تكشف حصيلة الأيام الممتدة من 2 إلى 9 غشت 2026 عن أسبوع ثقافي شديد الكثافة، تزامنت فيه المهرجانات الصيفية مع افتتاح معارض جديدة، وإعلان برامج سينمائية كبرى، وتصاعد حضور الفنون الإفريقية والعربية في المنصات الدولية. ومن الرباط وطنجة وعمّان والشارقة والقاهرة إلى جوهانسبورغ ولوكّارنو وبلفاست وإدنبرة وسان فرانسيسكو ونيويورك، ظل العرض الحي والمهرجان ومؤسسة المتحف أهم ثلاثة محركات للحياة الفنية خلال هذا الأسبوع.
أولا: المغرب
السينما المغربية تحصد جائزة جديدة في عمّان
سجلت السينما المغربية حضورا لافتا في ختام الدورة السابعة من مهرجان عمّان السينمائي الدولي يوم 3 غشت، بعدما حصل الفيلم المغربي القصير «عائشة» للمخرجة سناء العلوي على جائزة لجنة التحكيم ضمن مسابقة الأفلام العربية القصيرة. وجاء التتويج وسط منافسة عربية واسعة ضمت أعمالا من الجزائر والأردن ودول أخرى، وهو ما يمنح الفيلم المغربي دفعة إضافية في مساره داخل المهرجانات الدولية.
أهمية الجائزة تتجاوز تتويج فيلم منفرد، لأنها تؤكد استمرار قدرة السينما المغربية القصيرة على التنقل بين المهرجانات خارج المغرب. واللافت أن مهرجان عمّان يركز بصورة خاصة على التجارب السينمائية الأولى، ما يجعل النجاح المغربي مؤشرا على وجود جيل جديد يدخل الدائرة العربية والدولية من باب الفيلم القصير قبل الانتقال المحتمل إلى السينما الطويلة.
الفن التشكيلي: محمد المليحي يواصل استقطاب جمهور الرباط
في الفنون التشكيلية، تواصل بالعاصمة الرباط التظاهرة الاستعادية المخصصة لأحد أهم رموز الحداثة المغربية، محمد المليحي، والتي تمتد إلى نهاية غشت 2026 في متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر. ويعيد المعرض تقديم مسار فني ارتبط بالموجة المغربية الحديثة وبالبحث في اللون والموجة والإيقاع والهندسة البصرية، وهي العناصر التي جعلت أعمال المليحي معروفة خارج الحدود الوطنية أيضا.
أما في الدار البيضاء، فيواصل متحف التصوير والفنون البصرية، الذي افتتح في يونيو، ترسيخ حضوره من خلال معرضه الافتتاحي «CASA»، الذي يجعل المدينة نفسها موضوعا للصورة والذاكرة والتحولات الحضرية. ورغم أن افتتاح المتحف سبق هذا الأسبوع، فإن استمرار المعرض خلال غشت يجعله من أهم المحطات البصرية المتاحة حاليا للجمهور المغربي.
الموسيقى: طنجة على إيقاع مهرجان الشواطئ
شهد كورنيش طنجة مساء 6 غشت انطلاق محطة المدينة من الدورة الثانية والعشرين لمهرجان الشواطئ لاتصالات المغرب، واستقطبت السهرة آلاف المتفرجين، مع حضور الشاب عمرو الذي أعاد تقديم مجموعة من كلاسيكيات الراي المغربي. ويمتد المهرجان في دورته الحالية من 20 يوليوز إلى 21 غشت، عبر المضيق وطنجة والحسيمة والسعيدية، مع نحو 60 حفلا مجانيا.
الظاهرة الأهم هنا ليست أسماء الفنانين وحدها، وإنما اتساع نموذج الحفل المجاني في الفضاء العمومي. فالموسيقى الصيفية المغربية تتجه أكثر فأكثر نحو الشاطئ والكورنيش والساحات، ما يوسع قاعدة الجمهور ويجمع الراي والشعبي والراب والموسيقى الشبابية داخل تظاهرة واحدة.
المسرح والفرجة: «إيموراجي» يصل الرباط
عرف المسرح الوطني محمد الخامس بالرباط يوم 7 غشت محطة جديدة من الجولة الصيفية للمجموعة الكوميدية «إيموراجي»، في موسمها الثاني عشر، بعرض يعتمد على الاسكتشات والكوميديا الجماعية والستاند أب. وتواصل الجولة الصيفية انتقالها بين عدد من المدن المغربية، بعد محطات من بينها أكادير والرباط ومع برمجة لاحقة في مدن أخرى.
وتكشف متابعة البرامج المنشورة خلال هذا الأسبوع أن الفرجة الكوميدية الجوالة أكثر ظهورا حاليا من الإنتاجات المسرحية الدرامية الجديدة على المستوى الوطني. وهذا يعكس أحد وجوه الموسم الصيفي المغربي، حيث تنتقل العروض الخفيفة والكوميدية بسرعة أكبر بين المدن، مستفيدة من جمهور العطلة ومن منصات الحجز الرقمي.
ثانيا: العالم العربي
عمّان تتحول إلى عاصمة للسينما العربية الجديدة
كان ختام مهرجان عمّان السينمائي الدولي في 3 غشت 2026 واحدا من أبرز الأحداث السينمائية العربية لهذا الأسبوع. فاز فيلم «عالم حزين وجميل» للمخرج اللبناني سيريل عريس بجائزة السوسنة السوداء للفيلم الروائي العربي الطويل وبجائزة الجمهور، بينما نال العراقي حسن هادي جائزة لجنة التحكيم عن «كعكة الرئيس»، وفاز المصري محمد رشاد بجائزة أفضل سيناريو أول عن «المستوطنة». وفي الوثائقي، حصد الفلسطيني «حبيبي حسين» جائزة السوسنة السوداء، فيما حقق السوري «الجانب الآخر من الشمس» أكثر من جائزة.
هذه الخريطة تكشف تنوعا جغرافيا واضحا؛ لبنان والعراق ومصر وتونس وفلسطين وسوريا والجزائر والمغرب والأردن ظهرت جميعها في قائمة الجوائز. والمغزى الأعمق هو أن السينما العربية المستقلة لم تعد تعتمد حصرا على مهرجانات القاهرة أو قرطاج أو دبي سابقا، بل تشكلت في عمّان منصة جديدة تمنح الأولوية للأصوات الأولى والتجارب التي لم تترسخ بعد داخل الصناعة. (AIFF)
الشارقة: الصورة الوثائقية تعيد مساءلة معنى الحقيقة
في الإمارات، افتتحت مؤسسة الشارقة للفنون يوم 8 غشت الدورة الثالثة عشرة من معرض «Vantage Point 13»، الذي يستمر إلى 29 نوفمبر 2026. ويجمع المعرض ستة فنانين في مشاريع فوتوغرافية جديدة أُنجزت بتكليف من المؤسسة، وتتناول إمكانات التصوير الوثائقي وعلاقته بالذاكرة والتمثيل والتفسير.
ويبدو هذا الاختيار مهما في لحظة أصبحت فيها الصورة عرضة للتعديل والتوليد الاصطناعي. فعودة مؤسسة فنية عربية كبيرة إلى مساءلة «الوثائقي» تعني أن السؤال لم يعد فقط: ماذا تصوّر الكاميرا؟ بل أيضا: من يصنع الحقيقة البصرية، وكيف نقرأ الصورة في عصر أصبحت فيه حدود التسجيل والتوليد أكثر هشاشة؟
الإسكندرية تدخل شهرها الموسيقي والفني
انطلقت يوم 6 غشت الدورة الثالثة والعشرون من المهرجان الصيفي الدولي لمكتبة الإسكندرية، وتستمر حتى 30 غشت، ببرنامج يجمع الموسيقى والمسرح والرقص وفعاليات ثقافية مختلفة، بمشاركة فنانين مصريين ودوليين.
ويعيد المهرجان تأكيد مكانة الإسكندرية كمدينة قادرة على إنتاج موسم فني مستقل نسبيا عن القاهرة. فالبرنامج لا يقوم على حفل جماهيري وحيد، بل يمتد على أسابيع، وهو نموذج أقرب إلى «الموسم الثقافي» منه إلى المهرجان التقليدي القصير.
المسرح المصري يخرج من القاهرة
وفي المسرح، واصل المهرجان القومي للمسرح المصري دورته التاسعة عشرة، الممتدة إلى 11 غشت تحت شعار «في كل مصر». وتميزت الدورة بمحاولة توسيع الأنشطة خارج القاهرة، مع حضور محافظة الدقهلية إلى جانب العروض المقامة في المسارح الكبرى بالعاصمة.
توسيع المجال الجغرافي للمهرجان يلامس مشكلة مزمنة في الثقافة العربية تتمثل في تمركز البنية المسرحية داخل العواصم. ولذلك فإن أهمية التجربة لا تكمن فقط في عدد العروض، وإنما في محاولة إعادة المسرح إلى الجمهور الإقليمي والمحلي بدلا من مطالبة الجمهور دائما بالانتقال إلى المركز.
ثالثا: إفريقيا
السينما: ختام ديربان وحضور إفريقي قوي في الجوائز العربية والدولية
بدأ الأسبوع مباشرة بعد اختتام الدورة السابعة والأربعين من مهرجان ديربان السينمائي الدولي في جنوب إفريقيا يوم 2 غشت، بعدما امتدت فعالياته منذ 23 يوليوز. ويظل المهرجان من المنصات المهمة التي تربط الفيلم الإفريقي بصناعة السينما الدولية من خلال العروض والبرامج المهنية وورش تطوير المشاريع.
وفي مؤشر آخر على حركة الفيلم الإفريقي عبر الحدود، فاز الفيلم الجنوب إفريقي «Laundry» للمخرجة زامو مخوانازي بجائزة السوسنة السوداء وبجائزة الجمهور في مسابقة الأفلام الروائية الدولية غير العربية ضمن مهرجان عمّان. وهو مثال على أن السينما الإفريقية تتحرك حاليا داخل شبكة مهرجانات لا تفصل القارة عن الفضاء العربي والمتوسطي.
الفنون البصرية: كيب تاون وجوهانسبورغ تحافظان على زخم المعارض
في كيب تاون، يواصل متحف Zeitz MOCAA تقديم برنامج صيفي يضم معرض «Homeward Bound» إلى نهاية غشت، إلى جانب «Afflict the Comfortable, Comfort the Afflicted» و«The Procession»، كما يربط برنامجه بين المعرض والفيلم من خلال عروض ضمن قافلة السينما الإفريقية.
وفي جنوب إفريقيا عموما، شهد يوم 8 غشت افتتاح أو استمرار عدة معارض أصغر في جوهانسبورغ وبريتوريا، من بينها فعاليات في Stokvel Gallery وThe Viewing Room. وتؤكد هذه الخريطة أن المشهد التشكيلي الإفريقي لا يعيش فقط من المعارض الدولية الكبرى مثل «1-54» و«آرت جوبورغ»، بل أيضا من شبكة صالات محلية ومساحات مستقلة.
جوهانسبورغ تحتفي بنساء صناعة الموسيقى
احتضن Joburg Theatre في جوهانسبورغ يوم 8 غشت الليلة الأولى من الدورة الخامسة لجوائز Basadi in Music Awards، التي تكرم النساء العاملات في الموسيقى والصناعات الترفيهية. ومن بين الفائزات الصحافية النيجيرية Ivie Ani، وسناء ثوالا في إدارة الفنانين، إلى جانب فائزات في الإذاعة والتلفزيون والبودكاست والتجميل والأزياء.
والدلالة الثقافية للجوائز تتسع عاما بعد آخر من جنوب إفريقيا إلى فضاء إفريقي أشمل؛ فالمنظمون يقدمون الدورة تحت تصور «إفريقيا إلى العالم»، وهو اتجاه واضح في الصناعة الموسيقية الإفريقية الراهنة التي باتت تتعامل مع النجاح القاري كمرحلة تسبق السوق العالمية وليس كنهاية للمسار.
المسرح الإفريقي يصل إدنبرة عبر «Afronauts»
من أكثر الأخبار المسرحية الإفريقية إثارة هذا الأسبوع وصول فرقة Circus Zambia إلى مهرجان إدنبرة فرينج بعرض «Afronauts»، المستوحى من القصة التاريخية الغريبة لمحاولة الزامبي إدوارد ماكوكا نكولوسو في ستينيات القرن الماضي إطلاق برنامج فضائي زامبي. يمزج العرض بين السيرك والأكروبات والمسرح والسرد التاريخي، ويستمر في إدنبرة خلال غشت قبل جولة في بريطانيا وإيرلندا.
هذا العمل نموذج لانتقال المسرح الإفريقي من تقديم «حكاية محلية» إلى إعادة صياغة التاريخ من منظور أفرو-مستقبلي. فالقصة التي تعامل معها الإعلام الغربي قديما باعتبارها مادة للسخرية تعود اليوم باعتبارها رمزا للخيال والتحرر والقدرة الإفريقية على تصور المستقبل.
رابعا: أوروبا
لوكارنو: السينما بين النجومية والمغامرة الفنية
افتتحت في سويسرا يوم 5 غشت الدورة التاسعة والسبعون من مهرجان لوكارنو السينمائي، وتستمر إلى 15 غشت. وتجمع الدورة بين أسماء سينمائية معروفة وأصوات جديدة، مع حضور مونيكا بيلوتشي في المسابقة، وتكريم شخصيات من بينها إيزابيل أوبير وآسيا أرجنتو، إلى جانب أفلام لألبرت سيرا ومارك فيتوسي وهونغ سانغ-سو وغيرهم.
كما يستعيد المهرجان عبر برنامج «Red & Black – Hollywood Left and the Blacklist» تاريخ القوائم السوداء والقمع السياسي في هوليوود خلال الحرب الباردة. وبذلك لا يكتفي لوكارنو بعرض السينما الجديدة، بل يستخدم الأرشيف لمناقشة العلاقة القديمة والمتجددة بين الفن والسلطة والإيديولوجيا.
لندن: الجمهور يدخل العمل التشكيلي بجسده
شهد مركز Southbank Centre بلندن في 8 غشت إطلاق أعمال فنية عامة جديدة، من بينها «Floating Together» للفنانة ملك مطر بالتعاون مع شباب من أوكرانيا واليونان، وهو عمل يتناول التضامن واللجوء والشجاعة، ويستمر إلى 21 سبتمبر.
كما افتتح المركز العمل التفاعلي «Stepping Out» للفنان لوك جيرام والملحن دان جونز، حيث تتحول خطوات الجمهور نفسها إلى محفزات لإيقاعات ونغمات موسيقية. ويكشف هذا الاتجاه عن توسع مفهوم المعرض الأوروبي من شيء «ينظر إليه» إلى تجربة يدخل المتلقي في عملية إنتاجها.
بلفاست تصبح عاصمة للموسيقى الإيرلندية
اختتمت في 9 غشت بمدينة بلفاست فعاليات Fleadh Cheoil na hÉireann التي انطلقت في 2 غشت، وهي واحدة من أكبر احتفالات الموسيقى والثقافة الإيرلندية. وشملت الفعاليات حفلات في المسارح والشوارع والحانات وجلسات موسيقية ومسابقات في الموسيقى التقليدية. وكانت هذه أول مرة تستضيف فيها بلفاست المهرجان.
تكمن أهمية الحدث أيضا في رمزيته الاجتماعية؛ فالموسيقى التقليدية تتحول هنا إلى أداة تجمع جماعات وتقاليد وهويات متعددة داخل مدينة حمل تاريخها السياسي والديني انقسامات عميقة. وهكذا يصبح التراث الموسيقي وسيلة لإعادة إنتاج المشترك، لا مجرد استعادة حنينية للماضي.
إدنبرة: أكثر من أربعة آلاف عرض يعيدون تعريف المسرح
انطلقت يوم 7 غشت فعاليات مهرجان إدنبرة فرينج، مع أكثر من 4200 عرض من 74 دولة تشمل المسرح والكوميديا والسيرك والكباريه والرقص والموسيقى والكلمة المنطوقة. ويستمر المهرجان إلى 31 غشت.
ومن أبرز الأعمال التي لفتت اهتمام النقاد هذا الأسبوع إعادة صياغة تشيخوف في عرض «[seagull]» الذي يوظف لغة الإشارة والصمت، إلى جانب «A Trial: After An Enemy of the People» المستلهم من إبسن، والذي يدمج المسرح بالوثائقي ويجعل الجمهور جزءا من المحاكمة. كما شهد المسرح البريطاني اهتماما واسعا بعرض «The Mad King»، أول اقتباس مسرحي من عالم «Game of Thrones».
خامسا: أمريكا
السينما الأمريكية: الإيرادات ترتفع لكن عدد المشاهدين لا يعود إلى 2019
من أهم الأخبار السينمائية الأمريكية التي نشرت هذا الأسبوع تقرير لوكالة رويترز كشف أن إيرادات شباك التذاكر الأمريكي بلغت نحو 6.2 مليارات دولار حتى 2 غشت 2026، بزيادة تقارب 15 في المئة عن الفترة نفسها من 2025، ما يضع العام على مسار ليكون الأقوى منذ الجائحة. لكن عدد التذاكر المباعة لا يزال أقل بكثير من مستويات 2019، إذ بلغ نحو 470.9 مليون تذكرة مقابل 747.3 مليون في الفترة المقارنة من 2019.
وهذه المفارقة شديدة الأهمية: هوليوود تستعيد الأموال أسرع مما تستعيد الجمهور. ارتفاع الأسعار وانتشار عروض IMAX والصيغ الممتازة والأفلام الضخمة أصبح يعوض جزئيا تقلص عدد الزيارات، ما يعني أن مستقبل قاعات السينما الأمريكية قد يتجه أكثر نحو «الحدث السينمائي الكبير» بدلا من عادة الذهاب الأسبوعي إلى السينما.
مهرجان نيويورك يكشف أوراق دورته الرابعة والستين
وفي خبر آخر نشر خلال الأيام الماضية، أعلن مهرجان نيويورك السينمائي قائمته الرئيسية لدورته الرابعة والستين المقررة من 25 سبتمبر إلى 12 أكتوبر، وتضم 32 فيلما. سيفتتح المهرجان بفيلم جيمس غراي «Paper Tiger»، بينما سيكون فيلم توني غيلروي «Behemoth!» محور الدورة، ويختتم بفيلم آفا دوفيرناي الوثائقي «14th».
الأمر اللافت في هذه القائمة هو المزج بين السينما الأمريكية وأسماء دولية مثل بيدرو ألمودوفار وريوسوكي هاماغوتشي ولي تشانغ-دونغ ومايك لي وبافل بافليكوفسكي. وبذلك يواصل مهرجان نيويورك الدفاع عن فكرة أن قوة السينما الأمريكية الثقافية لا تأتي من هوليوود وحدها، بل من قدرتها أيضا على استضافة حوار سينمائي عالمي.
سان فرانسيسكو تستقبل كنوز الفراعنة
في الفنون والمتاحف، يواصل متحف de Young في سان فرانسيسكو، منذ افتتاحه في الأول من غشت، تقديم معرض «Treasures of the Pharaohs» الذي يضم 130 قطعة تغطي نحو ثلاثة آلاف عام من التاريخ المصري القديم، ويستمر حتى 31 يناير 2027.
الحدث يمثل نموذجا آخر للمعارض «الضخمة» التي تراهن عليها المتاحف الأمريكية لجذب جمهور أوسع من الجمهور المتخصص في الفن. فالحضارة المصرية القديمة هنا تتحول إلى نقطة التقاء بين الأثر والتاريخ والجماليات والعرض المتحفي المعاصر.
Outside Lands: البوب والروك يعودان إلى غولدن غيت
انطلقت في سان فرانسيسكو يوم 7 غشت فعاليات مهرجان Outside Lands في حديقة غولدن غيت، وتستمر حتى 9 غشت. وتضم دورة 2026 أسماء مثل Charli XCX وThe Strokes وThe xx وRÜFÜS DU SOL وTurnstile وBaby Keem وDeath Cab for Cutie، مع بث عدد من الحفلات عالميا عبر المنصات الرقمية.
ومن أبرز ملامح اليوم الأول الصعود القوي لصوت الروك والغيتار داخل مهرجان معروف بتنوعه، خصوصا مع عرض Turnstile والحضور الجديد لـCharli XCX التي قدمت توجها أكثر قتامة واعتمادا على الآلات الحية في موادها الجديدة.
برودواي: تحولات في النجوم وتجارب للخروج من الحي المسرحي
أما مسرح نيويورك، فقد حمل الأسبوع خبرا لافتا بإعلان انتقال Bowen Yang إلى برودواي للمرة الأولى لتجسيد شخصية ماري تود لينكولن في الكوميديا الساخرة «Oh, Mary!» ابتداء من 15 سبتمبر ولمدة محدودة.
وفي الوقت نفسه، يجري الإعداد لمهرجان مسرحي موسيقي ضخم خارج مانهاتن في Kingston بولاية نيويورك من 14 إلى 16 غشت، بمشاركة عشرات من نجوم برودواي. الفكرة تنقل نجوم المسرح إلى نموذج يشبه مهرجانات الموسيقى المفتوحة، بما في ذلك لقاءات وعروض جماعية ولمّ شمل مرتبط بمرور ثلاثين عاما على .
ماذا تقول حصيلة هذا الأسبوع؟
الصورة العامة التي تخرج من هذه المتابعة هي أن المهرجان الصيفي أصبح الشكل الأكثر قدرة على جمع الفنون المختلفة في مكان واحد. مكتبة الإسكندرية تجمع المسرح بالموسيقى والرقص، وإدنبرة تمزج المسرح بالسيرك والكوميديا، وOutside Lands يربط الموسيقى بالفن وثقافة المدينة، فيما تتجه المؤسسات البصرية مثل Southbank والشارقة إلى جعل الجمهور شريكا في التجربة الفنية.
وتظهر كذلك قوة متزايدة للمحور العربي ـ الإفريقي. المغرب يحصد جائزة في عمّان، وفيلم جنوب إفريقي يتوج في المهرجان نفسه، والفنان الزامبي يصل إلى إدنبرة، بينما تمنح جوائز جوهانسبورغ مساحة لأسماء من خارج جنوب إفريقيا. إن الحدود الثقافية التقليدية بين «محلي» و«دولي» تفقد صلابتها بسرعة.
أما السينما فتعيش مفارقة أخرى: المهرجانات تعطي مساحة كبيرة للأفلام الصغيرة والمستقلة والأصوات الجديدة، في الوقت الذي تعتمد فيه السوق التجارية الأمريكية بدرجة متزايدة على الفيلم العملاق والصالات مرتفعة الثمن. وتبدو هاتان الحركتان متعارضتين ظاهريا، لكنهما تعكسان في الحقيقة انقسام المشهد السينمائي العالمي إلى سينما بوصفها تجربة تجارية ضخمة، وسينما بوصفها مختبرا ثقافيا وفنيا.
وفي الفنون التشكيلية، يزداد حضور الذاكرة والهجرة والهوية والصورة الوثائقية؛ من محمد المليحي والدار البيضاء إلى الشارقة ولندن وجنوب إفريقيا. أما المسرح، فيبدو أكثر جرأة على إعادة قراءة التاريخ والنصوص الكلاسيكية: تشيخوف وإبسن في إدنبرة، التاريخ الإفريقي في «Afronauts»، والكوميديا السياسية التاريخية في برودواي.
إن حصيلة الأيام الماضية، من المغرب إلى أمريكا، تؤكد أخيرا أن الثقافة العالمية لا تتحرك في اتجاه واحد. التراث يعود في صورة جديدة، والفنون الإفريقية والعربية تتقدم إلى منصات أوسع، والموسيقى تستعيد الفضاء العام، والمتاحف تتحول إلى أماكن للتفاعل، والمسرح يستعير من التاريخ ليطرح أسئلة الحاضر. وهذا ربما هو العنوان الأوضح لصيف 2026 الثقافي: الفن يغادر حدوده القديمة ويبحث عن جمهور جديد وفضاءات جديدة ولغات أكثر هجينا.








0 التعليقات:
إرسال تعليق