اليوم الثالث عشر من غشت، اليوم الذي اعتدت أن أعدّه نقطة صغيرة مضيئة في تقويم العمر، فإذا به هذه السنة يتحول إلى فجوة مفتوحة في جدار الزمن، إلى تاريخ لا يدل على ميلادي بقدر ما يدل على غياب أمي، كأن اليوم الذي كان يردني دائمًا إلى البداية صار هذه المرة يردني إلى النهاية، وكأن الحياة، في مفارقتها الأكثر قسوة، اختارت أن تضع أمامي في يوم ولادتي السؤال الذي كنت أهرب منه طوال العمر: ماذا يبقى من الميلاد حين ترحل المرأة التي ولدتك؟
أستيقظ هذا
الصباح ولا أشعر أنني أضيف عامًا إلى عمري، بل أشعر أنني أنقص إنسانًا من العالم،
إنسانًا كان وجوده وحده يكفي لكي يمنح السنوات معنى لا أراه إلا الآن. كنت أظن أن
العمر عدد يتراكم، وأن عيد الميلاد مجرد محطة نعبرها كل سنة ونحن ننظر إلى الخلف
قليلا وإلى الأمام أكثر، أما اليوم فأفهم أن العمر ليس عددًا، وأن السنوات ليست ما
نعيشه نحن فقط، بل ما يبقى معنا من الذين شهدوا بداياتنا، ومن الذين حملوا ذاكرتنا
حين كنا أصغر من أن نحملها بأنفسنا. ولهذا يبدو موت الأم كأنه لا يأخذ شخصًا من
حياتنا فقط، بل يأخذ جزءًا من الزمن نفسه، يأخذ شاهدًا سريًا كان يحتفظ بنسختنا
الأولى قبل أن نصبح هؤلاء الذين صرنا إليهم.
أمي وحدها كانت
تعرفني قبل أن أعرف نفسي، كانت تعرف وجهي حين لم تكن لي مرآة، وصوتي حين لم أكن
أفهم معنى الصوت، كانت تحفظ بكائي الأول الذي لا أذكره، وتحفظ حرارة جسدي في
طفولتي، وأمراضي الصغيرة، وخطواتي الأولى، وربما أشياء كثيرة لم تسردها لي قط،
فبقيت في داخلها كأرشيف خاص لوجودي، ومع موتها أشعر أن مكتبة كاملة من حياتي قد
أغلقت أبوابها إلى الأبد. هناك جزء مني مات معها، ليس لأنني أحببتها فقط، بل لأنها
كانت الذاكرة التي سبقت ذاكرتي، واللغة التي سبقت لغتي، والبيت الذي سبق كل بيت
دخلته بعد ذلك.
اليوم الثالث
عشر من غشت، وأنا أفكر في هذه الحقيقة، يبدو لي الميلاد نفسه حدثًا غريبًا، كأننا
طوال حياتنا نحتفل بخروجنا إلى العالم وننسى الباب الذي خرجنا منه. نحتفل بالطفل
وننسى جسد الأم، نعد الشموع ولا نعد آلام الولادة، نضيف سنة إلى أعمارنا ولا نفكر
في المرأة التي بدأت بها ساعة وجودنا. الآن فقط أفهم أن عيد ميلادي لم يكن يومي
وحدي، بل كان يومها أيضًا، وربما كان يومها أكثر مما كان يومي، لأنني لم أفعل
يومها شيئا سوى أن أتيت، أما هي فقد عبرت الألم لكي أعبر أنا إلى الضوء.
لهذا أشعر
اليوم أنني أخطأت في كل أعياد الميلاد السابقة، كان ينبغي أن أتصل بها أنا، أن
أقول لها: كل عام وأنت بخير لأنك في مثل هذا اليوم منحتني عامًا أولًا، وكل
الأعوام التي جاءت بعده لم تكن سوى امتداد لذلك القرار الجسدي الغامض الذي اتخذته
الحياة داخل جسدك. كان ينبغي أن أهديك أنت وردة، لا أن أنتظر هدية، وأن أضع شمعة
أمامك لا أمامي، وأن أفهم مبكرًا أن صاحب الميلاد الحقيقي ليس فقط من يولد، بل من
يفتح له باب العالم.
لكن الإنسان
يتعلم بعض الحقائق في الوقت الخطأ.
نتعلم قيمة
الصوت بعد أن يصمت، وقيمة الباب بعد أن يغلق، وقيمة الجلسة العادية بعد أن تصبح
مستحيلة، وقيمة التفاصيل بعد أن يكتسحها الغياب. إننا نعيش أجمل الأشياء في حياتنا
ونحن نظن أنها عادية، وهذه ربما أكبر خدعة يمارسها الزمن علينا. مائدة مع الأم
تبدو مائدة، مكالمة قصيرة تبدو مكالمة، سؤالها عن الصحة يبدو سؤالًا مكررًا،
حضورها في البيت يبدو جزءًا طبيعيًا من هندسة العالم، ثم يأتي الموت فجأة فيكشف
لنا أن ما حسبناه عاديًا كان معجزة كاملة، وأن الاعتياد هو الحجاب الذي يمنعنا من
رؤية النعمة وهي أمامنا.
كانت أمي
موجودة، ولهذا لم أكن بحاجة إلى أن أفكر في معنى وجودها. الوجود، حين يستمر
طويلًا، يصير مثل الهواء، لا نشعر به إلا عندما ينقص. أما الآن فقد صار غيابها هو
الحضور الأكبر، صار الكرسي الفارغ أكثر امتلاء من الكراسي كلها، وصار الصمت الذي
خلفته أعلى من الكلام، وصارت الأماكن التي كانت تجلس فيها تحمل شكلها حتى وهي
خالية، كأن الأجساد حين تغادر لا تأخذ حدودها معها، بل تتركها مرسومة في الهواء.
أمشي في البيت
فأشعر أن الغياب له هندسة، أن الموت يعيد ترتيب الأمكنة من دون أن يحرك شيئًا. كل
شيء في مكانه، لكن لا شيء كما كان. الباب هو نفسه، والغرفة هي نفسها، والنافذة
ربما تفتح على المشهد ذاته، غير أن المكان فقد مركز جاذبيته. كانت أمي هي النقطة
الخفية التي تنتظم حولها أشياء كثيرة من دون أن ننتبه، وحين اختفت تلك النقطة،
بقيت الأشياء لكنها فقدت السر الذي كان يربط بعضها ببعض.
ربما لهذا يصبح
موت الأم زلزالًا لا يُرى. لا تسقط الجدران، لكن خريطة الداخل تتشقق. لا يسمع أحد
صوت الانهيار، لكن الابن يعرف أن قارة كاملة قد انكسرت في صدره.
وأنا اليوم، في
عيد ميلادي، أشعر أنني أعيش للمرة الأولى معنى أن يصبح الإنسان يتيمًا وهو رجل
كبير. كنت أظن أن اليتم كلمة تخص الطفولة، ثم اكتشفت أنها لا تعترف بالعمر. يمكن
للمرء أن يبلغ السبعين ويصبح فجأة طفلًا في لحظة موت أمه، لأن الأم لا تكبر
بالنسبة إلى ابنها ولا يكبر هو تمامًا بالنسبة إليها. هناك عمر سري يبقى ثابتًا
بينهما مهما تحركت السنوات، عمر لا تقيسه الساعات ولا تواريخ الميلاد، وحين تموت
الأم يخرج ذلك الطفل القديم من مكان بعيد داخل الرجل ويجلس في العراء.
أشعر بذلك
الطفل اليوم.
لا يهم ما
كتبته، ولا ما قرأته، ولا ما عرفته من العالم، ولا ما راكمته السنوات من تجارب،
فالحزن يعيد الإنسان إلى مادته الأولى. أمام موت الأم تسقط عني كل الأقنعة التي
صنعتها الحياة، وأعود إلى الكائن الأول الذي يريد فقط أن يسمع صوتًا واحدًا، أن
يمد يده فيجد يدًا واحدة، أن يلتفت فيجد امرأة تقول له إنه ما زال ابنها.
الإنسان يقضي
نصف عمره وهو يحاول أن يستقل عن أمه، ثم يقضي النصف الآخر وهو يكتشف أنه لم يستقل
عنها حقًا.
نغادر البيت،
نؤسس بيوتًا أخرى، نكوّن علاقات جديدة، نعبر المدن والسنوات، نظن أننا صرنا مراكز
لعوالمنا، لكن خيطًا رفيعًا يظل مربوطًا بالمكان الأول، بالمرأة الأولى، بالنداء
الأول. وموت الأم لا يقطع ذلك الخيط، بل يجعله مرئيًا لأول مرة. ما كان خفيًا
أثناء حضورها يتحول بعد رحيلها إلى وجع واضح.
أفهم الآن
لماذا يبدو الحنين أحيانًا ألمًا جسديًا، لأنه ليس تذكرًا فقط، بل حركة روح تبحث
عن مكان لم يعد موجودًا في العالم الخارجي. الحنين هو أن يمتد شيء في داخلك نحو
شخص، فلا يجد سوى الفراغ. هو حركة بلا وصول، سؤال بلا عنوان، طريق يعرف وجهته لكنه
يعرف أيضًا أن الباب في نهايته لن يفتح.
واليوم أكتشف
أن الغياب ليس نقيض الحضور كما كنت أعتقد. الغياب شكل آخر من الحضور، أكثر قسوة
وأكثر تجريدًا. الحاضر أمامنا يمكننا أن نغفل عنه، أما الغائب فيدخل في كل شيء.
يظهر في المائدة، في المرآة، في جملة عابرة، في رائحة، في شارع، في شخص يشبهه، في
ساعة معينة من النهار، في حركة يد، في كلمة كنا نسمعها منه. الغائب يتحول إلى شبكة
غير مرئية تمتد فوق العالم كله، ولهذا لا نستطيع الهرب منه، لأننا لا نعرف أين
يبدأ ولا أين ينتهي.
لقد ماتت أمي،
لكنها بطريقة غامضة انتشرت أكثر.
قبل موتها كانت
تسكن مكانًا محددًا، أما الآن فهي تسكن أمكنة كثيرة في ذاكرتي. كانت لها غرفة،
والآن لها البيت كله. كان لها صوت، والآن أسمع صداه في داخلي. كان لها جسد واحد،
والآن تظهر في مئات الصور الذهنية التي لا تحتاج إلى جسد. وهذا ما يجعل الموت
paradox غريبًا: يسلبنا الشخص لكنه يوسّع ظله.
ربما لهذا نخاف
النسيان أكثر من الموت نفسه.
أخشى يومًا لا
أستطيع فيه أن أستعيد نبرة صوتها بدقة، أو شكل يدها، أو الطريقة التي كانت تنطق
بها اسمي، أو ترتيب بعض تفاصيل وجهها. الذاكرة ليست خزنة آمنة، إنها كائن يتغير،
يحذف ويضيف ويخلط، ولهذا نشعر أحيانًا أننا نخون موتانا من حيث لا ندري، لأن
وجوههم تبدأ مع السنين في الذوبان قليلًا داخلنا.
لهذا أكتب.
ليست الكتابة
هنا زينة للحزن، ولا محاولة لتجميل الفقد، بل مقاومة هادئة لمحو الزمن. أكتب لكي
أثبت في اللغة شيئًا مما قد تفقده الذاكرة. أكتب لأن الموت يستطيع أن يأخذ الجسد،
لكنه لا يستطيع بسهولة أن ينتزع اسمًا استقر في جملة. اللغة مقبرة غريبة، لكنها
أيضًا مكان للبعث. كلما كتبت أمي، عادت لحظة، وكلما قلت اسمها في داخلي كأنني أفتح
نافذة صغيرة في جدار الغياب.
وأفكر أن
الإنسان ربما اخترع الكتابة أساسًا من خوفه من الفناء. لم تكن الكتابة رغبة في
تسجيل الحياة فقط، بل تمردًا على حقيقة أن كل شيء يزول. نكتب لأننا نعرف أن الوجوه
ستغيب، والأصوات ستصمت، والأجساد ستعود إلى التراب، فنترك علامات تقول: مرّ شخص من
هنا، أحب، وتألم، وترك في شخص آخر أثرًا لم تستطع المقبرة أن تمحوه.
أمي الآن أثر.
وهذه الكلمة
مؤلمة وعظيمة في الوقت نفسه.
الأثر أقل من
الجسد لأنه لا يمكنني أن أحتضنه، لكنه أكثر امتدادًا لأن الجسد كان محدودًا بمكان
وزمان، أما الأثر فيستطيع أن يظهر بعد عقود في كلمة أقولها من غير وعي، أو في عادة
ورثتها، أو في طريقة أنظر بها إلى الأشياء. ربما لهذا لا يموت الآباء والأمهات
تمامًا، إنهم يهاجرون إلى أبنائهم.
أبحث اليوم في
نفسي عن هذه الهجرة.
أراقب يدي
وأقول: هل في حركتها شيء منها؟
أسمع جملة
أقولها فأشعر أن نبرتها عبرت إليّ.
أنظر إلى وجهي
في المرآة وأبحث عن جزء من وجهها.
كأن الجسد نفسه
يصبح بعد موت الأم وثيقة نسب روحية، يقول لي: لا تخف، لقد رحلت لكنها تركت توقيعها
هنا.
وهذا ربما أكثر
ما يخفف قسوة الغياب: أنني لست منفصلًا عنها كما يوحي القبر. شيء من مادتها لا
يزال يسري في دمي، شيء من لغتها يسكن كلامي، شيء من خوفها وفرحها وعاداتها
وتربيتها يعيش في اختياراتي. موتها إذن ليس انقطاعًا كاملا، بل انتقال من الخارج
إلى الداخل.
لقد كانت
أمامي، وصارت فيّ.
ومع ذلك، ما
أشد قسوة هذا النوع من الحضور.
كنت أفضلها
أمامي.
كنت أفضل أن
أراها شخصًا لا رمزًا، جسدًا لا ذاكرة، صوتًا لا صدى.
الإنسان لا
يريد الفلسفة حين يفقد أمه، يريد أمه.
كل المعاني
الكبيرة تصبح صغيرة أمام هذه الحاجة البسيطة.
أستطيع أن أقول
إن الموت قانون كوني، وإن الفناء شرط الوجود، وإن الحياة لا تستقيم إلا بتعاقب
الحضور والغياب، لكن القلب يرفض حكمة كهذه. القلب ليس فيلسوفًا جيدًا حين يتعلق
الأمر بالأم. يقول ببساطة: أريدها أن تعود.
دقيقة واحدة
فقط.
هذا كل ما
أطلبه من المستحيل.
دقيقة لا لتقول
شيئًا عظيمًا، بل لتجلس كما كانت تجلس، لأنني اكتشفت أن الحضور اليومي هو أعظم
الأشياء وأكثرها تواضعًا. ربما لن أقول لها إلا ما تأخرت كثيرًا في قوله: إنني لم
أفهم قيمتك كاملة وأنت هنا، لأن الإنسان لا يفهم الشمس وهو واقف في النهار، يفهمها
أكثر حين يدخل العتمة.
ولكن الموت لا
يرد على طلباتنا.
إنه صامت
بطريقة مهينة.
ولهذا نحول طلب
العودة إلى دعاء، والحضور إلى ذكرى، والكلام إلى كتابة.
اليوم الثالث
عشر من غشت، وكل من يهنئني بعيد ميلادي يضع أمامي مفارقة لا يعرفها: يقول لي
"كل عام وأنت بخير"، وأنا أفكر في الشخص الذي كان يجعل كلمة
"الخير" ذات معنى.
ما الخير من
دون الأم؟
ليس معنى ذلك
أن الحياة تنتهي، فالإنسان يستمر، وهذا أحد أسرار الحياة وأحد أشكال قسوتها أيضًا.
نستمر بعد الذين ظننا أننا لن نستطيع العيش بعدهم. نستيقظ، نأكل، نتحدث، نكتب،
نخرج، نضحك أحيانًا، ثم نندهش من قدرتنا على مواصلة الأشياء.
الحياة لا
تحترم أحزاننا كما نتخيل.
لا تتوقف الشمس
لأن أمًا ماتت، ولا تتأخر الحافلات، ولا تغلق الأسواق، ولا يصمت العالم دقيقة
كاملة من أجل قلب واحد منكسر. الكون شديد اللامبالاة أمام مآسينا الفردية، وربما
لهذا اخترع الإنسان الطقوس والحداد والكتابة: لكي يصنع بنفسه تلك الوقفة التي يرفض
الكون أن يمنحه إياها.
أقف اليوم وحدي
داخل هذه الوقفة.
لا أريد من
الزمن أن يمر سريعًا، ولا أريد أن يحتفل بي أحد كأن شيئًا لم يحدث. أريد فقط أن
أفهم هذا اليوم الجديد من حياتي، يومًا أبلغ فيه عامًا آخر وفي الوقت نفسه أفقد
فيه المرجع الأول لمعنى عمري.
كنت كلما ازددت
عامًا أعرف، في مكان ما، أن أمي موجودة، وهذا وحده كان يجعل التقدم في السن أقل
رعبًا. الأم تمنحنا وهمًا جميلًا بأن هناك شخصًا أقدم منا بقليل سيظل واقفًا في
الخلف، كأننا مهما تقدمنا في العمر لا نصل إلى الحافة ما دام هناك من سبقنا إليها.
وحين تموت الأم نشعر فجأة أننا اقتربنا خطوة من الصف الأول أمام المجهول.
يصير العمر
أكثر شفافية.
يصير الموت أقل
تجريدًا.
قبل موت الأم
كان الموت فكرة أعرفها، أما بعدها فقد صار غرفة أعرف عنوانها.
وهذا ربما ما
يجعل عيد ميلادي هذه السنة ثقيلًا: إنه لا يذكرني فقط بأنني ولدت، بل يذكرني أيضًا
بأنني أمضي.
كل عيد ميلاد
هو في الحقيقة خطوة في اتجاهين: نبتعد عن لحظة الولادة ونقترب من لحظة الموت.
لكننا في سنوات الفرح ننظر إلى جهة واحدة فقط. اليوم أرى الطريق كاملًا، طرفيه
معًا، وأرى أمي واقفة عند البداية ثم أراها وقد عبرت النهاية، بينما أظل أنا في
منتصف الجسر.
ما الإنسان إلا
عابر يحمل موتاه معه.
وهذا ما أفعله
اليوم.
أحمل أمي في
الثالث عشر من غشت وأمشي بها في عام جديد.
ربما لن يكون
هذا اليوم عيد ميلادي بعد الآن بالمعنى القديم. سيصبح تاريخًا مزدوجًا، يومًا
يذكرني بمنح الحياة وبفقدها، بالبداية وبالمحو، بالرحم والقبر، وهما صورتان تبدوان
متناقضتين لكنهما تلتقيان في سر واحد: كلاهما مكان مغلق يعبر منه الإنسان إلى جهة
لا يعرفها.
خرجت من رحم
أمي إلى هذا العالم.
وخرجت أمي من
هذا العالم إلى جهة أخرى.
أنا ابن عبور
أول.
وهي الآن صاحبة
عبور أخير.
وبين العبورين
يمتد كل ما نسميه حياة.
أفكر في هذه
الصورة فأشعر أن وجودي كله حلقة في سلسلة لا أرى بدايتها ولا نهايتها. كانت أمي
يومًا ابنة لأم، ثم صارت أمًا، ثم صارت ذكرى في ابنها، وربما سأصير أنا يومًا ذكرى
في آخرين. نحن لا نملك أجسادنا طويلا، لكننا نمرر آثارنا من جيل إلى آخر مثل شعلة
لا يعرف أحد من أشعلها أول مرة.
لذلك لن أطفئ
شمعة اليوم.
أريد أن أتركها
مشتعلة رمزيًا.
شمعة واحدة لا
تمثل عمري بل تمثلها.
لا أريد أن
أنفخ عليها كما يفعل الناس في أعياد الميلاد، لأنني أشعر أن أشياء كثيرة قد انطفأت
بما يكفي. سأتركها مشتعلة في مكان داخلي لا يراه أحد، ربما تستطيع أن تكون علامة
بيني وبينها، علامة تقول إن هناك ضوءًا صغيرًا ما يزال يصل من هذه الضفة إلى تلك
الضفة.
وإذا كان لي أن
أتمنى أمنية في عيد ميلادي الأول من دونها، فلن أطلب عمرًا أطول ولا نجاحًا ولا
مالًا ولا سفرًا ولا أي شيء مما كان الناس يتمنونه عادة وهم يغمضون أعينهم أمام
الشموع.
سأتمنى شيئًا
واحدًا:
أن تبقى أمي
واضحة في ذاكرتي.
أن لا يلتهم
الزمن صوتها.
أن لا تصبح
صورتها باهتة.
أن أستطيع كلما
تقدمت السنوات أن أعود إليها من طريق صغير في داخلي.
وإذا جاء يوم
لم أعد أذكر فيه التفاصيل، فليظل شيء واحد على الأقل: الإحساس الذي كان يملأني حين
أعرف أنها موجودة.
ذلك الإحساس هو
الوطن الأول.
قبل المدن
والدول والبيوت والعناوين، كانت أمي هي الوطن.
الوطن ليس
أرضًا فقط، أحيانًا هو شخص نعرف أن العودة إليه ممكنة. وحين يموت ذلك الشخص نصير
منفيين حتى ونحن في بيوتنا.
أشعر اليوم
بشيء من هذا المنفى.
ليس لأنني بلا
أهل أو بلا حياة، بل لأن المكان الذي كان يعيدني إلى نسختي الأولى اختفى. لا أحد
بعد الأم يستطيع أن يعيدك إلى الطفل الذي كنتَه بالكفاءة نفسها. الآخرون يعرفونك
كما صرت، أما هي فكانت تعرفك قبل كل ما صرت إليه.
ولهذا فإن موت
الأم هو أيضًا موت شاهد على براءتنا الأولى.
بعدها نصير
وحدنا مسؤولين عن حمل الطفل القديم في داخلنا.
وأنا أحمله
اليوم.
أحمله إلى عام
جديد.
أقول له إن أمه
ماتت لكنه يستطيع أن يبكي.
أقول له إن
السنوات لا تلغي حقه في الحزن.
أقول له إن
الرجل الذي صار إليه يمكنه أن يكون هشًا اليوم من دون خجل.
وأقول لنفسي إن
الحزن ليس نقيض الحياة، بل أحد الأدلة على أننا عشناها بصدق. نحن لا نحزن إلا بقدر
ما أحببنا، وكل دمعة هي في وجهها الآخر اعتراف بأن شخصًا كان عظيمًا في وجوده إلى
درجة أن غيابه أحدث هذا الفراغ.
لهذا لن أعتذر
عن حزني.
لن أحاول أن
أختصره كي يناسب الآخرين.
سأتركه واسعًا
بقدر حضور أمي.
اليوم هو
الثالث عشر من غشت، وأنا لا أحتفل بمرور سنة أخرى فقط، بل أتعلم للمرة الأولى أن
الميلاد يمكن أن يكون حزينًا، وأن الإنسان قد يصل إلى عيد ميلاده فيشعر أنه يعود
لا إلى لحظة ولادته، بل إلى المرأة التي ولدته، وأن التاريخ الذي كان يخصه وحده
يتحول فجأة إلى مرثية لشخص آخر.
سأكتب اسمي
اليوم بجانب اسمها.
ليس لأنني أريد
أن أحول الحزن إلى نصب تذكاري، بل لأنني أفهم الآن أن اسمي نفسه خرج من قصتها.
أنا امتداد
لجسدها.
امتداد لزمنها.
امتداد لشيء
منها لا أعرف اسمه.
ربما لهذا يبدو
لي قول "عيد ميلادي" ناقصًا.
الأدق أن أقول:
ذكرى عبوري
الأول من أمي إلى العالم.
وها أنا، بعد
كل هذه السنوات، أقف على الضفة الأخرى من ذلك العبور، أرفع رأسي إلى غيابها وأقول:
يا أمي، كان
هذا يومي لأنك كنت فيه.
واليوم صار
يومك لأنك غبت عنه.
كنت أظن أنني
أحتفل بعمري، فإذا بي أكتشف أن العمر الحقيقي هو عدد المرات التي أحببنا فيها
شخصًا ولم نعرف أننا نحبه إلى هذا الحد إلا بعد أن غاب.
الثالث عشر من
غشت.
سنة جديدة تبدأ.
لكنني لا
أدخلها وحدي.
أدخلها ومعي أم
لا يراها أحد.
تمشي في لغتي.
في دمي.
في ظلال
الذاكرة.
في تلك المسافة
الدقيقة بين الدمع والجملة.
وأعرف أنني منذ
اليوم لن أقول إن أمي أصبحت من الماضي.
الماضي شيء
انتهى.
أما هي فلم
تنته.
لقد غيرت فقط
مكان إقامتها.
كانت تسكن
العالم.
وصارت تسكنني.
13 أغسطس 2026







0 التعليقات:
إرسال تعليق