تُقاس سياسة الدول تجاه جالياتها في الخارج بما يحدث للمواطن بعد أن يغادر حدود وطنه: هل يتحول إلى مجرد رقم في سجلات القنصلية، أم يظل جزءًا من المجال الوطني، حاضرًا في الحسابات الاقتصادية والثقافية والاستراتيجية للدولة؟ من هذه الزاوية تحديدًا، تبدو التجربة المغربية جديرة بالانتباه، لأنها أخذت تنتقل تدريجيًا من مفهوم «رعاية الجالية» إلى مفهوم أوسع وأكثر طموحًا: إشراك مغاربة العالم في صناعة المستقبل المغربي.
هذه النقلة هي، في تقديري، أهم ما يميز السياسة المغربية في هذا المجال. فالمغربي المقيم في باريس أو بروكسيل أو مدريد أو أمستردام أو مونتريال لم يعد يُنظر إليه فقط باعتباره مهاجرًا يعود في الصيف ويرسل جزءًا من دخله إلى أسرته، بل باعتباره كفاءة محتملة، ومستثمرًا، وفاعلًا مدنيًا، وجسرًا ثقافيًا ودبلوماسيًا بين المغرب ومجتمعات الإقامة.
وهذا التغيير في النظرة ليس مجرد تفصيل لغوي؛ إنه تحول سياسي.
لقد وضع الخطاب الملكي في 6 نونبر 2024 أساسًا لإعادة تنظيم الحقل المؤسساتي المكلف بمغاربة العالم، من خلال الدعوة إلى إعادة هيكلة المؤسسات، وتعزيز دور مجلس الجالية المغربية بالخارج، وإحداث «المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج» لتكون ذراعًا تنفيذية للسياسة العمومية، مع مهمة تعبئة الكفاءات وتنسيق البرامج وتبسيط المساطر.
وهنا تكمن، في نظري، إحدى نقاط القوة في المقاربة المغربية: الاعتراف بأن مشكلة الجالية ليست في غياب المؤسسات فقط، وإنما أحيانًا في تعدد المتدخلين وتشتت الاختصاصات. فالمواطن المقيم بالخارج لا يعنيه كثيرًا اسم الإدارة التي ستعالج ملفه؛ ما يعنيه هو أن يجد بابًا واضحًا، ومساطر سريعة، ومعلومة دقيقة، وإجابة في الوقت المناسب.
لذلك فإن رهان المرحلة المقبلة ليس خلق المزيد من الهياكل، بل جعل الإدارة المغربية أقرب إلى المواطن حيثما كان.
«مرحبا» ليست مجرد عبور صيفي
قد تبدو عملية «مرحبا» للبعض مسألة موسمية مرتبطة بالبواخر والموانئ والطرقات، لكنني أراها إحدى أكثر الصور وضوحًا لفلسفة الدولة تجاه مواطنيها المقيمين في الخارج.
عملية «مرحبا» أُنشئت منذ سنوات لمواكبة عودة مغاربة العالم، وتوفر آليات للمساعدة الاجتماعية والطبية والإدارية خلال فترة العبور. وفي 10 يونيو 2026 أُطلقت نسخة «مرحبا 2026»، فيما أفاد مجلس الجالية في بداية أغسطس بأن أكثر من 2.7 مليون من مغاربة العالم كانوا قد دخلوا المغرب في إطار العملية.
وراء هذه الأرقام توجد ملايين القصص الفردية: أسرة قطعت آلاف الكيلومترات، طفل يرى بلد والديه، متقاعد يعود إلى قريته، شاب ولد في أوروبا ويريد اكتشاف المغرب، ومستثمر يحمل معه مشروعًا بدل حقيبة سفر فقط.
لهذا فإن نجاح الاستقبال ليس شأنًا لوجستيًا فحسب. إنه فعل سياسي ورمزي يقول للمغربي المقيم في الخارج: أنت لم تغادر وطنك عندما غادرت جغرافيته.
وهذه الرسالة بالذات هي التي حافظت عبر عقود على قوة الارتباط بين أجيال متعاقبة من المغاربة وبلدهم الأصلي، رغم أن جزءًا متزايدًا من أبناء الجيلين الثاني والثالث ولد خارج المغرب ويحمل جنسيات أخرى ويتحدث بلغات مختلفة.
من التحويلات المالية إلى الاستثمار في المستقبل
الخطأ الأكبر الذي يمكن أن ترتكبه أي دولة تجاه جاليتها هو اختزالها في التحويلات المالية. صحيح أن تحويلات مغاربة العالم تمثل موردًا بالغ الأهمية للاقتصاد الوطني؛ وقد أعلن مجلس الجالية في أغسطس 2026 أن التحويلات تجاوزت 61 مليار درهم خلال النصف الأول من السنة.
لكن قيمة مغاربة العالم أكبر بكثير من الأموال المحولة.
هناك أطباء ومهندسون وباحثون وأساتذة جامعيون ورجال أعمال وفنانون وخبراء في التكنولوجيا والمالية والصناعات المتطورة يعيشون في عشرات الدول. والرأسمال الحقيقي الذي ينبغي للمغرب استقطابه ليس المال فقط، وإنما أيضًا المعرفة والشبكات والخبرة والقدرة على الوصول إلى الأسواق الدولية.
ولهذا تبدو الدعوة إلى إنشاء آلية لتعبئة كفاءات المغاربة المقيمين بالخارج منطقية للغاية؛ كما أن البوابة الحكومية المخصصة لمغاربة العالم تضع تعبئة الكفاءات ومواكبة حاملي المشاريع ضمن برامجها الاستراتيجية.
وتشهد صيف 2026 مؤشرات عملية على هذا التوجه. فقد احتضنت طنجة منتدى وطنيًا حول «الاستثمار ومغاربة العالم» بمشاركة نحو 300 شخص، بينهم أكثر من 150 مستثمرًا من أبناء الجالية، في سياق يسعى إلى تقريبهم من فرص الاستثمار والشركاء والمؤسسات.
هذه هي السياسة التي أعتبرها أكثر ذكاء: ألا نقول لمغربي العالم فقط «أرسل أموالك»، بل نقول له أيضًا: تعال بخبرتك، بفكرتك، بشركتك الناشئة، بعلاقاتك المهنية، وبقدرتك على فتح أبواب جديدة للاقتصاد المغربي.
الدولة تذهب إلى المواطن بدل انتظاره
أحد التحولات المهمة أيضًا هو محاولة تقريب الخدمات القطاعية من أفراد الجالية خلال وجودهم بالمغرب.
ففي أغسطس 2026 أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة قافلة خاصة بخدمة مغاربة العالم، وهو نموذج يعبّر عن اتجاه محمود: أن تتحول فترة العودة الصيفية إلى فرصة لمعالجة الملفات والاستفسارات، بدل ترك المواطن يتنقل بين الإدارات بحثًا عن المعلومة.
كما افتتحت مؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج مركز استقبال خاصًا بعملية «مرحبا 2026» لتقديم المواكبة لأفراد الجالية.
والأهم أن الرقمنة بدأت تدخل بدورها إلى هذا المجال. فقد أعلن مجلس الجالية المغربية بالخارج في أغسطس 2026 إطلاق المساعد الافتراضي الذكي «ݣول ليا / Goul-IA» المخصص لتقديم المعلومات والتفاعل مع مغاربة العالم.
قد تبدو هذه المبادرة تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل دلالة سياسية عميقة: الجيل الجديد من مغاربة العالم يعيش بهاتفه، ويتوقع أن يحصل على المعلومة فورًا، ولا يستطيع أن يفهم لماذا يحتاج إجراء إداري بسيط إلى أيام من الانتظار والمراسلات.
مستقبل علاقة المغرب بجاليته سيمر حتمًا عبر الهاتف والشباك الرقمي الموحد والخدمة القنصلية عن بُعد.
الجالية قوة ناعمة للمغرب
هناك أيضًا جانب لا يُقاس بالدرهم واليورو.
ملايين المغاربة المنتشرين عبر العالم يشكلون واحدة من أكبر شبكات القوة الناعمة التي يمتلكها المغرب. الطبيب المغربي الناجح في فرنسا، والمهندس في ألمانيا، والباحثة في كندا، ورجل الأعمال في إسبانيا، والفنان في بلجيكا، والطالب المتفوق في بريطانيا، كل واحد منهم يحمل جزءًا من صورة المغرب.
الجالية بهذا المعنى ليست «خارج الوطن» تمامًا؛ إنها امتداد دولي له.
وقد ظهرت خلال السنوات الأخيرة أهمية هذا الرصيد البشري في الدفاع عن مصالح المغرب وصورته وفي بناء شبكات العلاقات داخل المجتمعات الأوروبية والأمريكية والإفريقية.
لهذا يجب أن تبقى العلاقة مع مغاربة العالم أكبر من المواعيد الإدارية. إنها علاقة ثقافة وهوية ولغة وذاكرة.
والتحدي الحقيقي سيظهر أكثر مع الجيلين الثالث والرابع: شباب قد لا يتحدث بعضهم العربية أو الأمازيغية جيدًا، لكنه يستطيع أن يحمل انتماءً قويًا إلى المغرب إذا وجد سياسة ثقافية ذكية لا تعامله باعتباره نسخة من آبائه وأجداده.
النجاعة لا تعني أن الورش انتهى
الإشادة بالسياسة المغربية تجاه الجالية لا ينبغي أن تتحول إلى القول إن كل المشكلات قد حُلّت. فما تزال سرعة بعض المساطر القنصلية والإدارية، والاستثمار، والعقار، وربط الكفاءات بالمؤسسات الوطنية ملفات تتطلب مزيدًا من الجهد.
كما أن الإصلاح المؤسساتي المعلن بشأن مجلس الجالية والمؤسسة المحمدية يظل ورشًا ينبغي استكماله وتحويل فلسفته إلى نتائج يلمسها المواطن مباشرة.
وهنا بالضبط أرى معنى النجاعة السياسية: ليس الادعاء بأن المشاكل غير موجودة، بل امتلاك القدرة على اكتشافها وتصحيح أدوات التعامل معها.
لقد راكم المغرب تجربة طويلة في علاقته بجاليته، لكن المرحلة الجديدة تتطلب قفزة أخرى: من سياسة خدمة المهاجر المغربي إلى سياسة الشراكة مع المواطن المغربي العالمي.
فالجالية ليست حقيبة عملة صعبة تصل كل صيف، وليست ملايين السيارات التي تعبر الموانئ، وليست صفوفًا أمام شبابيك القنصليات.
إنها جزء من المغرب نفسه.
وإذا نجح المغرب في جمع طاقات أبنائه داخل الحدود مع طاقات أبنائه المنتشرين عبر القارات، فإنه لن يمتلك فقط جالية قوية في الخارج، بل سيملك شبكة مغربية عالمية قادرة على الاستثمار والتأثير ونقل المعرفة والدفاع عن المصالح الوطنية.
ذلك، في اعتقادي، هو الرهان الأكبر للسياسة المغربية الجديدة تجاه مغاربة العالم: أن تصبح المسافة بين الوطن والمهاجر مسافة جغرافية فقط، أما المواطنة فتبقى كاملة، مستمرة، وحاضرة أينما كان المغربي.








0 التعليقات:
إرسال تعليق