لابن عربي.. عن أيام مكناس فاس الجميلة»، وهو عمل سيري أدبي يقارب 285 صفحة.

وقد تناولت الصحافة المغربية العمل باعتباره سيرة لا تكتفي باستعادة حياة صاحبها، بل تمتد إلى قراءة محيط اجتماعي وثقافي وتاريخي عاشه الكاتب. وأشارت جريدة «بيان اليوم» إلى حضور المواقف الساخرة والعجائبية والتعليقات التاريخية والسياسية والتحليل الأدبي داخل هذه السيرة.

وفي 2018 انتقل الكتاب إلى صيغة الكتاب المسموع في اثني عشر جزءًا يبلغ مجموعها أكثر من ثماني ساعات، مع الإشارة إلى أن الهدف كان أيضًا تسهيل الوصول إليه للمكفوفين وضعاف البصر ومن يتعذر عليهم استعمال النسخة الورقية.

وبذلك نجد أمامنا نصًا واحدًا عاش ثلاث حيوات: ورقية، إلكترونية، وصوتية.

«مايا»: العودة إلى رواية الأفكار

مع مطلع 2023 صدرت الرواية الثالثة «مايا» في 340 صفحة. وقد أكدت وكالة SNRT News ومصادر ثقافية أخرى أنها جاءت بعد «زمن العودة إلى واحة الأسياد» و«أساطير الحالمين».

وتمثل «مايا» تحولًا مهمًا؛ فالكاتب قدمها بوصفها خروجًا نسبيًا من التقاطع السيري الواضح في روايتيه السابقتين إلى رواية الأفكار والصراع القيمي والأيديولوجي والسياسي. كما أن جذور المشروع قديمة؛ إذ يشير تقديم العمل إلى أن الكتابة فيه بدأت ليلة 11 نوفمبر 1984.

وبذلك تكشف «مايا» مفارقة جميلة في المسار: نص بدأت نواته في عصر الآلة الكاتبة تقريبًا، لكنه ظهر للقراء في قلب العصر الرقمي.

«إيريكا في غرفة الأخبار»: الإنسان يكتب مع الآلة

يأتي التحول الأكثر جرأة سنة 2024 مع رواية «إيريكا في غرفة الأخبار».

تشير المصادر المنشورة حول التجربة إلى أن الرواية تقع في نحو 210 صفحات، وأن إنجازها استغرق قرابة أربعة أشهر من التجريب باستخدام ChatGPT، انطلاقًا من تصميم سردي وضعه الكاتب، ثم سلسلة من الحوارات والتوجيهات لتطوير الفصول والحبكة والشخصيات.

وتدور الرواية حول روبوت أنثوي يحمل اسم إيريكا يعمل في غرفة أخبار ويتطور ذكاؤه وعلاقته بالوسط البشري؛ ولذلك تتقاطع فيها الصحافة والذكاء الاصطناعي والهوية والعاطفة وحدود العلاقة بين الإنسان والآلة.

وقد قدمت بعض المنابر الثقافية والصحفية العمل بوصفه «أول رواية اصطناعية» مغربية وعربية. ومن الأدق التعامل مع ذلك بوصفه توصيفًا إعلاميًا وتجريبيًا تداولته تلك المنابر، لا حكمًا ببليوغرافيًا نهائيًا على كامل الإنتاج الروائي العربي، لأن إثبات «الأولية» تاريخيًا يتطلب مسحًا شاملاً للإصدارات العربية.

لكن أهمية التجربة لا تتوقف على مسألة «الأول». الأهم أنها نقلت عبده حقي من التنظير للأدب الرقمي إلى اختبار الذكاء الاصطناعي داخل ورشة الكتابة نفسها.

من الكاتب الرقمي إلى «الكاتب الهجين»

في 2025 و2026 أصبح هذا السؤال أكثر حضورًا في مقالاته. وفي يونيو 2026 نشر مقالًا بعنوان «الكاتب الهجين وولادة نقد ما بعد الخوارزمية»، إلى جانب مقالات مثل «البرامج الذكية لن تصنع صحفيًا ولا كاتبًا حقيقيًا»، و«مستقبل التعليم الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي»، و«الأخ الأكبر الجديد بقناع الذكاء الاصطناعي» و«وداعًا أيها الدماغ المتعب».

ويمكن أن نستخلص من هذه المقالات أن موقفه من الذكاء الاصطناعي ليس موقف انبهار تقني خالص. فهو يجرب استخدام الآلة، ولكنه في الوقت ذاته يسائل مخاطرها على الذاكرة والتفكير والصحافة والملكية الفكرية والسلطة الخوارزمية. وهذا التوتر بين الاستخدام والنقد هو ربما أهم ما يميز المرحلة الراهنة من مشروعه.

اتساع المكتبة في 2024 و2025

في أكتوبر 2024 أُعلن عن كتابين جديدين موجّهين إلى الموسم الثقافي 2025: «حوارات مع الكاتب المغربي عبده حقي.. نافذة للبوح تحت الطلب» و**«شذرات بلورية.. نصوص سردية»**.

وفي نص سيرذاتي نشر في مايو 2025، تحدث عبده حقي عن تسعة عشر عملاً أدبيًا في مكتبته، وأشار إلى كتب حوارية من بينها «حوارات في الثقافة العربية» و«حوارات في الثقافة المغربية».

كما تظهر في قوائم أعماله اللاحقة روايتا «وداعًا أرض النار والرياح» و**«ليالي دار العبيد»** إلى جانب «إيريكا»، «مايا»، «أساطير الحالمين» و«زمن العودة إلى واحة الأسياد». وهذه القائمة منشورة في «ديوان العرب» في سبتمبر 2025.

الحضور الصحفي إلى أغسطس 2026

لم تنحصر كتاباته في الأدب والنقد، بل اتسعت إلى الإعلام والسياسة والثقافة والتكنولوجيا والمجتمع. ويظهر أرشيفه المنشور سنة 2026 استمرار إنتاجه المقالاتي بكثافة، وخصوصًا حول قضايا الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والصحافة والمجتمع. ففي يوليو وأغسطس 2026 نُشرت له، على سبيل المثال، «وداعًا أيها الدماغ المتعب» و«بين قبور في الماء ومستقبل مجهول؟»، كما ظل ينشر في «ميدل إيست أونلاين» ومنابر أخرى.

أبرز الأعمال في المسار

يمكن تلخيص المحطات المنشورة الأوضح في مكتبته في قائمة واحدة:

  • حروف الفقدان مجموعة قصصية، 2008.
  • زمن العودة إلى واحة الأسياد رواية، 2010.
  • أساطير الحالمين رواية، 2015، ثم نسخ ورقية وصوتية.
  • ما هو الأدب الرقمي؟ ترجمات ودراسات في الأدب الرقمي.
  • مفهوم النص في الأدب الرقمي كتاب إلكتروني.
  • عودة الروح لابن عربي.. عن أيام مكناس وفاس الجميلة سيرة أدبية، 2017، ثم كتاب مسموع.
  • مايا رواية، 2023.
  • إيريكا في غرفة الأخبار رواية وتجربة في الكتابة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، 2024.
  • حوارات مع الكاتب المغربي عبده حقي.. نافذة للبوح تحت الطلب وشذرات بلورية معلن عنهما للموسم الثقافي 2025.
  • وداعًا أرض النار والرياح وليالي دار العبيد مدرجتان ضمن قائمة رواياته المنشورة في 2025.

مكانة التجربة

ما يجعل تجربة عبد الحق عينو/عبده حقي مختلفة ليس عدد الكتب وحده، بل الاستمرار في تغيير أدوات الكتابة نفسها. فمن القصيدة المذاعة في السبعينيات إلى القصة والصحافة الورقية، ومن الرواية إلى المدونة والمجلة الإلكترونية، ومن الكتاب الرقمي إلى الكتاب الصوتي، ثم من الأدب الرقمي إلى الرواية المنتجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، تبدو مسيرته وكأنها تواكب تاريخ انتقال الثقافة العربية نفسها من الورق إلى الشبكة ثم إلى الخوارزمية.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن قراءة مشروعه الحالي حول «الكاتب الهجين» و«النقد ما بعد الخوارزمي» باعتباره امتدادًا منطقيًا لمسار بدأ قبل أكثر من نصف قرن: الكاتب نفسه بقي حاضرًا، لكن أدواته انتقلت من القلم والورقة والميكروفون إلى الشاشة والمنصة، ثم إلى الحوار المباشر مع الآلة. وحضور مقالاته في 2026 حول الكاتب الهجين والذكاء الاصطناعي يؤكد أن هذا التحول أصبح في صلب مشروعه الفكري الراهن.

ملاحظة توثيقية: وجدتُ اختلافًا محدودًا في بعض الصفحات الثانوية بشأن سنة الميلاد، لكن المصادر الأدبية الأوضح والأكثر تفصيلًا، ومنها «ديوان العرب» وسيرة عبد الرحيم مؤدن، تتفق على 13 أغسطس 1956 بمدينة مكناس؛ لذلك اعتمدت هذا التاريخ.

 

0 التعليقات: