عبده حقي، كاتب وقاص وروائي وناقد ومترجم مغربي، وُلد بمدينة مكناس في 13 أغسطس 1956. وقد ارتبط اسمه، على امتداد مسار أدبي وثقافي طويل، بالكتابة السردية والنقدية، ثم بالأدب الرقمي وقضايا النشر الإلكتروني، قبل أن يتجه في المرحلة الأحدث من تجربته إلى مساءلة العلاقة بين الأدب والذكاء الاصطناعي ومفهوم «الكاتب الهجين». وتثبت مصادر سيرته المنشورة أن اسمه الرسمي هو عبد الحق عينو، بينما اتخذ «عبده حقي» اسمًا أدبيًا عُرف به في الصحافة والمنابر الثقافية العربية.
تشكل وعيه الأدبي في مدينة مكناس، في سياق ثقافي مغربي شهد خلال السبعينيات والثمانينيات نقاشات سياسية وفكرية وأدبية واسعة حول الحداثة والهوية وتحولات المجتمع. وتشير سيرته المنشورة إلى أن محاولاته الأولى انطلقت من الشعر، قبل أن تتجه تجربته تدريجيًا نحو القصة القصيرة والمقالة ثم الرواية والنقد والترجمة. ومنذ تلك البدايات، ظل النص بالنسبة إليه مجالًا لاختبار العلاقة بين الذاكرة والواقع والتحولات الاجتماعية والسياسية.
ولم تظهر تجربته المنشورة في شكل كتاب إلا بعد مسار من الكتابة في الصحافة والمنابر الثقافية. ففي سنة 2008 أصدر مجموعته القصصية «حروف الفقدان»، التي مثلت إحدى المحطات الأساسية في تجربته السردية. وقد اكتسبت المجموعة لاحقًا خصوصية إضافية بانتقالها بين أكثر من وسيط، إذ ظهرت في صيغ ورقية وإلكترونية ومسموعة، وهو ما يعكس توجه الكاتب المبكر نحو تحرير الأدب من ارتباطه الحصري بالكتاب الورقي.
وتزامنت هذه المرحلة مع انخراطه بصورة أعمق في الثقافة الرقمية. ففي سنة 2008 أصبح عضوًا في اتحاد كتاب الإنترنت العرب، ثم أطلق في الثامن من أكتوبر من السنة نفسها مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة، بوصفها فضاءً إلكترونيًا يهتم بالأدب والنقد والثقافة المغربية والعربية. وقد أوضح عبده حقي لاحقًا أن المشروع نشأ من التفكير في تجاوز بعض الإكراهات التنظيمية للفضاء الثقافي التقليدي والانتقال إلى فضاء افتراضي يتيح إمكانات أوسع للتواصل والنشر.
واستمرت المجلة سنوات وهي ترفع شعار «من أجل ثقافة مغربية رقمية تواكب العصر»، حتى أصبحت تجربتها جزءًا من اهتمام عبده حقي النظري والعملي بالتحول الرقمي للثقافة. وفي أكتوبر 2018 كانت المجلة قد أكملت عشر سنوات من النشر الإلكتروني والمتابعة الثقافية.
بعد القصة، انتقل عبده حقي إلى الرواية، فأصدر سنة 2010 روايته الأولى «زمن العودة إلى واحة الأسياد». وجاءت الرواية امتدادًا لانشغاله بالذاكرة والتحولات الفردية والاجتماعية، وفتحت أمام مشروعه السردي مجالًا أكثر رحابة من القصة القصيرة.
وفي سنة 2015 أصدر روايته الثانية «أساطير الحالمين»، ثم انتقلت بدورها بين الصيغ الرقمية والورقية والصوتية. ويكشف هذا الانتقال المستمر بين الوسائط عن فكرة أساسية في تجربة عبده حقي: الأدب ليس مرتبطًا بالورق وحده، وإنما يمكن للنص أن يعيد تشكيل نفسه وفق الوسيط الذي يصل من خلاله إلى القارئ أو المستمع.
وإلى جانب الإبداع السردي، انشغل مبكرًا بالتعريف بالأدب الرقمي وترجمة بعض مفاهيمه ومناقشة قضاياه، فظهرت له أعمال ودراسات تتصل بمفهوم النص الرقمي ومستقبل الأدب في البيئة الإلكترونية. وقد أصبح هذا الاهتمام واحدًا من الخيوط الأساسية التي تربط مراحل تجربته المختلفة: من إنشاء المنبر الإلكتروني إلى نشر الكتب الرقمية، ومن الكتاب الصوتي إلى البحث لاحقًا في أثر الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في الكتابة.
في سنة 2017 صدر له كتاب «عودة الروح لابن عربي.. عن أيام مكناس فاس الجميلة»، وهو سيرة أدبية في نحو 285 صفحة، يستعيد فيها الكاتب أجزاء من ذاكرته الشخصية والثقافية وعلاقته بمكناس وفاس والكتب والكمبيوتر والتحولات التي رافقت حياته الفكرية.
وتبرز أهمية هذا العمل في أنه لا يقدم السيرة باعتبارها مجرد تسلسل للأحداث الشخصية، وإنما يجعل الذاكرة الفردية نافذة على تحولات أوسع عاشها المجتمع والثقافة المغربية. وهكذا تتقاطع فيه السيرة بالأدب، والخاص بالعام، والحنين بالتأمل في التاريخ والثقافة والهوية.
بعد سنوات من العمل الثقافي والرقمي، عاد عبده حقي بقوة إلى الرواية مطلع سنة 2023 بإصدار «مايا»، وهي روايته الثالثة، في 340 صفحة. وأكدت المصادر التي واكبت صدورها أنها جاءت بعد «زمن العودة إلى واحة الأسياد» و«أساطير الحالمين».
مثلت «مايا» محطة مختلفة في مساره، إذ اقتربت أكثر من رواية الأفكار، ومن الصراعات القيمية والفكرية والسياسية، وهو ما أبرز ميل الكاتب إلى استعمال الرواية باعتبارها مساحة لطرح الأسئلة، لا مجرد وعاء للحكاية.
أما التحول الأكثر وضوحًا في علاقته بالتكنولوجيا فقد تحقق سنة 2024 مع رواية «إيريكا في غرفة الأخبار»، وهي تجربة روائية أُنجزت بمساعدة برنامج ChatGPT. ووفق المصادر التي قدمت العمل، تمتد الرواية إلى نحو 210 صفحات، واستغرق إنجازها أربعة أشهر من التجريب والحوار مع الذكاء الاصطناعي، استنادًا إلى خطاطة سردية وتصميم للحبكة والشخصيات وضعهما الكاتب وواصل تطويرهما خلال عملية الكتابة.
وقد وصفت بعض المنابر الرواية بأنها أول رواية اصطناعية على المستويين المغربي والعربي. والأكثر دقة من الناحية النقدية هو اعتبارها واحدة من التجارب المغربية والعربية المبكرة التي أعلنت بصورة واضحة اعتماد الذكاء الاصطناعي التوليدي شريكًا تقنيًا في بناء عمل روائي كامل؛ ذلك أن إثبات السبق المطلق يحتاج إلى دراسة ببليوغرافية شاملة للإنتاج العربي.
ولا تكمن أهمية «إيريكا في غرفة الأخبار» في استخدام أداة جديدة فحسب، وإنما في السؤال الذي تطرحه حول مفهوم المؤلف نفسه: أين تنتهي مساهمة الإنسان وتبدأ مساهمة الخوارزمية؟ ومن يملك القرار الجمالي؟ وهل تظل الآلة مجرد أداة أم تصبح طرفًا داخل مختبر الإبداع؟
واصل عبده حقي بعد ذلك توسيع مكتبته. وتشير قوائم إصداراته إلى أعمال من بينها «مكاشفات: شذرات بلورية»، وكتب في الحوار والثقافة والأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي، إضافة إلى روايتي «وداعًا أرض النار والرياح» و**«ليالي دار العبيد»**. وفي سنة 2025 قدم نفسه في نص سيرذاتي باعتباره صاحب تسعة عشر عملًا تتوزع بين الرواية والقصة والحوار والدراسات والكتابات الثقافية.
ومنذ 2024 على الخصوص، أخذ سؤال الذكاء الاصطناعي يحتل مكانًا متقدمًا في مقالاته. فلم يتعامل معه باعتباره تقنية مساعدة فقط، بل جعله موضوعًا للنقد الثقافي والفلسفي والإعلامي، متوقفًا عند قضايا الوعي والذاكرة والإبداع والتعليم والصحافة والسلطة الخوارزمية.
ويظهر هذا الاتجاه بوضوح في مقاله الصادر في 18 يونيو 2026 بعنوان «الكاتب الهجين وولادة نقد ما بعد الخوارزمية»، حيث انتقل من تجربة استعمال الذكاء الاصطناعي في الكتابة إلى محاولة التفكير النظري في نوع جديد من المؤلفين يتشكل من التفاعل المستمر بين الإنسان والآلة. كما نشر خلال سنة 2026 مقالات عن البرامج الذكية والكتابة، ومستقبل التعليم الجامعي في عصر الذكاء الاصطناعي، ومخاطر السلطة الرقمية وعلاقة الإنسان بالتكنولوجيا.
بهذا المعنى، يمكن تقسيم تجربة عبده حقي إلى ثلاث مراحل مترابطة: مرحلة الكاتب الذي تشكل داخل الثقافة الورقية والقصة والرواية والصحافة؛ ومرحلة الكاتب الرقمي الذي راهن منذ 2008 على الإنترنت والكتاب الإلكتروني والصوتي؛ ثم مرحلة الكاتب الهجين الذي بدأ منذ ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي يختبر الحدود الجديدة للتأليف ويبحث في إمكان بناء أدوات نقدية تواكبها.
وتكمن خصوصية تجربته في هذا الامتداد بين أزمنة ووسائط مختلفة. فمن الإذاعة والصحيفة والكتاب الورقي إلى المدونة والمجلة الإلكترونية والكتاب الصوتي، وصولًا إلى الخوارزمية والذكاء الاصطناعي، ظل عبده حقي يتعامل مع التحول التقني باعتباره سؤالًا ثقافيًا وأدبيًا في المقام الأول.
وحتى سنة 2026، يواصل عبد الحق عينو، عبده حقي، الكتابة والنشر والاشتغال على أسئلة الأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي، في مسار يمتد قرابة نصف قرن، ويشكل في جوهره شهادة على التحولات التي عرفها الكاتب العربي نفسه: من مؤلف يحمل القلم، إلى كاتب أمام الشاشة، ثم إلى مؤلف يتحاور مع الآلة ويسائل معها مستقبل النص والقارئ والنقد.
عن الكاتب
عبده حقي، الاسم الأدبي لعبد الحق عينو، كاتب وقاص وروائي وناقد ومترجم مغربي، من مواليد مكناس في 13 أغسطس 1956. تمتد تجربته الأدبية من الكتابة الشعرية والقصصية إلى الرواية والنقد والترجمة والأدب الرقمي.
أصدر عددًا من الأعمال، من بينها «حروف الفقدان»، «زمن العودة إلى واحة الأسياد»، «أساطير الحالمين»، «عودة الروح لابن عربي.. عن أيام مكناس فاس الجميلة»، «مايا»، «إيريكا في غرفة الأخبار»، «وداعًا أرض النار والرياح» و«ليالي دار العبيد»، إضافة إلى كتب ودراسات وحوارات في الثقافة والأدب الرقمي والذكاء الاصطناعي.
أسس سنة 2008 مجلة اتحاد كتاب الإنترنت المغاربة، وكان من المهتمين مبكرًا بتحولات النشر الإلكتروني والكتاب الرقمي والصوتي.
ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، انتقلت تجربته إلى مرحلة جديدة جسدتها رواية «إيريكا في غرفة الأخبار»، التي أُنجزت بمساعدة ChatGPT، ثم مشروعه الفكري حول «الكاتب الهجين» و«نقد ما بعد الخوارزمية».
تمتد تجربة عبده حقي بين الورق والشاشة والصوت والخوارزمية، وتقوم على سؤال متجدد حول مستقبل الكتابة وموقع الإنسان في فضاء إبداعي تتغير أدواته باستمرار.







.jpg)
0 التعليقات:
إرسال تعليق