الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، سبتمبر 03، 2026

تارانتو 2026.. المغرب يختتم ألعاب البحر الأبيض المتوسط بأفضل حصيلة في تاريخه


أسدل الستار الرياضي، اليوم الخميس 3 شتنبر 2026، على منافسات الدورة العشرين لألعاب البحر الأبيض المتوسط بمدينة تارانتو الإيطالية، في نسخة ستبقى مميزة في ذاكرة الرياضة المغربية. فقبل حفل الاختتام الرسمي المقرر بملعب «إيراسمو ياكوفوني»، كانت آخر المنافسات قد انتهت، واكتمل جدول الميداليات نهائيا، بعدما توجت إيطاليا آخر سباقات الذهب بفوز منتخبها للكرة المائية على مونتينيغرو 18-14. 

وبالنسبة إلى المغرب، لا يتعلق الأمر بمجرد مشاركة ناجحة، بل بأفضل حصيلة رقمية في تاريخ مشاركاته في ألعاب البحر الأبيض المتوسط: 44 ميدالية، منها 16 ذهبية و9 فضيات و19 برونزية، وضعت المملكة في المركز السابع في الترتيب النهائي، والثاني عربيا خلف مصر. 

دورة ضخمة بأرقام قياسية

احتضنت تارانتو ومجموعة من مدن إقليم بوليا الدورة من 21 غشت إلى 3 شتنبر، بمشاركة 26 لجنة أولمبية وطنية. وكان منظمو الدورة قد أعلنوا عن نحو 3854 رياضيا، فضلا عن مشاركة رمزية لرياضيي Athletica Vaticana، فيما تضمن البرنامج الرياضي عشرات التخصصات والمسابقات. 

ومع نهاية المنافسات، أعلن المدير العام للجنة المنظمة كارلو مولفيتا أن الدورة شهدت توزيع 931 ميدالية، وأن 25 دولة من أصل 26 مشاركة تمكنت من الصعود إلى منصة التتويج، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الألعاب. كما سجلت الدورة أكثر من 90 ألف حضور في الفعاليات، إلى جانب انتشار إعلامي ورقمي واسع. 

أما إيطاليا، البلد المضيف، فقد فرضت سيطرة كاسحة على الدورة، منهية المنافسات بـ224 ميدالية، بينها 74 ذهبية، وهو رقم قياسي جديد في تاريخ مشاركاتها، بينما جاءت تركيا ثانية واليونان ثالثة. 

الترتيب النهائي لأفضل عشر دول

الرتبةالدولةذهبفضةبرونزالمجموع
1إيطاليا747872224
2تركيا412842111
3اليونان26261971
4فرنسا25214288
5مصر23161958
6إسبانيا18352881
7المغرب1691944
8البرتغال167932
9الجزائر1381940
10صربيا7101936

الترتيب الرسمي يعتمد أولا على عدد الميداليات الذهبية، ولهذا تقدم المغرب على البرتغال رغم تعادلهما في 16 ذهبية، بفضل تفوقه في عدد الفضيات، تسع مقابل سبع. 

وعربيا، جاءت مصر في المركز الخامس عالمتوسطيا، ثم المغرب سابعا، فالجزائر تاسعة، بينما أنهت تونس الدورة في المركز الثالث عشر بـ26 ميدالية، منها ثلاث ذهبيات. 

المغرب.. 120 رياضيا يصنعون أفضل دورة في التاريخ

شارك المغرب في تارانتو بوفد يضم 120 رياضيا ورياضية، منهم 72 رجلا و48 امرأة، موزعين على 18 رياضة هي ألعاب القوى، الملاكمة، المبارزة، كرة القدم، الجمباز، رفع الأثقال، الجودو، الكاراتيه، المصارعة، السباحة، البادل، رياضات الكرة الحديدية، الفروسية، التايكواندو، التنس، الرماية، الترياثلون والشراع. 

ومن هذه الرياضات الثماني عشرة، نجح المغرب في الحصول على ميداليات في عشر رياضات، فيما جاءت الذهبيات من سبعة تخصصات مختلفة، وهو مؤشر مهم على أن النجاح لم يعد حكرا على ألعاب القوى وحدها.

الحصيلة المغربية حسب الرياضة

الرياضةذهبفضةبرونزالمجموع
ألعاب القوى74516
الملاكمة2136
الكاراتيه2035
التايكواندو1214
التنس2024
الجودو1203
الفروسية0022
كرة القدم0022
الجمباز الفني1001
المصارعة0011
المجموع1691944

ألعاب القوى.. العمود الفقري للإنجاز المغربي

مرة أخرى، أثبتت ألعاب القوى أنها الرياضة الأكثر قدرة على حمل المغرب إلى أعلى مراتب المنافسة المتوسطية. فقد جاءت منها 16 ميدالية كاملة، أي أكثر من ثلث الحصيلة المغربية، بينها سبع ذهبيات.

وكانت فاطمة الزهراء برداحة واحدة من أبرز نجمات الوفد بعدما حققت ثنائية ذهبية في 5000 متر ونصف الماراثون. وتألق ياسين حسين بدوره بثنائية أكثر إثارة في السرعة، بعدما توج بسباقي 100 و200 متر.

وأضافت سلمى لهلالي ذهبية 400 متر، وإسماعيل منياني ذهبية 400 متر حواجز، بينما أكد صلاح الدين بن يزيد تقاليد المغرب في سباقات الموانع بتتويجه في 3000 متر موانع، أمام مواطنه محمد تيندوفت الذي حصل على الفضة. 

كما جاءت الفضيات الأخرى عبر سعاد الحداد في 1500 متر، ومصطفى أكاوي في 10 آلاف متر، وفريق التتابع 4×400 متر للرجال، فيما توزعت البرونزيات بين سباقات 800 و1500 و5000 و10 آلاف متر. 

اللافت هنا أن المغرب لم يعد يعتمد فقط على سباقات المسافات الطويلة والمتوسطة؛ فذهبيتا 100 و200 متر ولقبا 400 متر و400 متر حواجز يعكسان توسعا واضحا في خريطة ألعاب القوى المغربية نحو السرعة.

رياضات القتال.. منجم ثان للميداليات

إذا كانت ألعاب القوى قد جلبت 16 ميدالية، فإن الملاكمة والكاراتيه والجودو والتايكواندو والمصارعة مجتمعة أضافت 19 ميدالية أخرى. وهذا يعني أن ألعاب القوى ورياضات القتال وحدها منحت المغرب 35 من أصل 44 ميدالية، أي نحو أربعة أخماس الحصيلة النهائية.

في الملاكمة، توج سليمان سمغولي بذهب وزن أقل من 65 كلغ، وسعيدة لحميدي بذهب أقل من 70 كلغ، إلى جانب فضية وداد برطال وثلاث برونزيات. أما الكاراتيه، فشهد تتويج شيماء الحيطي ومهدي سريتي بالذهب، فضلا عن ثلاث برونزيات. 

وفي الجودو، منح أحمد العلوي الشريفي المغرب ذهبية وزن أقل من 60 كلغ، بينما حصلت سمية إيراوي وحسن الدكالي على الفضية. وفي التايكواندو، أحرز سفيان العسبي الذهب، وفاز هيثم زرهوني وأمينة الدحاوي بفضيتين، ونالت ندى العرج البرونز. 

أما المصارعة اليونانية الرومانية، فأضافت برونزية يزيد الغربي في وزن أقل من 60 كلغ.

التنس.. أربع ميداليات ونوع جديد من الطموح

من أكبر مفاجآت المشاركة المغربية نجاح التنس في الحصول على أربع ميداليات، نصفها من الذهب.

فاز كريم بناني باللقب الفردي للرجال، بينما توج الثنائي ياسين دليمي ويونس لعروسي بلقب الزوجي. كما أضافت ياسمين القباج برونزية الفردي للسيدات، وحصل الثنائي يونس لعروسي وضياء الجردي على برونزية الزوجي المختلط. 

وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة لأنها توسع دائرة الرياضات المغربية القادرة على المنافسة على الذهب في تظاهرة متعددة الرياضات، بدلا من الاقتصار على ألعاب القوى والفنون القتالية.

ذهبية الجمباز.. واحدة من أجمل قصص تارانتو

ربما كانت ذهبية حمزة الحسيني في القفز على الحصان إحدى أكثر الميداليات المغربية رمزية في الدورة. فقد أعادت المغرب إلى أعلى منصة في الجمباز بألعاب البحر الأبيض المتوسط بعد 33 عاما، منذ تتويج خالد صابر في دورة لانغدوك روسيون سنة 1993. 

إنها ميدالية واحدة فقط حسابيا، لكنها من حيث القيمة الرياضية قد تكون من أهم ميداليات الوفد، لأنها جاءت في اختصاص لم يكن المغرب معتادا على المنافسة فيه على الذهب.

كرة القدم والفروسية.. أربع برونزيات

حقق المغرب ميداليتين برونزيتين في كرة القدم عبر منتخبي الشبان والفتيات، وهو ما يؤكد الحضور المغربي في الفئات السنية، وإن كانت النتيجة تترك أيضا إحساسا بأن الوصول إلى النهائي كان ممكنا في إحدى المسابقتين على الأقل.

أما الفروسية، فقد حققت برونزيتين في القفز على الحواجز: واحدة للمنتخب المغربي المكون من عبد الكبير ودار، الغالي بوقاع، عبد السلام بناني سميرس وعلي الأحراش، وأخرى فردية للغالي بوقاع. 

لماذا تعد تارانتو 2026 تاريخية للمغرب؟

الجواب الأول يكمن في الرقم: 44 ميدالية مقابل 33 في وهران 2022، أي زيادة بـ11 ميدالية. كما تجاوز المغرب رقمه القياسي السابق في عدد الذهبيات، الذي كان يبلغ عشر ذهبيات في تاراغونا 2018، ليصل هذه المرة إلى 16 لقبا. 

ورغم أن المركز السابع ليس أفضل ترتيب حققه المغرب تاريخيا، إذ يبقى المركز الخامس في ألعاب اللاذقية سنة 1987 أفضل ترتيب عام للمملكة، فإن تارانتو 2026 هي دون منازع أفضل دورة من حيث حجم الميداليات وعدد الذهبيات. 

والأكثر دلالة أن المغرب تجاوز في هذه الدورة عتبة 300 ميدالية في مجموع مشاركاته التاريخية بألعاب البحر الأبيض المتوسط منذ دخوله المنافسة سنة 1959. قراءة في المركز السابع

أرى أن القيمة الحقيقية للمركز السابع لا توجد في الرقم وحده، بل في هوية الدول التي أحاطت بالمغرب في الترتيب. فقد أنهى الوفد المغربي المنافسات خلف إيطاليا وتركيا واليونان وفرنسا ومصر وإسبانيا، ومتقدما على البرتغال والجزائر وصربيا. إنها منطقة في الجدول تضم دولا ذات تقاليد أولمبية قوية وإمكانات رياضية وبشرية أكبر بكثير.

وفي المقابل، تكشف الأرقام عن تحدٍّ يجب عدم إخفائه وراء نشوة الـ44 ميدالية: الحصيلة المغربية ما زالت مركزة بدرجة كبيرة في ألعاب القوى ورياضات القتال. ففي السباحة ورفع الأثقال والمبارزة والرماية والشراع والترياثلون والبادل وغيرها، شارك المغرب من دون أن يصل إلى منصة التتويج. وهنا بالضبط توجد المساحة التي يمكن أن تدفع المملكة مستقبلا من المركز السابع إلى دائرة الخمسة الأوائل.

كما أن 19 برونزية تمثل رقما كبيرا؛ وهو أمر إيجابي لأنه يعكس اتساع قاعدة المتنافسين، لكنه يعني في الوقت نفسه وجود عدد مهم من الرياضيين على مسافة خطوة أو خطوتين فقط من النهائي والذهب. تحويل جزء من هذه البرونزيات إلى فضيات وذهبيات في الدورة المقبلة قد يصنع قفزة كبيرة في الترتيب.

الخلاصة: تارانتو ليست نهاية دورة بل بداية معيار جديد

عندما تغادر البعثة المغربية تارانتو بـ44 ميدالية و16 لقبا، لم يعد من المنطقي اعتبار المشاركة المشرفة هدفا كافيا في ألعاب البحر الأبيض المتوسط. لقد رفع الرياضيون المغاربة السقف بأنفسهم.

تارانتو 2026 أثبتت أن المغرب قادر على المنافسة في السرعة والمسافات الطويلة، في الملاكمة والكاراتيه والجودو والتايكواندو، وفي التنس والجمباز، وأن لديه جيلا يستطيع توسيع خريطة التفوق الرياضي المغربي.

لكن الإنجاز يطرح السؤال الأصعب: هل تستطيع المنظومة الرياضية تحويل هذه الطفرة إلى قاعدة مستدامة، ونقل القوة نفسها إلى السباحة ورفع الأثقال والرماية والمبارزة والرياضات المائية والجماعية؟

ذلك هو الامتحان الحقيقي بعد تارانتو. أما بلغة الأرقام، فالحكم واضح: المركز السابع، الثاني عربيا، 44 ميدالية، 16 منها ذهبية، وأفضل حصيلة في تاريخ المغرب بألعاب البحر الأبيض المتوسط. وهذه المرة، لم يعد الحديث عن «مشاركة مشرفة»، بل عن حضور مغربي دخل فعليا دائرة القوى الرياضية الكبرى في فضاء المتوسط.


0 التعليقات: