الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الأحد، أغسطس 16، 2026

كم يدفع الجزائري من قوته اليومي من أجل فاتورة البوليساريو؟ عبده حقي


كلما عدتُ إلى أرقام الميزانية الجزائرية، وإلى التقارير الدولية التي ترصد الإنفاق العسكري والعجز المالي ومؤشرات التنمية، يلح عليّ سؤال يصعب تجاوزه: ما الثمن الذي دفعه المواطن الجزائري، وما زال يدفعه، مقابل استمرار بلاده في رهن جزء معتبر من سياستها الخارجية والأمنية والمالية بنزاع الصحراء ودعم جبهة البوليساريو؟

لا أطرح هذا السؤال من باب السجال المغربي الجزائري المعتاد، ولا أريد أن أبني موقفاً على أرقام دعائية يصعب التحقق منها. ما يهمني هو أن أنظر إلى المسألة من زاوية الاقتصاد السياسي: كم تكلف الخيارات الجيوسياسية حين تتحول من موقف دبلوماسي إلى عقيدة دولة تمتد نصف قرن؟ وما الذي يحدث عندما تتعايش هذه العقيدة مع بطالة الشباب، وضعف تنويع الاقتصاد، والحاجة إلى السكن والصحة والتعليم وخلق فرص الشغل؟

المفارقة أن الرقم الأكثر أهمية في هذا النقاش ليس رقماً رسمياً يحمل اسم «ميزانية البوليساريو»، لأن مثل هذا البند لا يظهر بشفافية في قانون المالية الجزائري. الرقم الأكثر دلالة هو الإنفاق العسكري نفسه.

وفق معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، SIPRI، بلغ الإنفاق العسكري الجزائري سنة 2025 نحو 25.4 مليار دولار، بزيادة حقيقية تقارب 11 في المائة مقارنة بالسنة السابقة. والأهم من الرقم المجرد أن المؤسسة الدولية قدرت هذا الإنفاق بما يقارب 8.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، ونحو ربع الإنفاق الحكومي الجزائري.

بالنسبة إليّ، هذا الرقم وحده كافٍ لفتح نقاش وطني جزائري واسع حول الأولويات. فنحن لا نتحدث عن دولة صناعية كبرى ذات اقتصاد متنوع وقاعدة ضريبية ضخمة، بل عن اقتصاد ما زالت المحروقات تشكل أحد أعمدته الأساسية، وعن دولة تعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط والغاز لتغطية نفقاتها.

ولا يجوز، في المقابل، أن أرتكب خطأً منهجياً فأقول إن كل هذه المليارات تنفق بسبب البوليساريو. للجزائر تحديات أمنية حقيقية على حدودها الطويلة مع مالي والنيجر وليبيا، ولها مخاوف متصلة بالإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة وعدم الاستقرار في منطقة الساحل. لكن تقرير SIPRI نفسه يضع التوتر الجزائري المغربي، وخصوصاً النزاع حول الصحراء، ضمن دوافع سباق التسلح في المنطقة.

وهنا بالضبط تكمن المسألة التي أعتبرها جوهرية: دعم البوليساريو لا ينبغي قياسه فقط بالأموال المباشرة التي قد تقدم للجبهة، بل أيضاً بالكلفة الشاملة للبيئة السياسية والعسكرية التي أنتجها هذا النزاع واستمرار الجزائر في تبنيه باعتباره ملفاً استراتيجياً مركزياً.

في ميزانية 2026، تحدثت تقارير صحفية عن اعتمادات دفاعية تناهز 3.2 تريليونات دينار جزائري، أي ما يقارب 25 إلى 27 مليار دولار بحسب سعر الصرف المعتمد. وفي الوقت نفسه، أشارت تقديرات منشورة حول المالية الجزائرية إلى عجز ضخم قد يصل إلى عشرات مليارات الدولارات، ونسبة مرتفعة من الناتج المحلي.

حين أجمع هذين الرقمين، لا أستطيع أن أتعامل مع الأمر باعتباره مجرد اختيار سيادي لا علاقة له بحياة المواطن. فالاقتصاد يعلمنا أن لكل درهم أو دينار أو دولار تنفقه الدولة «تكلفة فرصة بديلة». والمليار الذي يذهب إلى شراء منظومة سلاح لا يذهب في اللحظة ذاتها إلى مستشفى أو جامعة أو شركة ناشئة أو منطقة صناعية أو مشروع للنقل أو فرصة عمل.

هذه ليست دعوة إلى تجريد الجزائر من حقها في الدفاع عن نفسها. كل دولة لها حق مشروع في ضمان أمنها. السؤال عندي مختلف: هل حجم الإنفاق متناسب مع المخاطر الحقيقية، أم أن نزاعاً تاريخياً وسياسياً ساهم في تحويل المنطقة إلى سوق مفتوحة للتسلح؟

عندما أقارن نحو 25 مليار دولار للإنفاق العسكري بمخصصات اجتماعية أقل بكثير في مجالات التعليم العالي، أو دعم المواد الأساسية، أو منحة البطالة، أرى بوضوح أن القضية لم تعد مجرد خلاف دبلوماسي مع المغرب. إنها أصبحت أيضاً قضية توزيع للثروة الجزائرية.

وتزداد الصورة تعقيداً عندما نبحث عن التمويل المباشر للبوليساريو. هنا يجب أن أكون دقيقاً: الأرقام التي تتداولها بعض المنابر المغربية أو الأجنبية عن إنفاق الجزائر ما بين 600 مليون ومليار دولار سنوياً على الجبهة لا تستند، في الغالب، إلى وثيقة رسمية جزائرية منشورة تسمح بالتدقيق المحاسبي.

كما أن تقديرات تتحدث عن مئات مليارات الدولارات خلال خمسة عقود تختلف بشكل كبير من مصدر إلى آخر. لهذا أرى أن ترديدها باعتبارها حقائق محسومة يضعف الحجة بدل أن يقويها.

الحجة الأقوى ليست في رقم غامض، بل في الأرقام التي لا يمكن إنكارها: إنفاق عسكري مرتفع جداً، سباق تسلح إقليمي، قطيعة بين أكبر بلدين في المغرب العربي، حدود مغلقة، تجارة بينية ضعيفة، واستمرار ملف الصحراء في قلب هذا الانقسام.

هناك أيضاً كلفة مخيمات تندوف. الجزائر تستضيف منذ عقود عشرات الآلاف من الصحراويين، وتوفر بحكم الواقع ترابها وخدمات وبنيات أساسية مرتبطة بإقامتهم. وتشير المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى استفادة سكان المخيمات من جوانب من الخدمات الوطنية الجزائرية، بينما يقوم برنامج الأغذية العالمي والاتحاد الأوروبي ومانحون آخرون بتمويل جزء مهم من المساعدات الغذائية والإنسانية.

ولهذا لا أستطيع أن أضع رقم كل مصاريف المخيمات في ذمة الخزينة الجزائرية وحدها، لكنني لا أستطيع أيضاً أن أقول إن وجود منظومة سياسية وأمنية وإنسانية بهذا الحجم طوال نصف قرن لا يكلّف الدولة الجزائرية شيئاً.

غير أن الكلفة الأكثر إغفالاً، في نظري، هي ما خسره المغرب العربي كله بسبب هذا الصراع.

لقد بقيت الحدود المغربية الجزائرية مغلقة لعقود، ثم قطعت الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب سنة 2021. وتعطل عملياً واحد من أهم مسارات الاندماج الإقليمي في شمال أفريقيا. التجارة البينية المغاربية ظلت من الأدنى عالمياً، بينما تؤكد دراسات اقتصادية دولية أن ضعف الاندماج يحرم المنطقة من نقاط نمو مهمة.

وأنا، كمغربي، لا أرى في خسارة الجزائر الاقتصادية مكسباً للمغرب. العكس هو الصحيح. المغرب يحتاج إلى جار جزائري مزدهر، والجزائر تحتاج إلى سوق مغربية قوية، وتونس وموريتانيا وليبيا تحتاج إلى فضاء اقتصادي متكامل.

لقد قدر البنك الأفريقي للتنمية في دراسات سابقة كلفة ضعف الاندماج في شمال أفريقيا بما يمكن أن يصل إلى نسب معتبرة من الناتج الداخلي الخام. لا يمكن بالطبع أن أنسب كل هذه الخسائر إلى قضية الصحراء، لكن من الصعب كذلك إنكار أن الخلاف المغربي الجزائري حولها يشكل واحداً من أبرز العوائق السياسية أمام بناء اتحاد مغاربي فعلي.

وحين أنتقل إلى سؤال «تفقير الشعب الجزائري»، أفضل مرة أخرى الدقة على المبالغة.

لا يمكن علمياً القول إن دعم البوليساريو هو السبب الوحيد في ضعف القدرة الشرائية أو البطالة أو الهشاشة الاجتماعية في الجزائر. هناك أسباب أعمق: اعتماد الاقتصاد على الريع النفطي والغازي، ضعف التنويع الصناعي، حجم البيروقراطية، مناخ الاستثمار، إنتاجية الاقتصاد، تقلب أسعار الطاقة، وسياسات الدعم والإنفاق العام.

البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تحدثا خلال السنوات الأخيرة عن ضغوط على المالية الجزائرية، وعن الحاجة إلى تنويع مصادر النمو والإيرادات، وعن مخاطر العجز والدين إذا استمرت الاختلالات المالية. هذه مشكلات بنيوية لا يمكن اختزالها في البوليساريو.

لكنني أرى، في المقابل، أن استمرار الإنفاق الكبير على الصراع الإقليمي يجعل معالجة تلك المشكلات أكثر صعوبة.

عندما تكون لديك موارد محدودة، يصبح الاختيار بين دبابة ومصنع اختياراً اقتصادياً. وبين صاروخ ومدرسة. وبين سباق تسلح ومنطقة تكنولوجية. وبين سياسة خارجية مستنزفة وسياسة تنموية تستثمر في الإنسان.

والمواطن الجزائري، في النهاية، لا يعيش داخل البيانات الجيوسياسية. يعيش في متجر يشتري منه الغذاء، وفي بيت يبحث عن إيجاره، وفي مستشفى ينتظر فيه العلاج، وفي سوق شغل يريد أن يجد فيه فرصة لأبنائه.

من هنا أرى أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح داخل الجزائر نفسها ليس: هل الجزائر مع البوليساريو أم ضدها؟ بل: ما الكلفة التي ينبغي لدولة أن تقبل بتحملها من أجل قضية خارج حدودها، وعلى مدى كم جيل؟

لقد دخل نزاع الصحراء عقده السادس. تغير العالم، وتغيرت التحالفات، وتغير الاقتصاد الدولي، وتغيرت مواقف دول عديدة من المبادرة المغربية للحكم الذاتي. أما فاتورة الصراع فما زالت تتراكم.

وما أراه من خلال الأرقام المتاحة هو أن الجزائر لا تدفع فقط أموالاً محتملة لدعم جبهة انفصالية؛ إنها تدفع كذلك ثمن سباق التسلح، والقطيعة المغاربية، وضياع فرص التجارة والاستثمار، والضغط على المالية العامة.

أما حجم التمويل المباشر للبوليساريو، فيبقى من حق الجزائريين قبل غيرهم أن يعرفوه.

ذلك هو السؤال الذي أراه أكثر مشروعية من كل الشعارات: إذا كانت الأموال أموال الشعب الجزائري، فلماذا لا يعرف الشعب الجزائري على وجه الدقة كم أنفق خلال نصف قرن على هذه القضية؟

وإذا جاءت الإجابة يوماً بالأرقام والوثائق، فقد نكتشف أن أغلى ما دفعته الجزائر لم يكن ثمن السلاح وحده، بل ثمن خمسين سنة من الفرص الضائعة في منطقة كان يمكن أن تصبح واحدة من أقوى التكتلات الاقتصادية جنوب المتوسط.

المصادر والمعطيات المرجعية

  • معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام SIPRI، بيانات الإنفاق العسكري العالمي لسنة 2025.

  • Reuters، تقارير قانون المالية الجزائري والإنفاق والعجز المتوقع لسنة 2026.

  • البنك الدولي، التقارير الاقتصادية الخاصة بالجزائر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

  • صندوق النقد الدولي IMF، مشاورات المادة الرابعة والتقارير المتعلقة بالمالية العامة الجزائرية.

  • المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين UNHCR، معطيات اللاجئين الصحراويين في مخيمات تندوف.

  • برنامج الأغذية العالمي WFP، برامج المساعدات الغذائية الموجهة إلى مخيمات تندوف.

  • البنك الأفريقي للتنمية AfDB، الدراسات المتعلقة بكلفة ضعف الاندماج الاقتصادي في شمال أفريقيا.

  • تقارير القدس العربي والشرق الأوسط المتعلقة بميزانية الدفاع الجزائرية وتطور الإنفاق العسكري.


0 التعليقات: