يشهد النصف الثاني من شهر غشت 2026 حركة لافتة في حضور الكتّاب العرب والكتّاب المنحدرين من أصول عربية داخل المشهد الأدبي الأوروبي، وخصوصاً مع انطلاق «الدخول الأدبي» الفرنسي الذي يُعدّ واحداً من أكبر مواسم النشر في أوروبا. وليس اللافت في هذه الإصدارات مجرد كثرتها أو حضور أسماء مغاربية ولبنانية بينها، بل عودة أسئلة قديمة في صياغات جديدة: الهجرة، والهوية، والاقتلاع، والذاكرة العائلية، والعلاقة الملتبسة مع البلد الأصلي، والبحث عن مكان داخل المجتمع الأوروبي.
وتفيد المعطيات المنشورة عن موسم 2026 بأن نحو 461 رواية مقررة بين غشت وأكتوبر في فرنسا، وبين الأسماء العربية أو ذات الجذور العربية البارزة في هذه الموجة عبد الله الطايع، ونينا بوراوي، وسابيل غصوب، وليليا حسّين.
عبد الله الطايع: المهاجر المغربي يعود إلى باريس الأولى
من أبرز إصدارات يوم 20 غشت 2026 رواية الكاتب المغربي المقيم في فرنسا عبد الله الطايع Debout dans tes rêves، أي ما يمكن ترجمته تقريباً إلى «واقفاً في أحلامك»، الصادرة عن دار جولييار الفرنسية. والطايع، المولود في الرباط سنة 1973 والمقيم في باريس منذ سنوات طويلة، ينتمي إلى أكثر نماذج أدب المهجر وضوحاً: كاتب خرج من المغرب، واستقر في فرنسا، وجعل المسافة بين البلدين واحدة من المواد الأساسية في مشروعه الروائي.
يعود الطايع في روايته الجديدة إلى بدايات الألفية، متتبعاً شخصية مجيد، الشاب المغربي الذي يصل إلى باريس للدراسة في جامعة السوربون. لكنه سرعان ما يكتشف أن باريس التي صنعها في خياله تختلف عن باريس الإقامة والوثائق والعمل والهشاشة الاجتماعية. يتعين عليه تجديد أوراق إقامته باستمرار، ويعمل في رعاية طفل في الثالثة من عمره يدعى غابرييل، لتنمو بين الاثنين علاقة إنسانية تتجاوز الحدود المعتادة بين العامل والأسرة التي تشغله.
ما يجعل هذه الرواية مهمة في سياق أدب المهجر أنها لا تتعامل مع الهجرة باعتبارها مجرد انتقال جغرافي من المغرب إلى فرنسا، بل باعتبارها اختباراً يومياً للكرامة والانتماء. فالمهاجر هنا يدرس في واحدة من أشهر جامعات العالم، لكنه يظل في الوقت نفسه مطالباً بإثبات حقه الإداري في الوجود. يحمل الثقافة واللغة والطموح، لكن المجتمع يعيده باستمرار إلى خانة «الأجنبي».
وهنا يستعيد الطايع إحدى الثيمات الكبرى التي طبعت أعماله السابقة: الإنسان الذي يعيش بين بلد خرج منه وبلد لم يكتمل دخوله إليه. وتصبح باريس مدينة للأحلام بقدر ما تصبح مكاناً للاصطدام بالفوارق الطبقية وبالحدود الاجتماعية والإدارية.
نينا بوراوي و«Championne»: الجزائر تعود من بوابة الذاكرة
قبل ذلك بيوم واحد، أي في 19 غشت 2026، أصدرت دار JC Lattès رواية Championne للكاتبة الفرنسية الجزائرية نينا بوراوي في 288 صفحة. وتقدمها الدار بوصفها قصة فتاة تريد أن تصبح بطلة رياضية كي تفلت من اضطراب أسرتها ومن عالم يضغط عليها من جميع الجهات.
وضع بوراوي داخل مفهوم «المهجر» أكثر تعقيداً من وضع عبد الله الطايع. فهي مولودة في فرنسا لأب جزائري وأم فرنسية، لكنها عاشت السنوات الأربع عشرة الأولى من حياتها في الجزائر، قبل انتقالها إلى فرنسا. لذلك فإن تجربتها الأدبية تنتمي إلى منطقة بينية: ليست هجرة بالمعنى الكلاسيكي فقط، وليست إقامة فرنسية منقطعة عن الجزائر، بل كتابة تتحرك باستمرار بين الذاكرتين.
بطلة Championne فتاة تتدرب بلا توقف على ضرب كرة التنس أمام جدار، ويصبح هذا التدريب نوعاً من المقاومة الداخلية. إنها تحاول الهرب من غضب الأب، واضطراب الأم، وأسرار الأسرة، ومن خطأ قديم يطاردها. وتصف دار النشر الرواية بأنها اعتراف لفتاة تريد أن تنتصر على ما يحيط بها وأن تصنع المرأة التي ستصبحها. (
في هذا العمل تتخذ ثيمة «العبور» شكلاً نفسياً أكثر من كونها عبوراً للحدود. الجزائر ليست مجرد جغرافيا، وفرنسا ليست مجرد مكان إقامة؛ الاثنتان تتحولان إلى طبقات من الذاكرة واللغة والانتماء. وهذا بالضبط أحد التحولات المهمة في أدب المهجر العربي الجديد: انتقال المنفى من سؤال «أين أعيش؟» إلى سؤال أكثر تركيباً: «أي جزء مني يعيش في كل مكان؟»
سابيل غصوب: «إمامي» واللغز اللبناني الذي لا ينتهي
وفي اليوم نفسه، 19 غشت 2026، صدرت عن دار Stock الفرنسية رواية Mon imam «إمامي» للكاتب والصحفي الفرنسي اللبناني سابيل غصوب، في 288 صفحة.
ينطلق غصوب هذه المرة من واحد من أكثر الألغاز السياسية والدينية إثارة في التاريخ اللبناني الحديث: اختفاء الإمام موسى الصدر خلال زيارة إلى ليبيا في 31 غشت 1978. إلا أن الكاتب لا يحول القضية إلى تحقيق تاريخي تقليدي، بل يستخدمها مادة للسرد والتخييل والسخرية والأسئلة حول الحقيقة والذاكرة والسلطة. وتعرض دار Stock الرواية باعتبارها عملاً يتجاوز حدود الأجناس الأدبية، يمزج البحث بالتخييل ويحاول تحويل الألم إلى مادة جمالية.
غصوب نفسه يجسد نموذجاً مختلفاً للمهجر. ولد في باريس سنة 1988 داخل أسرة لبنانية، وعمل في بيروت وأدار مهرجانها السينمائي، كما ظل مرتبطاً بالصحافة الفرنسية واللبنانية. إنه كاتب تتحرك هويته باستمرار بين باريس وبيروت، وهي الازدواجية التي ظهرت بقوة في عمله السابق Beyrouth-sur-Seine.
واللافت أن «إمامي» لا يقدم لبنان من الخارج بوصفه مجرد وطن مفقود، بل يعيد تفكيك إحدى أساطيره السياسية من موقع الكاتب الذي ينتمي إليه ويبتعد عنه في الآن نفسه. تلك المسافة هي واحدة من أكثر ميزات أدب المهجر خصوبة: أن يرى الكاتب الوطن من الداخل والخارج معاً.
ليليا حسّين و«JE»: الجيل الثاني يغادر الموضوع العربي المباشر
يصدر في 20 غشت 2026 أيضاً عن دار Gallimard كتاب JE للروائية الفرنسية ذات الأصول الجزائرية ليليا حسّين. وهنا نصل إلى حالة مختلفة تماماً، لأن حسّين لا تجعل الجزائر أو الهجرة موضوع روايتها المباشر، بل تذهب إلى قلب الأدب الإنجليزي الكلاسيكي، مستعيدة شخصية الزوجة الأولى لإدوارد روتشستر في رواية شارلوت برونتي الشهيرة Jane Eyre.
تعطي حسّين صوتاً وحياة ومصيراً لشخصية أنتوانيت، المرأة الكريولية الجامايكية التي يعرفها قراء Jane Eyre باسم بيرثا، المرأة التي جرى اختزالها في صورة «المجنونة». وتعيد الرواية النظر في علاقتها بروتشستر وفي العنف الرمزي الذي يبدأ حتى بتغيير اسمها ومحاولة محو هويتها.
وأهمية هذا الإصدار في سياق الكتابة ذات الجذور العربية تكمن تحديداً في أنه لا يتحدث عن الهجرة العربية بصورة مباشرة. فالجيل الثاني والثالث من كتّاب المهجر لم يعد مضطراً إلى إثبات «عروبته» من خلال الكتابة عن الجزائر أو المغرب أو لبنان. أصبح يستطيع اقتحام المتن الأدبي الأوروبي نفسه، وإعادة كتابة كلاسيكياته من زوايا الهامش والمرأة والاستعمار والهوية.
وهذه، في تقديري، علامة على نضج أدب المهجر: أن يغادر «موضوع الهجرة» من دون أن يغادر الحساسية التي أنتجتها تجربة التعدد الثقافي.
ومن بريطانيا: إيمي عبد النور ورواية «Ever Land»
وفي السياق الأنغلوفوني، يبرز أيضاً خلال صيف 2026 اسم الكاتبة البريطانية العربية إيمي عبد النور، التي صدرت روايتها الأولى Ever Land عن Hutchinson Heinemann التابعة لمجموعة Penguin Random House في 9 يوليو 2026. وتصفها Penguin بأنها كاتبة بريطانية عربية درست الإنجليزية والعربية في جامعة كامبريدج، وعاشت وعملت في الضفة الغربية ومخيمات اللاجئين في لبنان خلال شبابها.
تتقاطع الرواية بين زمنين وصوتين: دينا، المراهقة اليهودية البريطانية التي تنتقل عام 2000 مع أسرتها إلى إسرائيل، وصفا، الفتاة الفلسطينية التي قُتلت خلال حرب 1967 وظلت روحها تبحث عن أختها المفقودة. ومن خلال هذين المسارين تدخل الرواية إلى قضايا الاحتلال والاقتلاع والذاكرة والانتماء.
هذا العمل يوسع مفهوم أدب المهجر العربي أكثر، لأن الكتابة هنا تتم بالإنجليزية ومن داخل الثقافة البريطانية، لكنها تظل مرتبطة بتاريخ عربي وفلسطيني ولبناني. لم تعد اللغة العربية إذن شرطاً وحيداً لتعريف الأدب العربي في الشتات؛ فقد أصبح لدينا أدب عربي بالفرنسية والإنجليزية والألمانية وغيرها، حيث تتحول اللغة الجديدة إلى بيت ثانٍ للذاكرة الأولى.
ما الذي تقوله هذه الإصدارات مجتمعة؟
عند جمع هذه الأعمال يبدو واضحاً أن أدب المهجر العربي في 2026 لم يعد نوعاً أدبياً واحداً يمكن اختزاله في الحنين إلى الوطن.
عند عبد الله الطايع نجد الهجرة بوصفها تجربة يومية للهشاشة والصراع من أجل الاعتراف. وعند نينا بوراوي تتحول الجزائر إلى ذاكرة داخلية تتداخل مع تشكل الذات. أما سابيل غصوب فيستدعي لبنان من خلال لغز سياسي وتاريخي لا يزال مفتوحاً. وتذهب ليليا حسّين أبعد من ذلك، فتدخل التراث الأدبي الغربي نفسه وتعيد كتابة إحدى شخصياته المهمشة. بينما تربط إيمي عبد النور لندن وفلسطين ولبنان عبر رواية مكتوبة بالإنجليزية عن الذاكرة والاقتلاع.
إنها تحولات تشير إلى أن مفهوم «الكاتب العربي في المهجر» يحتاج هو نفسه إلى إعادة تعريف. لم يعد الأمر يتعلق فقط بكاتب غادر دمشق أو بغداد أو الرباط أو بيروت وحمل حقيبة المنفى إلى باريس أو لندن أو برلين. لقد ظهر جيل وُلد أصلاً في أوروبا، لكنه ورث ذاكرة الهجرة واللغة والأسرة والتاريخ، ثم أعاد تركيبها داخل ثقافة جديدة.
ومن هنا يبدو لي أن السؤال الأدق لم يعد: ماذا يكتب العرب في المهجر؟ بل: ماذا يفعل المهجر نفسه بالكتابة العربية وبهوية الكاتب؟
الإصدارات الجديدة في صيف 2026 تقدم جزءاً من الجواب. الكاتب العربي خارج وطنه لم يعد مجرد شاهد على الفقد، بل صار طرفاً فاعلاً في إعادة تشكيل الآداب الفرنسية والإنجليزية والأوروبية. إنه يدخل إلى ذاكرة الآخر، ويعيد كتابة كلاسيكياته، ويستدعي تاريخه العربي بلغته الجديدة، ويصنع من التعدد اللغوي والجغرافي مختبراً روائياً واسعاً.
وهكذا يبدو أدب المهجر العربي اليوم أقل تعلقاً بصورة «الحقيبة والمطار والمنفى» وأكثر اتصالاً بمفهوم الهوية المتحركة: هوية لا تقيم بصورة نهائية في بلد ولا في لغة واحدة، بل تنتج أدبها داخل المسافة الفاصلة بينهما.
وتلك المسافة، التي كانت يوماً جرحاً وجودياً بالنسبة إلى أجيال المنفيين الأولى، تتحول تدريجياً إلى واحدة من أكثر مناطق الأدب العربي المعاصر حيوية وخصوبة.








0 التعليقات:
إرسال تعليق