لا تظهر المثلية الجنسية في الجزائر بوصفها قضية اجتماعية قابلة للنقاش الهادئ بقدر ما تظهر، غالبًا، داخل ثلاث دوائر شديدة الحساسية: القانون الجنائي، والخطاب الأخلاقي والديني، والحملات المتقطعة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل. وبين هذه الدوائر يعيش أشخاص لا تتوافر إحصاءات موثوقة عن عددهم، ولا تكاد تُسمع شهاداتهم العلنية، لأن الإفصاح عن التوجه الجنسي قد يترتب عليه رفض أسري أو خسارة العمل أو التشهير أو الملاحقة القضائية. وتشير أحدث المراجعات المتاحة إلى ندرة البيانات وصعوبة توثيق الانتهاكات بسبب الخوف والرقابة الذاتية وغياب التنظيمات القانونية المتخصصة.
هذا التحقيق مكتبي توثيقي، يستند إلى مراجعة مواد قانون العقوبات الجزائري، وتقارير منظمات حقوقية دولية، ووثائق أممية وإفريقية، وبيانات استطلاعات الرأي. ولا يدّعي تقديم مسح ميداني شامل؛ فغياب الدراسات المستقلة والشهادات الآمنة جزء من المشكلة التي يحاول التحقيق تفسيرها، وليس فراغًا يجوز ملؤه بالتخمين.
تجرّم المادة 338 من قانون العقوبات الجزائري ما تصفه بـ«الفعل المثلي»، وتقرر الحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة مالية. كما تنص المادة 333 على عقوبات تتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات في بعض حالات «الفعل المنافي للطبيعة» مع شخص من الجنس نفسه، إذا ارتبط بما يسميه القانون الإخلال العلني بالحياء. ويشمل التجريم الرجال والنساء، بينما لا يعترف القانون بالزواج أو الاتحاد المدني بين شخصين من الجنس نفسه، ولا يقدم حماية صريحة من التمييز بسبب التوجه الجنسي أو الهوية الجندرية في العمل والسكن والتعليم والصحة والخدمات.
قد تبدو الغرامات المنصوص عليها محدودة مقارنة بعقوبة السجن، لكن الأثر الحقيقي لا يُقاس بالمبلغ وحده. فوجود مادة جنائية يجعل العلاقة الخاصة قابلة للتحول إلى ملف أمني، ويمنح الأسرة أو الجيران أو أي شخص يملك صورًا أو مراسلات خاصة وسيلة للتهديد. كما يخلق مفارقة قانونية: الشخص الذي يتعرض للابتزاز أو الاعتداء بسبب توجهه قد يتردد في طلب حماية الشرطة، لأن الكشف عن ملابسات حياته الخاصة يمكن أن يضعه هو نفسه موضع الشبهة.
ولا تتوافر قاعدة بيانات علنية تجمع بصورة منتظمة عدد الموقوفين والمحاكمات والأحكام الصادرة سنويًا بموجب المادتين 338 و333. وتؤكد مراجعة المعلومات القُطرية الصادرة في مايو 2025 أن الأدلة المتعلقة بمعاملة المثليين من طرف الدولة متفرقة، وأن حجم الحوادث وتواترها غير معروفين، مع احتمال قوي لوجود نقص في الإبلاغ بسبب الرقابة الذاتية والخوف وعزوف الصحافيين عن تناول الموضوع.
بذلك لا يعني غياب آلاف الملفات القضائية أن القانون بلا أثر. فقد يكون أثره الأوسع موجودًا قبل الوصول إلى المحكمة: في الخوف من الشكوى، وإخفاء العلاقات، وتجنب العلاج، والرضوخ للابتزاز، أو قبول زواج غير مرغوب فيه لتبديد شكوك الأسرة.
تقدم قضية شهدتها ولاية قسنطينة سنة 2020 مثالًا واضحًا على انتقال التجريم من النص إلى الحياة اليومية. فقد داهمت الشرطة منزلًا خاصًا في الخروب واعتقلت 44 شخصًا، بينهم تسع نساء وخمسة وثلاثون رجلًا، بعد شكوى من الجيران بشأن تجمع وصفته السلطات بأنه «زفاف مثلي». ووفق ما وثقته منظمة هيومن رايتس ووتش، استُخدمت الزينة والزهور والحلوى والمظهر المفترض لبعض الحاضرين ضمن القرائن التي استندت إليها المحاكمة.
أدانت المحكمة الموقوفين بتهم تضمنت العلاقات المثلية والإخلال العلني بالحياء ومخالفة تدابير الحجر الصحي المرتبطة بجائحة كورونا. وحُكم على رجلين بالسجن ثلاث سنوات، فيما صدرت في حق الآخرين أحكام موقوفة التنفيذ لمدة سنة. تكمن أهمية القضية في أن المداهمة لم تقع في شارع أو مرفق عام، بل داخل مسكن خاص، وأن الاشتباه لم يعتمد فقط على فعل ثابت، بل على قراءة الشرطة لطبيعة الاحتفال ومظهر المشاركين.
تكشف القضية أيضًا معنى «المثلية المفترضة». فالإنسان قد يتعرض للملاحقة أو العنف لا بسبب تعريفه لنفسه، بل بسبب ملابسه أو صوته أو أصدقائه أو طريقة احتفاله. وهذا يوسع دائرة الخوف لتشمل أشخاصًا لا يعلنون توجههم، وربما أشخاصًا ليسوا مثليين أصلًا، لكن المجتمع أو الشرطة يضعانهم داخل هذه الفئة اعتمادًا على الصور النمطية.
وتطرح الواقعة سؤالًا يتجاوز الموقف من المثلية نفسها: هل يجوز أن تتحول الزينة والملابس والتعبير الجسدي إلى أدلة جنائية؟ وهل ينبغي لشكوى الجيران أن تفتح المجال لتفتيش حياة بالغين داخل منزل خاص، ما دام الأمر لا يتعلق بعنف أو إكراه أو استغلال قاصر؟
في مجتمع تؤدي فيه الأسرة دورًا محوريًا في السكن والعمل والزواج والحماية الاجتماعية، يصبح كشف التوجه الجنسي أزمة تتجاوز العلاقة بين الفرد وأقاربه. وتشير مصادر حقوقية وتقارير تجميع المعلومات القُطرية إلى ضغوط أسرية قد تشمل المراقبة والتهديد والطرد والإجبار على الزواج والعنف الجسدي أو النفسي. وتواجه النساء المثليات أو مزدوجات الميل مخاطر مضاعفة بسبب القيود المفروضة أصلًا على استقلال النساء، وقد أوردت بعض المصادر مخاوف من الزواج القسري وما يسمى «الاغتصاب التصحيحي».
لا تعني هذه التقارير أن كل أسرة جزائرية تتصرف بالطريقة نفسها. فهناك تفاوت بين المدن والأحياء والأجيال والمستويات التعليمية، كما توجد أسر تختار الصمت أو التسامح الداخلي. لكن المشكلة أن القبول، عندما يوجد، قد يكون مشروطًا بعدم الظهور: ابق داخل البيت، لا تتحدث، لا ترتبط علنًا، وتزوج لإبعاد الشبهة.
من هنا تنشأ «الحياة المزدوجة». قد يظهر الشخص أمام العائلة وزملاء العمل بوصفه منسجمًا تمامًا مع التوقعات السائدة، فيما يحتفظ بعلاقاته ومشاعره في دائرة سرية. هذا التخفي قد يمنع أزمة فورية، لكنه يفرض كلفة نفسية مستمرة، ويجعل الزواج التقليدي أحيانًا وسيلة لحماية السمعة لا اختيارًا حرًا، بما قد ينقل المعاناة إلى الزوج أو الزوجة والأطفال أيضًا.
وتشير المراجعة البريطانية للمعلومات القُطرية إلى أن قلة الأشخاص الذين يعيشون علنًا بوصفهم مثليين لا تصلح دليلًا على غيابهم، بل قد تعكس حجم الرقابة الاجتماعية والخوف من الأسرة والمحيط. كما تنبه إلى أن ندرة الأدلة الحديثة بشأن العنف الأسري قد تكون مرتبطة بصعوبة الإفصاح والتوثيق.
السؤال الأصعب ليس فقط: هل يتعرض المثليون للعنف؟ بل: إلى من يلجؤون بعد وقوعه؟
تخلص مذكرة المعلومات القُطرية الصادرة في مايو 2025 إلى أن الشخص الذي يواجه خطرًا حقيقيًا من أسرته أو من جهة غير رسمية قد لا يحصل دائمًا على حماية فعالة، وأن تجريم العلاقات المثلية يجعل مطالبة الضحية باللجوء إلى السلطات أمرًا إشكاليًا. فالقانون الذي يفترض أن يحمي المواطن قد يحمل في الوقت نفسه نصًا يمكن استخدامه ضده.
هذه الحلقة المغلقة تمنح المبتز أفضلية واضحة. فمن يهدد بنشر محادثات أو صور خاصة يعرف أن الضحية تخشى الفضيحة بقدر خشيتها من الشرطة. ومن يعتدي جسديًا قد يراهن على الصمت، وعلى أن الضحية لن تشرح أمام المحققين سبب استهدافها أو طبيعة العلاقة التي سبقت الاعتداء.
لا تقدم المصادر المتاحة إحصاءً وطنيًا موثوقًا للابتزاز المرتبط بالتوجه الجنسي. لذلك لا يمكن الحديث عن آلاف أو مئات الحالات من دون دليل. ما يمكن إثباته هو وجود بنية قانونية واجتماعية تجعل التبليغ مكلفًا، وأن قلة الشكاوى لا تكفي وحدها للقول إن المشكلة غير موجودة.
ويصبح دور الشرطة حاسمًا هنا. فالضحية تحتاج إلى ضمان واضح بأنها تستطيع تقديم شكوى عن العنف أو السرقة أو التهديد من دون أن تتحول تفاصيل حياتها الخاصة إلى تهمة جديدة، أو إلى مادة للتشهير بها داخل الأسرة ومكان العمل.
لا تتضمن القوانين الجزائرية حماية صريحة من التمييز في العمل أو السكن أو الخدمات على أساس التوجه الجنسي أو الهوية الجندرية. وتنقل تقارير دولية عن منظمات ونشطاء أن بعض أصحاب العمل رفضوا توظيف أشخاص يُنظر إليهم بوصفهم مثليين، وأن الوصول العادي إلى الحقوق والخدمات يظل ممكنًا غالبًا ما دام الشخص غير معروف علنًا بتوجهه.
هذه العبارة تختصر جانبًا كبيرًا من الواقع: الحقوق متاحة، ولكن بشرط عدم الانكشاف. فمن يستطيع تعديل لباسه وصوته وسلوكه وفق ما ينتظره المحيط قد يمر من دون مشكلة ظاهرة، بينما يكون الشخص غير المطابق للصور النمطية المتعلقة بالرجولة والأنوثة أكثر عرضة للتدقيق والسخرية والإقصاء.
وقد لا يحتاج صاحب العمل إلى التصريح بأن الفصل سببه التوجه الجنسي؛ يكفي عدم تجديد العقد، أو اختلاق مخالفة مهنية، أو نقل الموظف إلى موقع أقل أهمية. وفي غياب نص يحظر هذا النوع من التمييز صراحة، يصبح إثبات الدافع الحقيقي مهمة شديدة الصعوبة.
أما الاستقلال بالسكن فليس حلًا بسيطًا للجميع. فالشباب يعتمدون اقتصاديًا على أسرهم، والمرأة التي تعيش منفردة قد تواجه أحكامًا اجتماعية إضافية، بينما تتطلب مغادرة المدينة شبكة دعم وعملًا ثابتًا وموارد مالية. وتشير مصادر اعتمدتها مراجعة 2025 إلى أن النساء اللواتي ينتقلن منفردات قد يفقدن دعم أسرهن ويواجهن صعوبات في العمل والتعليم والسكن، فضلًا عن النظرة السلبية إلى عيش المرأة وحدها في عدد من المدن والأحياء.
لذلك تبدو نصيحة «انتقل إلى مكان آخر» منفصلة عن الواقع بالنسبة إلى من فقد دعم أسرته أو لا يستطيع العثور على عمل أو مسكن آمن.
تؤكد منظمة الصحة العالمية أن المثلية الجنسية ليست اضطرابًا نفسيًا، وقد توقفت جمعية الصحة العالمية سنة 1990 عن تصنيفها مرضًا عقليًا. كما تؤكد المنظمة أن الممارسات التي تدّعي تغيير التوجه الجنسي تفتقر إلى المبرر الطبي والدليل العلمي، وتعد ممارسات غير أخلاقية.
لكن التقارير المتعلقة بالجزائر تسجل شكاوى من التأخير في تقديم العلاج أو رفضه أو تعريض المريض للتوبيخ والإهانة. كما أن الوصمة المرتبطة بالعلاقات الجنسية بين الرجال قد تثني بعض الأشخاص عن إجراء فحوص فيروس نقص المناعة البشرية أو طلب المشورة الصحية، لأنهم يخشون كشف حياتهم الخاصة أمام الطبيب أو الموظف أو الأسرة.
ولا ينبغي اختزال المثلية في ملف فيروس نقص المناعة البشرية؛ فالمرض يمكن أن يصيب أي شخص، والربط الآلي بينهما يغذي الوصم بدل الوقاية. القضية الصحية الحقيقية هي الحق في خدمة سرية وآمنة وغير تمييزية، وفي الحصول على معلومات الوقاية والعلاج من دون استجواب أخلاقي.
كما أن القلق والاكتئاب والعزلة، عندما تظهر لدى بعض الأشخاص، لا تجعل التوجه الجنسي مرضًا. وتشير المصادر إلى أن التمييز في الخدمات الطبية والقانونية والعمل، مقترنًا بالضغوط الاجتماعية، قد يفاقم المشكلات النفسية داخل هذه الفئة.
أما ما يسمى «العلاج التحويلي» فينبغي التعامل معه بوصفه خطرًا صحيًا وحقوقيًا، لا علاجًا مشروعًا. فالضغط الأسري أو الديني الذي يدفع شخصًا إلى جلسات هدفها قمع ميوله لا يقدم علاجًا لحالة مرضية، بل قد يزيد شعوره بالذنب والخوف والعزلة.
تتجاوز صعوبة الوصول إلى الحماية باب مركز الشرطة لتصل إلى المحاكم. فقد أورد تقرير المعلومات القُطرية لعام 2025 أن المحامين الملمين بقضايا التوجه الجنسي غير متوافرين على نطاق واسع، وأن بعض المحامين يخشون الارتباط بهذه الملفات بسبب الوصم والضغط المفروض على المجتمع المدني.
عندما يفقد المتهم القدرة على العثور على دفاع مطلع وغير متحيز، لا تعود المشكلة في النص وحده، بل في ميزان القوة داخل المحاكمة. فقد تعتمد القضية على محاضر الشرطة، أو صور خاصة، أو محادثات هاتفية، أو استنتاجات عن الملابس والسلوك، فيما يخشى المتهم شرح السياق الكامل لأنه قد يفاقم التشهير به.
هنا تظهر ضرورة الفصل بين الحكم الأخلاقي والحق في المحاكمة العادلة. فحتى المواطن الذي يرفض المثلية دينيًا أو ثقافيًا يظل معنيًا بضمان عدم اقتحام البيوت بلا مبرر، وعدم تحويل المظهر إلى دليل إدانة، وعدم ابتزاز المتهم أو حرمانه من الدفاع.
إن ضمان المحاكمة العادلة لا يطلب من القاضي أو المحامي أو المجتمع تغيير معتقداته، بل يطلب منهم عدم معاقبة شخص اعتمادًا على الاشتباه والصور النمطية أو على أدلة انتُزعت من حياته الخاصة بطرق غير مشروعة.
تفرض البيئة القانونية قيودًا شديدة على التنظيم المستقل. ووفق تقارير حقوقية، يتيح قانون الجمعيات الجزائري رفض تسجيل منظمة إذا اعتُبرت أهدافها مخالفة لـ«الآداب العامة»، مع فرض عقوبات على أعضاء ومسؤولي الجمعيات غير المسجلة. وتخلص المصادر المتاحة إلى أنه لا توجد منظمة متخصصة في الدفاع عن حقوق المثليين مسجلة قانونيًا في الجزائر.
يؤدي ذلك إلى غياب مؤسسات تستطيع جمع البيانات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي، وتوثيق العنف، وإجراء حوار علني مع الدولة. وقد توجد شبكات غير رسمية أو مبادرات رقمية، لكنها تعمل في الخفاء، وتواجه خطر الاختراق وكشف الهويات، ولا تستطيع استئجار مقر أو جمع التبرعات أو إصدار تقارير علنية بسهولة.
ويأتي هذا التضييق داخل سياق أوسع وثقته منظمات حقوقية، يتعلق بتراجع مساحة حرية التعبير والصحافة والجمعيات والتجمع في الجزائر. فقد سجل تقرير هيومن رايتس ووتش عن أحداث 2024 استمرار القيود على الصحافيين والنشطاء والجمعيات والتجمعات المستقلة.
ومن المنطقي استنتاج أن الفئة الأكثر وصمًا والأقل قبولًا اجتماعيًا ستكون أضعف قدرة من غيرها على إنشاء تنظيم علني أو الوصول إلى وسائل الإعلام. لكن هذا يظل استنتاجًا مدعومًا بالسياق، وليس رقمًا قابلًا للقياس.
لا يحضر الموضوع في جزء من الإعلام الجزائري باعتباره قضية مواطنين وحقوق وصحة، بل يظهر غالبًا في لغة التحذير من «الغزو الثقافي» أو «الانحلال». وفي مطلع 2023 أطلقت وزارة التجارة حملة على منتجات تحمل ألوان قوس قزح، واعتبرتها مرتبطة بأفكار تمس القيم الدينية والأخلاقية. كما وثقت المصادر تعليق بث قناة سلام مدة عشرين يومًا في أغسطس 2023 بعد عرض مشهد زواج بين شخصين من الجنس نفسه داخل فيلم.
الرموز هنا لا تبقى رموزًا. فعندما تتحول ألوان لعبة أو حقيبة مدرسية إلى خطر أخلاقي، يتسع الشك ليشمل الأشخاص أنفسهم. ونقلت تقارير دولية عن ناشطين أن الصور الإعلامية السلبية غذت العداء على شبكات التواصل وأثارت الخوف داخل الدوائر الناشطة، وإن كانت المعلومات التفصيلية عن حجم هذه الحملات لا تزال محدودة.
وفي نوفمبر 2022 انتشر مقطع يظهر اعتداء رجال على شخص اعتبروه مثليًا بسبب ظهوره في تسجيلات بملابس نسائية، وأشارت المصادر إلى أن تعليقات كثيرة أيدت المعتدين. ولا تكفي واقعة واحدة لوصف مجتمع كامل، لكنها تكشف قدرة المنصات على تحويل العنف إلى مشهد للفرجة والتشجيع، بدل اعتباره اعتداء يستوجب التحقيق.
وتبقى مسؤولية الإعلام مضاعفة في هذا السياق. فالصحافي يستطيع مناقشة الخلاف الديني والقانوني والاجتماعي، لكنه لا يملك الحق في نشر أسماء الأشخاص أو صورهم أو محادثاتهم الخاصة، أو استعمال لغة تحط من كرامتهم وتحرض على ملاحقتهم.
أبرز البيانات المتداولة تعود إلى استطلاع نفذه «الباروميتر العربي» لحساب «بي بي سي عربي» بين أواخر 2018 وربيع 2019. وشمل الاستطلاع أكثر من 25 ألف مقابلة مباشرة في عشر دول والأراضي الفلسطينية، وتناولت أسئلته موضوعات متعددة، من بينها الدين والفساد والجنس والصحة النفسية.
وسجلت الجزائر نسبة 26 في المائة ممن اعتبروا المثلية مقبولة، وهي أعلى نسبة بين البلدان العربية التي شملها ذلك السؤال. أما النسبة الباقية فلم تقل إنها مقبولة، مع إدراج الرفض وعدم اليقين أو عدم الإجابة ضمن الجهة الأخرى في بعض عروض النتائج.
لكن النتيجة لا تعني أن 26 في المائة من الجزائريين يؤيدون الزواج المثلي أو الاعتراف القانوني أو التبني أو الظهور العلني. صيغة السؤال تقيس مستوى محددًا من القبول، ولا يمكن تحويلها إلى موقف شامل من كل الحقوق.
كما أن الدراسة مضى عليها أكثر من ست سنوات، ولم تعثر مراجعة المعلومات القُطرية الحديثة على استطلاع وطني مماثل وأحدث يسمح بقياس اتجاه التغير.
ويجب كذلك تجنب استعمال النسب لإدانة شعب كامل أو تمجيده. فقد تختلف إجابة الشخص عن قبول المثلية اجتماعيًا عن إجابته بشأن سجن بالغين بسبب علاقة خاصة، أو حمايتهما من العنف، أو منع فصلهما من العمل. وهذه أسئلة منفصلة ينبغي قياس كل واحد منها على حدة.
رفضت الجزائر خلال مسارات المراجعة الدولية دعوات إلى إلغاء المادة 338، وربطت موقفها باعتبارات دينية وأخلاقية وفلسفية واجتماعية متصلة بقيم المجتمع. وفي المقابل، دعت منظمات حقوقية إلى إلغاء تجريم العلاقات الرضائية بين البالغين، معتبرة أن العقوبة تمس الحق في الخصوصية وعدم التمييز والاستقلال الجسدي.
ولا يتطلب النقاش الجاد أن يتبنى المجتمع تصورًا واحدًا للأخلاق أو الأسرة. يمكن للدولة أن تحترم المرجعية الدينية والثقافية السائدة، وفي الوقت نفسه تمنع اقتحام الحياة الخاصة والعنف والابتزاز والتمييز في العلاج والعمل.
كما أن عدم سجن بالغين بسبب علاقة رضائية لا يساوي تلقائيًا فرض الزواج المثلي، أو تغيير المناهج الدراسية، أو إجبار المواطنين على الموافقة الأخلاقية. فهناك فرق قانوني واضح بين عدم التجريم، والحماية من العنف، والاعتراف بالعلاقات الأسرية.
وعلى المستوى الإفريقي، أدانت اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في قرارها رقم 275 أعمال القتل والاغتصاب والاعتداء والاحتجاز التعسفي وغيرها من الانتهاكات الواقعة بسبب التوجه الجنسي الحقيقي أو المفترض أو الهوية الجندرية. وهذا يعني أن حماية الشخص من العنف ليست فكرة وافدة من خارج القارة، بل التزام حقوقي إفريقي أيضًا.
لا نعرف العدد الحقيقي للمثليين والمثليات في الجزائر، ولا عدد من تعرضوا للطرد من الأسرة أو الفصل من العمل أو الابتزاز. ولا توجد بيانات علنية منتظمة عن الأحكام الصادرة وفق مواد التجريم، أو عن الشكاوى التي رفض أصحابها تقديمها، أو عن المشكلات النفسية المرتبطة بالوصم.
غياب هذه الأرقام يمنع إطلاق أحكام قطعية، لكنه يفرض على الصحافة والبرلمان والمؤسسات طرح أسئلة أدق:
لماذا لا تنشر وزارة العدل بيانات مفصلة عن تطبيق المادتين 333 و338؟ وهل تملك وزارة الصحة بروتوكولًا واضحًا ضد التمييز ولحماية سرية المرضى؟ وكيف تتعامل الشرطة مع ضحية ابتزاز تكشف أن المبتز يهددها بسبب توجهها؟ وهل يستطيع محام أو طبيب أو باحث إنشاء جمعية تقدم الدعم من دون أن يخشى رفض التسجيل أو الملاحقة؟
وينبغي أن يشمل التحقيق الميداني الحقيقي مقابلات آمنة مع أشخاص معنيين، ومحامين وأطباء وباحثين ومسؤولين رسميين، مع إخفاء هوية كل شاهد قد يتعرض للأذى. فلا يجوز مطالبة شخص بالكشف عن اسمه وصورته ومكان إقامته من أجل إثبات واقعه أمام جمهور قد يدينه أو يلاحقه.
واقع المثلية في الجزائر ليس قصة رقم مرتفع أو منخفض في استطلاع، ولا مادة مناسبة للسخرية بين الشعوب. إنه واقع يتشكل من نص جنائي نافذ، وأسرة قد تكون مصدر حماية أو خطر، وسوق عمل لا يمنع التمييز صراحة، وخدمة صحية قد تتأثر بالوصم، وإعلام يميل أحيانًا إلى التعبئة الأخلاقية بدل التحقيق، ومجتمع مدني لا يستطيع تنظيم نفسه قانونيًا.
لا يمكن من خلال الوثائق المتاحة القول إن كل شخص مثلي في الجزائر يتعرض للملاحقة، كما لا يمكن الادعاء بأن القانون غير مؤثر لمجرد قلة القضايا المنشورة. الحقيقة الأقرب هي أن التجريم يدفع الحياة إلى السر، والسر يقلل الشهادات والبلاغات، ثم تُستخدم ندرة الشهادات دليلًا على عدم وجود المشكلة.
المدخل الأول لأي إصلاح ليس فرض نمط ثقافي على الجزائريين، بل حماية قواعد أساسية: حرمة البيت، وسرية العلاج، وحق الضحية في التبليغ، والمحاكمة العادلة، وعدم فصل الإنسان من العمل أو ضربه أو ابتزازه بسبب توجه حقيقي أو مفترض.
وبعد ذلك يمكن للمجتمع أن يواصل نقاشه الديني والأخلاقي بحرية، لكن من دون سجن أو عنف أو تشهير. فالاختبار الحقيقي لسيادة القانون لا يظهر في حماية المواطن الذي يوافقه الجميع، بل في حماية المواطن المختلف الذي لا يملك قوة اجتماعية، ولا منبرًا، ولا جمعية تتحدث باسمه.








0 التعليقات:
إرسال تعليق