الفصـــل 25 من دستور المملكة : حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. حرية الإبداع والنشر والعرض في المجالات الأدبية والفنية والبحت العلمي, والتقني مضمونة.


إعلانات أفقية

الخميس، أغسطس 13، 2026

تفكيك لغز تحرير الرهينة الألماني في الجزائر: عبده حقي


 تابع الرأي العام قضية الإفراج عن المواطن التركي الألماني سينان أولومسكان، الذي اختُطف في النيجر ثم ظهر لاحقًا في الجزائر، باعتبارها أكثر من مجرد حادث أمني عابر في منطقة الساحل. ما يلفتني في هذه القضية ليس فقط مصير رجل أعمال وجد نفسه بين أيدي جماعة مسلحة، بل الطريقة التي جرى بها بناء الرواية الرسمية حول تحريره، وحجم الغموض الذي ظل يحيط بطبيعة التدخل الجزائري، والفراغات الكثيرة التي تركتها البيانات الرسمية مفتوحة أمام التأويل والأسئلة.

منذ الإعلان عن وصول الرهينة إلى الجزائر، قُدّمت العملية في صورة نجاح أمني ودبلوماسي مهم. ظهر الرجل على الأراضي الجزائرية، ثم نُقل إلى بوفاريك وسُلّم إلى السلطات الألمانية في إطار رسمي وبحضور دبلوماسي. هذه وقائع لا جدال في أهميتها. لكن ما لم يتضح بالقدر نفسه هو ما الذي حدث قبل لحظة ظهوره في الجزائر. هل نفذت الأجهزة الجزائرية عملية أمنية على الأراضي النيجرية؟ هل كانت هناك وساطة؟ هل تفاوض طرف ثالث مع الخاطفين؟ وهل دُفعت فدية مقابل الإفراج عنه؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلًا ثانويًا. فالرهينة نفسه تحدث، وفق الشهادة المنقولة عنه، عن عملية وصفها بأنها واسعة النطاق ومنفذة بكفاءة في بيئة الساحل، وهو توصيف يمكن أن يوحي للمتلقي بوجود تدخل أمني أو ميداني كبير. غير أن النص الذي استندت إليه يذهب في اتجاه آخر، إذ يؤكد أن أي تدخل عسكري جزائري داخل النيجر لم يقع، وأن دور الجزائر بدأ أساسًا في مرحلة تسلم الرهينة ونقله وإدارة الجزء الدبلوماسي والإعلامي من العملية.

بالنسبة إلي، هنا يبدأ جوهر المسألة. ففي القضايا الأمنية الحساسة، لا تكمن المهنية السياسية في صناعة صورة بطولية، بل في تقديم رواية قابلة للفحص. وحين تترك السلطات مساحات واسعة من الغموض، فإنها تفتح الباب طبيعيًا أمام روايات بديلة، بعضها قد يكون صحيحًا وبعضها قد يكون مبالغًا فيه.

المعطى الثاني الذي يستحق الانتباه يتعلق بهوية الرهينة نفسه. الرجل ليس مواطنًا ألمانيًا عاديًا كان يقوم برحلة سياحية في منطقة الساحل، بل يحمل الجنسيتين التركية والألمانية ويعمل، بحسب المعطيات الواردة في النص، في تجارة المعادن الثمينة والذهب. كما ترتبط به شركة ألمانية صغيرة عرفت تغييرات في هيكلها وملكيتها ومقرها خلال فترة قصيرة نسبيًا.

هذه الخلفية لا تثبت في حد ذاتها وجود أي نشاط غير قانوني، ومن الخطأ الصحفي القفز من الغموض التجاري إلى الاتهام. لكنها تساعد على فهم سبب وجود الرجل في النيجر. فالرواية الواردة في النص تقول إنه كان متوجهًا إلى منطقة تاهوا لإجراء صفقة مرتبطة بشراء الذهب قبل أن يقع اختطافه بعد يومين من وصوله إلى نيامي.

هنا أرى أن القضية تدخل مباشرة في قلب التحولات التي يعرفها الساحل. الذهب لم يعد مجرد معدن أو سلعة تجارية، بل أصبح في دول تعاني هشاشة أمنية جزءًا من منظومة معقدة تتقاطع فيها التجارة المحلية بالجريمة المنظمة، والجماعات المسلحة بشبكات التهريب، والمصالح الاقتصادية الإقليمية بالتنافس الجيوسياسي. لذلك فإن اختطاف رجل يعمل في المعادن الثمينة داخل هذا الفضاء لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة الاقتصاد غير الرسمي الذي نما في ظل ضعف الدولة وتفكك السيطرة الأمنية على مساحات شاسعة.

لكن أكثر ما يثيرني في الرواية هو موضوع الفدية. فالجزائر عُرفت تاريخيًا بخطاب شديد الوضوح ضد دفع الأموال للجماعات الإرهابية مقابل تحرير الرهائن، بل إن النص نفسه يشير إلى أن السلطات الجزائرية دافعت دوليًا عن مبدأ تجريم دفع الفدية باعتبارها مصدرًا لتمويل التنظيمات المسلحة.

غير أن المصادر التي يستند إليها صاحب النص تزعم أن الإفراج عن سينان أولومسكان لم يكن نتيجة عملية عسكرية، وإنما جاء بعد دفع مبلغ مالي للخاطفين. النص لا يقدم وثيقة مصرفية ولا تصريحًا رسميًا يؤكد ذلك، ولذلك لا أستطيع، كصحفي، أن أحول هذا الادعاء إلى حقيقة نهائية. لكنني لا أستطيع أيضًا تجاهله، خصوصًا عندما يقدم صاحبه رواية تفصيلية تقول إن شبكات تركية قريبة من الرهينة تحركت للمساعدة على دفع الأموال وتسهيل إطلاق سراحه.

إذا صحت هذه الرواية، فإن المشكلة لا تكمن فقط في دفع الفدية، بل في التناقض بين المبدأ المعلن والممارسة الممكنة. الدولة التي ترفض رسميًا تمويل الخاطفين لا تستطيع أن تتبنى خطابًا صارمًا في حالة، ثم تتعامل بمرونة في حالة أخرى من دون تفسير واضح. وهنا يصبح السؤال سياسيًا بامتياز: هل المبدأ ثابت، أم أن المصالح والتحالفات قادرة على إعادة صياغته وفق هوية الرهينة والجهات التي تتحرك خلفه؟

ويطرح النص كذلك فرضية تدخل رجال أعمال وشبكات تركية نافذة في الجزائر لدى دوائر القرار من أجل دفع الملف إلى الواجهة. كما يربط هذه الشبكات بمصالح اقتصادية تركية كبيرة في السوق الجزائرية، خصوصًا في قطاع الحديد والصلب والبناء. لكن النص نفسه يعترف بعدم امتلاكه دليلًا ماديًا يثبت وجود علاقة مباشرة بين الرهينة وبعض العائلات أو المجموعات الاقتصادية التي يذكر أسماءها.

وهذا الاعتراف مهم في نظري. فالصحافة التي تريد أن تكون قوية لا تحتاج إلى ملء الفراغات باليقين المصطنع. يكفي أحيانًا أن نضع الأسئلة في مكانها الصحيح. هل أدى الوزن الاقتصادي التركي في الجزائر إلى تسريع تدخل السلطات؟ هل دخلت قنوات رجال الأعمال على خط المفاوضات؟ وهل كانت الوساطة الجزائرية ذات طبيعة أمنية أم دبلوماسية أم مجرد تسهيل لعملية تمت أساسًا بين الخاطفين ووسطاء آخرين؟

من زاوية مغربية، أقرأ القضية أيضًا ضمن التنافس على النفوذ في الساحل. هذه المنطقة أصبحت اليوم مجالًا مفتوحًا أمام تركيا وروسيا والإمارات ودول أوروبية وقوى إقليمية مختلفة. الجزائر تحاول بدورها الحفاظ على صورة القوة المحورية في الشريط الساحلي، اعتمادًا على الجغرافيا والخبرة الأمنية والعلاقات القديمة مع جماعات وشخصيات محلية. لذلك فإن أي نجاح في ملف رهائن يمثل فرصة سياسية وإعلامية لتأكيد هذا الدور.

غير أن النفوذ الحقيقي لا يُقاس بالصور وحدها. إنه يُقاس بالقدرة على منع التدهور الأمني، وبناء الثقة مع دول الساحل، ومحاربة شبكات التهريب، وتوضيح قواعد التعامل مع الجماعات المسلحة. ومن هنا فإن الغموض الذي رافق قضية سينان أولومسكان لا يخدم صورة الجزائر بالضرورة، حتى لو كان تدخلها قد ساهم بالفعل في إنقاذ حياته.

أنا لا أقلل من قيمة تحرير إنسان من الأسر. حياة الرهينة أهم من كل الحسابات السياسية. لكن من حق الرأي العام أيضًا أن يعرف الفارق بين عملية أمنية، ووساطة سياسية، وتفاوض غير مباشر، وتسوية مالية. فكل واحدة من هذه الصيغ تحمل معنى سياسيًا مختلفًا.

قضية الرهينة التركي الألماني لم تكشف فقط هشاشة الأمن في النيجر، بل كشفت كذلك ذلك العالم الرمادي الذي تتداخل فيه تجارة الذهب مع العلاقات الاقتصادية، والمصالح التركية مع النفوذ الجزائري، والاتصال بالخاطفين مع الخطاب الرسمي لمكافحة الإرهاب.

وبالنسبة إلي، فإن السؤال الذي سيظل قائمًا ليس من الذي ظهر في الصورة لحظة النهاية، بل من تفاوض فعلًا قبلها، ومن دفع، ومن توسط، ولماذا ظلت هذه التفاصيل خارج الرواية الرسمية. هناك، في المسافة بين البيان السياسي وما جرى على الأرض، تبدأ الصحافة الحقيقية.


0 التعليقات: