تكشف الحصيلة الثقافية والفنية للأيام الأولى من شهر غشت 2026 عن مشهد مغربي شديد التنوع؛ فمن ضفاف أبي رقراق بالرباط إلى موسم مولاي عبد الله أمغار بالجديدة، ومن قاعات السينما في متحف إيف سان لوران بمراكش إلى إقامة فنية إفريقية في تحناوت، تبدو الثقافة المغربية موزعة بين حماية الذاكرة والبحث عن أشكال جديدة للتعبير. وإلى جانب المهرجانات الكبرى، برزت خلال الأسبوع أعمال موسيقية تمزج الشعبي بالراب، ومبادرات تربط الثقافة بالمنتجات المجالية والتراث، وإعلانات عن مواعيد تستثمر الفروسية المغربية باعتبارها إرثا فنيا وثقافيا، لا مجرد نشاط استعراضي.
هذه الدينامية تكشف أن الصيف الثقافي المغربي لم يعد محصورا في الحفلات الجماهيرية وحدها، بل أصبح فضاء تتجاور داخله الموسيقى والفنون البصرية والسينما والتراث اللامادي والإقامات الفنية والصناعات الثقافية. وفي ما يلي أبرز محطات هذه الحصيلة.
1 ــ مهرجان «صيف الأوداية»: الرباط تستعيد موسيقاها على ضفاف أبي رقراق
تنطلق يوم الأحد 9 غشت 2026 الدورة الرابعة عشرة للمهرجان الدولي للفنون والثقافة «صيف الأوداية»، وتتواصل إلى 12 غشت على كورنيش أبي رقراق بالرباط. ويجمع البرنامج بين أسماء وتجارب متعددة، من فؤاد الزبادي ومحمود ميكري إلى فريد غنام وحميد القصري، مرورا بالراب مع أوزي وناسـر ميكري و7liwa، إلى جانب حضور الشعبي ومشاريع موسيقية أخرى. كما تتضمن الدورة تكريمات وجوائز، منها تكريم محمود ميكري ومنح فؤاد الزبادي تذكار المهرجان، بينما يحصل سامي قصبة على جائزة حسن ميكري.
قوة هذه الدورة تكمن، في تقديري، في رفضها وضع الموسيقى المغربية داخل قوالب منفصلة. فوجود كناوة والراب والشعبي والأغنية المغربية الحديثة في برنامج واحد يعني أن المهرجان يتعامل مع الهوية الموسيقية باعتبارها فضاء متحركا. الأهم أن تنظيم هذه الحفلات على كورنيش أبي رقراق يخرج الثقافة جزئيا من منطق القاعة المغلقة ويعيدها إلى الفضاء العمومي، حيث يلتقي الجمهور العابر بالموسيقى من دون أن يكون بالضرورة من رواد المؤسسات الفنية التقليدية.
2 ــ موسم مولاي عبد الله أمغار: التراث يتحول إلى مدينة مؤقتة
افتتح يوم 7 غشت 2026 موسم مولاي عبد الله أمغار بإقليم الجديدة، ويستمر إلى 14 غشت، جامعا بين التبوريدة والصقارة والحلقة والسهرات الفنية والأنشطة الثقافية والدينية. ويخصص الموقع الرسمي للموسم تغطية يومية للفعاليات، فيما أُدرجت هذه السنة أيضا أنشطة روحية وعلمية مرتبطة بالذكر والمعرفة، إلى جانب المظاهر الاحتفالية الشعبية التي اشتهر بها الموسم عبر عقود.
القيمة الثقافية لهذا الموعد تتجاوز الأعداد الكبيرة للزوار والخيول والفرق المشاركة. موسم مولاي عبد الله يمثل نموذجا لما يمكن أن نسميه «الثقافة الحية»: ثقافة لا تعرض داخل واجهة متحف، بل يمارسها الناس في لباسهم وطقوسهم وخيولهم وحكاياتهم وموسيقاهم. والتحدي هنا هو الحفاظ على هذا الطابع الشعبي الأصيل في مواجهة خطر تحويل المواسم الكبرى إلى مجرد عروض استهلاكية. فنجاح الموسم ثقافيا ينبغي أن يقاس أيضا بقدرته على نقل تقاليد الفروسية والحلقة والصقارة إلى الأجيال الجديدة.
3 ــ متحف إيف سان لوران بمراكش يحول غشت إلى شهر للسينما
أعلن متحف إيف سان لوران بمراكش خلال الأيام الأخيرة عن استمرار برنامجه السينمائي الصيفي في قاعة بيير بيرجي خلال شهر غشت. ويقوم البرنامج على مسارين: عروض «فيلم إنديا» المخصصة للسينما الهندية مساء كل اثنين في السابعة، و«سينما الصغار» صباح كل أربعاء في الحادية عشرة، وهي عروض مجانية للأطفال ابتداء من سن الخامسة. وكان عرض فيلم شارلي شابلن «الديكتاتور» يوم 5 غشت إحدى المحطات الموجهة للجمهور الصغير.
هذه المبادرة مهمة لأنها تعيد تعريف وظيفة المتحف. فالمتحف هنا ليس خزانا للملابس والوثائق والذاكرة المرتبطة بإيف سان لوران فقط، بل يتحول إلى مؤسسة ثقافية حية تستطيع أن تعرض السينما الهندية، وتستقبل الأطفال، وتخلق عادة ثقافية أسبوعية. كما أن مجانية عروض الأطفال تحمل دلالة تربوية واضحة: تكوين الجمهور يبدأ قبل تكوين الفنان، ومن دون طفل يعتاد دخول المتحف والسينما لن يكون من السهل بناء جمهور ثقافي واسع في المستقبل.
4 ــ «JamSalam 2026»: خمسة عشر فنانا إفريقيا يلتقون في تحناوت
من الأحداث التي عادت إلى واجهة الأخبار الثقافية خلال الأسبوع اختتام الإقامة الفنية الإفريقية JamSalam 2026 في فضاء «المقام» بتحناوت. وقد جمعت المبادرة خمسة عشر فنانا من خمسة عشر بلدا إفريقيا بعد أسبوعين من الإبداع والحوار وتبادل الخبرات، حول موضوع «باسم توماي، أمل الحياة». وشملت المشاركات مجالات فنية متعددة، بينها الرسم والتصوير والفنون البصرية والوسائط المتعددة. واختتمت الإقامة في 29 يوليوز، لكن حصيلتها وتغطيتها الإعلامية برزتا خصوصا بين 3 و5 غشت.
ما يستوقفني في هذه التجربة هو انتقال مفهوم التعاون المغربي الإفريقي من الاقتصاد والسياسة إلى مختبر الفنان. فالروابط الإفريقية لا تبنى بالاتفاقيات وحدها؛ يمكن للوحة وصورة فوتوغرافية وإقامة مشتركة لمدة أسبوعين أن تنتج معرفة متبادلة يصعب تحقيقها عبر الخطاب الرسمي. وموقع تحناوت قرب مراكش يمنح المبادرة معنى إضافيا: المغرب يتحول إلى فضاء استقبال وإنتاج للفن الإفريقي المعاصر، وليس مجرد منصة لعرض أعمال اكتملت في أماكن أخرى.
5 ــ «مانزاكين»: حجيب ودراغانوف يهدمان الجدار بين الشعبي والراب
على مستوى الإنتاج الموسيقي الجديد، أثار تعاون مغني الراب المغربي دراغانوف مع الفنان الشعبي حجيب في أغنية «MANZAKINE» اهتماما لافتا خلال الأيام الماضية. العمل صدر في نهاية يوليوز، ثم تحول الفيديو المصور إلى مادة واسعة التداول، وتجاوز وفق «Le Matin» 1.6 مليون مشاهدة مع مطلع غشت. العمل يجمع بين لغة الهيب هوب المعاصرة وأداء حجيب المرتبط بالموسيقى الشعبية، في تجربة تستهدف جمهورا ينتمي إلى أجيال وأذواق مختلفة.
أهمية التجربة لا ترتبط بالأرقام الرقمية وحدها. فالأغنية تطرح سؤالا جوهريا حول مستقبل الموسيقى المغربية: هل يبقى التراث داخل قالب الحفظ، أم يتحول إلى مادة قابلة للتفاعل مع لغات الشباب؟ التعاون بين حجيب ودراغانوف يقدم إجابة عملية. لا يتخلى الفنان الشعبي عن هويته، ولا يضطر الراب إلى تقليد الخارج؛ بل يلتقي الاثنان في منطقة ثالثة. وإذا استمرت مثل هذه التجارب بجودة فنية حقيقية، فقد تصبح الموسيقى المغربية أكثر قدرة على مخاطبة الأسواق والجماهير العربية والدولية من دون التضحية بملامحها المحلية.
6 ــ مهرجان بولمان: الثقافة المحلية تخرج من عباءة «الفولكلور»
افتتحت خلال الأسبوع الجاري الدورة الثانية لمهرجان بولمان للزعفران والنباتات العطرية والطبية، واستمرت فعالياتها إلى 9 غشت 2026. ويتضمن البرنامج معرضا للزعفران والنباتات والمنتجات المجالية، ولقاءات علمية، وورشات تكوينية لفائدة التعاونيات، إضافة إلى فقرات وتنشيط ثقافي وفني. ويراهن المنظمون على ربط المنتجات المحلية بالتنمية الاقتصادية والجاذبية الترابية وتنشيط العالم القروي.
قد يبدو المهرجان في النظرة الأولى اقتصاديا أو فلاحيا أكثر منه ثقافيا، لكن الثقافة ليست فقط رواية ومسرحا وموسيقى. الزعفران وطرق إنتاجه والمعارف المرتبطة بالنباتات وأساليب العيش في المناطق الجبلية جزء من الذاكرة المحلية. لذلك تبدو هذه المهرجانات مهمة متى نجحت في تحويل المنتج الترابي إلى قصة وهوية ومعرفة، بدلا من الاقتصار على البيع. الثقافة القروية المغربية تملك رأسمالا رمزيا كبيرا، ومن شأن ربطه بالتعاونيات والفنون المحلية والسياحة أن يمنحه قدرة أكبر على الاستمرار.
7 ــ معرض الفرس بالجديدة: الفروسية بين البحث العلمي والذاكرة الثقافية
ومن الأخبار التي برزت في الأيام الأخيرة أيضا الكشف عن تفاصيل جديدة تخص الدورة السابعة عشرة لمعرض الفرس بالجديدة، المقرر تنظيمها من 13 إلى 18 أكتوبر 2026 تحت شعار «الفرس في خدمة الإنسان». وإلى جانب التبوريدة والعروض ومسابقات القفز، يتضمن الموعد قرية للفن والثقافة ومحاضرات ولقاءات علمية، مع نقاش موضوعات مثل صحة الخيول والوساطة بواسطة الخيل والعلاقة التاريخية والثقافية بين الإنسان والفرس في المغرب.
وضع الثقافة إلى جانب المعرفة العلمية داخل معرض الفرس اختيار ذو دلالة، لأن الحصان المغربي ليس عنصرا رياضيا فقط. إنه حاضر في الذاكرة والاحتفالات واللباس والصناعة التقليدية والأغنية والصورة، كما أن التبوريدة أصبحت إحدى العلامات القوية للتراث المغربي. ومن هنا يمكن لمعرض الفرس أن يؤدي دورا يتجاوز الاستعراض نحو التوثيق والتربية الثقافية؛ خصوصا إذا استطاع أن يقدم للأجيال الجديدة تاريخ الفروسية المغربية بأساليب بصرية ورقمية حديثة.
خلاصة: صيف ثقافي يتجاوز منطق «المهرجان»
تقول حصيلة الأيام الماضية إن المشهد الثقافي المغربي يعيش على أكثر من سرعة. هناك المهرجان الجماهيري المفتوح كما في «صيف الأوداية»، وهناك الموسم المتجذر في التاريخ مثل مولاي عبد الله أمغار، والإقامة الفنية العابرة للحدود في تحناوت، والسينما التي تدخل المتحف في مراكش، والموسيقى الشعبية التي تلتقي بالراب، والمنتج المجالي الذي يتحول إلى موضوع ثقافي في بولمان.
والأهم أن الحدود القديمة بين أشكال التعبير بدأت تتراجع. الراب يستطيع أن يتحاور مع الشعبي، والمتحف يستطيع أن يصبح قاعة سينما للأطفال، والموسم الشعبي يستطيع أن يجمع الروحي بالفني، والفروسية تستطيع أن تنتقل من العرض إلى البحث العلمي والثقافة. هذه التحولات هي التي تستحق المتابعة، لأن قوة الثقافة المغربية في السنوات المقبلة لن تقاس فقط بعدد المهرجانات، بل بقدرتها على تحويل التراث إلى إبداع، والإبداع إلى معرفة، والمعرفة إلى حضور مغربي مستدام داخل المجتمع وخارجه.








0 التعليقات:
إرسال تعليق